العنوان البعد الديني للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط
الكاتب محمد عبد الله السمان
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أبريل-1996
مشاهدات 54
نشر في العدد 1198
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 30-أبريل-1996
• مساعدة إسرائيل واجب ديني ولیست عملا سياسيا.. فقيام دولة صهيون ووقوع مذبحة هرمجيدون – شرط للعودة الثانية للمسيح
منذ القرن السادس عشر وضع مارتن لوثر رسما للمسيح وهو يصارع حيوانا أسطوريا بثلاثة رؤوس، أحد الرؤوس كان يمثل البابا وهو ينفث من فمه كهنة وارواحًا شريرة، وكان الرأس الثاني يمثل الشيطان متنكرا في هيئة ملاك، أما الرأس الثالث فكان يمثل مسلما، «مسلم تركي» الذي كان ينظر إليه على أنه من علامات الساعة – يوم القيامة - مماثلا يأجوج ومأجوج، وبذلك يكون لوثر قد غرس النبتة الأولى للفكر الأصولي المسيحي ضد الإسلام، هذه النبتة أصبحت الآن غابة أمريكية كبيرة، فهناك ٦٠ مليون أمريكي يعتنقون هذا الفكر، وفي الكونجرس المؤلف من ٤٣٥ عضوا يوجد 60 عضوا من أتباع هذا الفكر أيضا، علما بأنه لا يوجد سوى ٤٠ عضوا أسود، رغم أن السود يشكلون حوالي 15 بالمائة من الأمريكيين.
وعندما أطلق صموئيل هانتجتون نظريته الأخيرة حول صراع الحضارات كان يرتكز على هذه الخلفية العدائية للإسلام، فقد سوقت نظريته بسرعة بضاعة العدو الإسلامي؛ لأن ثمة استعدادًا في الثقافة الدينية الإنجيلية؛ لتقبل هذه النظرية وللتعامل معها على أنها واحدة من الأمور الإلهية المدبرة.
قبل أن أتحدث عن هذه الحركة وعن دورها السياسي، لا بد من التأكيد على أنها لا تمثل ولا تشمل كل الكنائس الإنجيلية، بل إن هناك كنائس إنجيلية أمريكية معادية لها كالكنيسة المشيخية، وغني عن القول: إن الكنائس الكاثوليكية والأرثوذوكسية في حالة صراع مبدئي وعقدي معها أيضا، إن فئة من المسيحيين الإنجيليين الأمريكيين، وليس جميعهم، تنضوي تحت لواء هذه الحركة الكنسية الكبيرة الحسنة التمويل، والتنظيم، وهي تعتبر أن كل ما في الكون مدير بقرار إلهي مسبق، ولذلك تسمى بالكنيسة التدبرية، وتؤمن بعقيدة الولادة الثانية المبنية على الإيمان بالعودة الثانية للمسيح، وبأن لهذه العودة شروطا، منها قيام دولة صهيون وتجمع يهود العالم فيها، ولذلك تعتبر مساعدة إسرائيل واجبًا دينيًّا وليس مجرد عمل سياسي مرتبط بحسابات المصالح، وتؤمن هذه الحركة الأصولية أيضا بأنه بموجب تدبير إلهي أيضا تتعرض الدولة اليهودية إلى هجوم من غير المؤمنين، وخاصة من المسلمين والملحدين، مما يتسبب في وقوع مجزرة كبيرة تدعى «هرمجيدون» نسبة إلى موقع المجزرة في سهل مجيدو، الذي يقع بين الجليل والضفة الغربية، في هذه المجزرة تستعمل أسلحة مدمرة كيماوية ونووية، ويقتل فيها مئات الآلاف من المهاجمين ومن اليهود معا.
«سيناريو» هرمجيدون كما يرسمه هال ليندسي أحد أبرز قادة الحركة في كتابه نهاية الكرة الأرضية العظيمة يفترض.
1 – قيام إسرائيل.
٢ – عودة اليهود من الشتات إلى أرض الميعاد.
3- إعادة بناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى.
٤- تعرض إسرائيل إلى هجوم كبير من الكفار (من المسلمين وأنصارهم).
5– قيام ديكتاتور يكون أسوأ من هتلر أو ستالين أو ماوتسي تونج يتزعم القوات المهاجمة.
٦- خضوع مناطق واسعة من العالم لسيطرة هذا الديكتاتور، الذي يعادي اليهود.
٧- تحول ١٤٤ ألف يهودي إلى المسيحية الإنجيلية بحيث يصبح كل واحد منهم مثل بيلي جراهام «القس الإنجيلي الأمريكي المعروف» ينتشرون في العالم؛ لتحويل بقية الشعوب إلى الديانة الإنجيلية.
8- وقوع معركة هرمجيدون النووية، التي تتسبب في كارثة بيئية ضخمة.
٩- ارتفاع المؤمنين بالولادة الثانية للمسيح وحدهم وبالجسد بمعجزة إلهية فوق أرض المعركة، ونجاتهم من الكارثة، بينما تذوب أجسام بقية البشر في الحديد المنصهر.
۱۰- حدوث كل ذلك في طرفة عين.
۱۱ – نزول المسيح بعد سبعة أيام إلى الأرض وحوله جميع المؤمنين به.
۱۲ – يحكم المسيح العالم لمدة ألف عام بعدل وسلام؛ حتى تقوم الساعة (الألفية).
من أتباع هذه الكنيسة شخصيات أمريكية سياسية ودبلوماسية وإعلامية وعسكرية تتبوأ مراكز قيادية بارزة، كان منهم مثلا الرئيس الأسبق رونالد ريجان.
في كتاب «النبوءة والسياسة» تقول الكاتبة غريس هالسل «وكانت تكتب الخطاب السياسي للرئيس الأسبق ليندون جونسون»: لقد أصبح تقليديًّا دعوة شخصية دينية أو أكثر من هذه الكنيسة إلى البيت الأبيض، وفي كل مرة يجد الرئيس الأمريكي نفسه مدعوًّا؛ لاتخاذ قرار جوهري يتعلق بالشرق الأوسط.
وأهمية مشاركة الشخصية الدينية هي العمل على توجيه القرار السياسي الأمريكي بحيث يتوافق مع إرادة الله، وفي مفهوم هذه الحركة الكنسية الأصولية، فإن إرادة الله تحددها التفسيرات الموضوعة لمجموعة من النبوءات الدينية التي ورد ذكرها في بعض أسفار التوراة والعهد القديم، مثل: سفر الرؤيا، وسفر حزقيال، وسفر يوحنا، وغيرها، من هذه
النبوءات معركة هرمجيدون، التي يتبعها مباشرة الظهور الثاني للمسيح.
في مارس «آذار» من عام ۱۹۸۱م نقلت مجلة نيويورك تايمز عن أحد كبار شخصيات هذه الحركة، وهو القس جيري فولويل أن الرئيس ريجان قال له: «جيري.. إنني أحيانا أؤمن بأننا نتوجه بسرعة كبيرة نحو هرمجيدون».
وفي أكتوبر «تشرين أول» من عام ۱۹۸۳م قال الرئيس ريجان أمام لجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية: «إنني أتساءل إذا كنا نحن الجيل الذي سيشهد معركة هرمجيدون، فإن النبوءات في العهد القديم تصف تماما الوقت الذي نمر فيه».
إن العلاقة بين العمل السياسي العسكري والإيمان الديني بهذه النبوءات هي علاقة مباشرة؛ ذلك أن هذه الحركة الكنسية تعلم أتباعها أن من واجب الإنسان المؤمن أن يوظف كل إمكاناته وقدراته لتحقيق إرادة الله، وأن الله يختار من الناس من يؤهلهم ويمكنهم من القيام بهذا الدور المساعد لتحقيق الإرادة الإلهية، ولذلك كان الرئيس الأسبق ريجان يقول: إنه يتمنى أن يمن
الله عليه بشرف كبس الزر النووي؛ لتحقيق إرادة الله في وقوع هرمجيدون، ومن ثم بظهور المسيح.
هذا يعني «أن الإيمان بهرمجيدون يتطلب إنتاج الأسلحة المدمرة، وقد أنتجت، وهو يتطلب خلق الظروف المؤاتية لاستعمال هذه الأسلحة في المكان، الذي تحدده النبوءات للظهور الثاني للمسيح، وهذا المكان هو الشرق الأوسط.
وردت كلمة هرمجيدون مرة واحدة في الإنجيل، وتحديدا في المقطع السادس عشر من الفصل السادس عشر من سفر الرؤيا، وجمعهم كلهم في مكان يدعى بالعبرية هرمجيدون.
وفي الفصل ۲۸ و ۳۹ من سفر حزقيال وصف لما يحدث: «ستنهمر الأمطار، وتذوب الصخور، وتتساقط النيران، وتهتز الأرض، وتتساقط الجبال والجدران على الأرض في وجه كل أنواع الإرهاب».
ويفسر القس هول ليندسي الحلم الذي ورد في سفر يوحنا بأن - يوحنا - رأى في الحلم جرادا لها أذيال العقارب: «بأنها طائرات هليكوبتر كوبرا، التي تطلق من أذيالها غاز الأعصاب!!».
وفي كتابه الشهير «نهاية الكرة الأرضية العظيمة» «طبع منه حتى عام ١٩٩٠م ( ١٥) مليون نسخة»، يقول القس ليندسي: «بعد أن أصبح اليهود أمة بدأ العد العكسي للمؤشرات التي تتعلق بالنبوءات الدينية (قيام إسرائيل كان في حد ذاته أول مؤشر، ثم احتلال القدس، ومن المؤشرات المنتظرة بناء هيكل سليمان»، واستنادًا إلى هذه النبوءات، فإن العالم كله سوف يتمركز حول الشرق الأوسط، وخاصة حول إسرائيل في الأيام الأخيرة، إن كل الأمم سوف تضطرب وسوف تتورط بما يجري هناك.
وباستطاعتنا الآن أن نرى كيف أن هذا الأمر يتطور ويأخذ مكانه الصحيح في مجرى النبوءات تماما، كما تأخذ الأحداث مواقعها في الصحف اليومية.
ومنذ العام ۱۹۷۰م والقس الإنجيلي المعروف بيلي جراهام يردد في مواعظه، التي تنقلها شبكات التلفزة الأمريكية :«إن العالم يتحرك بسرعة كبيرة نحو هرمجيدون، وأن الجيل الحالي من الشباب قد يكون آخر جيل في التاريخ»، هذا القس هو الذي أدى صلاة الاحتفال بأداء القسم للرئيس بيل كلنتون لدى تسلمه سلطاته رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية في عام ١٩٩٢م.
وعندما زار الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي کارتر إسرائيل في مارس «آذار» ۱۹7٩م، ألقي خطابا أمام الكنيست «وكان يعمل على إقرار معاهدة الصلح بين مصر وإسرائيل»، قال فيه: جسد من سبق من الرؤساء الأمريكيين الإيمان بأن جعلوا علاقات الولايات المتحدة مع إسرائيل هي أكثر من علاقات خاصة، إنها علاقات فريدة؛ لأنها متأصلة في ضمير الشعب الأمريكي نفسه أخلاقه، وفي دينه، وفي معتقداته، لقد أقام كلا
من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية مهاجرون رواد، ثم إننا نتقاسم معكم التوراة».
طبعا كان يمكن أن يبدو سيناريو هرمجيدون وأدبيات الحركة الأصولية الإنجيلية الأمريكية مجرد خزعبلات أو هلوسة دينية، ولكن عندما يكون من بين المؤمنين بها إيمانا شديدا وصادقا رؤساء «ريجان – كارتر»، ووزراء (وزير الدفاع الأسبق «جسبار وينبرجر») وغيرهم من كبار الشخصيات الأمريكية السياسية والعسكرية، التي تتبوأ مراكز قيادية حتى الوقت الحاضر.
وعندما توزع نسخ من كتاب هول ليندسي على كل أعضاء البيت الأبيض وموظفي البنتاجون وقادة القوات الأمريكية، وعلى جميع أعضاء الكونجرس «الشيوخ والنواب»، وعلى حكام الولايات المتحدة وكل الشخصيات النافذة، عندما يحدث ذلك بهذه العلانية، فإن السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط تصبح مجرد ترجمة لهذا المفهوم الإنجيلي المتهود – للمسيحية».
ويعكس الموقف الذي اتخذه الثلاثاء ٢٤ يوم أكتوبر «تشرين أول» ۱۹۹٥م الكونجرس الأمريكي بمجلسيه الشيوخ والنواب، باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، وينقل مقر السفارة الأمريكية إليها من تل أبيب مدى قدرة الحركة الأصولية على التأثير في صناعة القرار الأمريكي، لقد وضع السيناتور بوب دول المشروع بهدف كسب تأييد الأصولية الإنجيلية في معركة انتخابات الرئاسة الأمريكية، التي يخوضها ضد الرئيس بيل كلنتون، ورغم أن ثمانية من قادة الكنائس الأمريكية الكاثوليكية والأرثوذوكسية والإنجيلية المشيخية وقعوا في مارس «آذار» الماضي على بيان يعارض نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ورغم أن الرئيس كليتون نفسه لا يجد في توقيت القرار على الأقل، أية خدمة للمصالح الأمريكية الإستراتيجية أو لمساعي التسوية السياسية في الشرق الأوس،ط التي تقوم بها إداراته، فإن الإثارة الدينية تكاملت مع المعركة الداخلية حول انتخابات الرئاسة لولادة أخطر قرار يلقي بقفازات التحدي في وجه العالمين الإسلامي والمسيحي معا، من خلال ذلك يتبين بوضوح أن الأصولية الإنجيلية لا تقتصر على مجرد تقديم تفسيرات معينة لمفاهيم دينية محددة، ولكنها تحاول أن تصنع المستقبل وفقا لهذه التفسيرات وعلى قاعدتها.
ومن خلال الموقع الممتاز الذي تتبوأه في مصنع القرار الأمريكي، «والذي يتحكم في مصائر العالم ومقدراته» لم يعد يجوز، ولم يكن جائزا في الأساس، تجاهل دورها وتأثيرها ونفوذها، فقرار الكونجرس بشأن القدس لم تمله مصالح أمريكية.
وهو لا يقع في إطار حركة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، ولكن أملته معتقدات دينية أصولية، وبات على السياسة الأمريكية أن تتكيف معه، وأن تعيد النظر في سلوكها وفقا لمقتضيات الالتزام به كمعطى إلهي مقدس.
إن الحركة الإنجيلية الأصولية توظف الإعلام بشكل إيجابي «فيما يستخدم الإعلام الصحوة الإسلامية بشكل سلبي» كمثال على الحالة الأولى يأمل موريس سيريلو من خلال ربط نشاطات الحركة الإنجليلة العالمية بشبكة الأقمار الاصطناعية أن يعتنق مليون شخص الإنجيلية حتى العام ألفين.
استنادًا إلى ما أوردته مجلة نيوزويك في عددها (30/ 10 / 1995م)، فإن الكنيسة الإنجيلية المعروفة باسم «الكنيسة العالمية لمملكة الرب» أصبح لها من الاتباع ما يناهز المليونين ونصف المليون مؤمن، رغم أنها تأسست في عام ١٩٧٧م.
والبرازيل التي تعتبر أكبر دولة كاثوليكية في العالم ارتفع عدد الإنجيليين فيها إلى ٣٠ مليون مؤمن، وقد نشرت النيوزويك معلومات عن ممتلكات راعي هذه الكنيسة العالمية لمملكة الرب "أدير ماسيدو" في البرازيل وحدها، وهي:
- مصرف.
- مطبعتان.
- أستديو تسجيل.
-مصنع للأثاث.
محطة تلفزة هي الثالثة من حيث الانتشار، وتبث عبر ٤٧ محطة، يجمع سنويا تبرعات من المؤمنين تبلغ 750 مليون دولار.
وقد نقلت محطة التلفزة مشاهد لأحد قادة هذه الكنيسة «سيرجيو فون هولدر»، وهو يحطم برجله تمثالا للسيدة العذراء بلون أسود مصنوع من السيراميك في القرن الثامن عشر، كان صيادون برازيليون عثروا عليه في شباكهم بالصدفة منذ عدة سنوات، واعتبر يوم العثور على تحليل سياسي
التمثال في ۱۲ أكتوبر «تشرين أول» يوم عطلة دينية في البرازيل لما يرمز إليه التمثال من معنى روحي، وبمناسبة هذه الذكرى قام سيرجيو بتحطيم التمثال وهو يردد: هل الله بشع إلى هذه الدرجة؟!، كان طبيعيا أن يغضب الكاثوليك، وأن يثوروا ضد هذا الانتهاك الفظ لرمز مقدس، الأمر الذي أشعل فتيل صراع يخشى أن يلتهب. على كل حال فإن هذه الكنيسة الإنجيلية الأصولية تشرف الآن على ۲۱۰۰ معبد منتشرة في ٤٦ دولة في العالم.
كنت في زيارة لعاصمة أوزبكستان؛ حيث شاركت في مؤتمر حول التعايش الإسلامي المسيحي في آسيا الوسطى.
وهو أول مؤتمر من نوعه يعقد في تاريخ المنطقة، بدا واضحا خلال المؤتمر أن المسلمين والأرثوذوكس يشكون معا من غزو الكنائس الإنجيلية الأمريكية.
فحركة التبشير الإنجيلي تجري على قدم وساق في الجمهوريات الخمس «تركمانستان- کازاخستان- قرقيزيا- أوزباكستان- طاجيكستان».
تعمل عدة عوامل في خدمة حركة التبشير الإنجيلية هذه التي تشمل مسلمين وأرثوذوكس معا، هذه العوامل هي:
- حالة الفقر الشديد، التي تعاني منها شعوب المنطقة.
- الإمكانات المالية الإغرائية الواسعة، التي تتمتع بها الحركات التبشيرية.
- ربط ثقافة التحرر من الشيوعية بالانفتاح على كل ما هو آت من الولايات المتحدة: الكولا- الهمبرجر- الجينز- والمبشرين.
- حرص حكومات دول آسيا الوسطى على استرضاء الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة؛ للحصول على الدعم المعنوي والاقتصادي، وينعكس هذا الحرص؛ تسهيلا لعمل حركات التبشير والترخيص لها.
- ضعف الخلفية الثقافية والتربوية الإسلامية لدى معظم قادة هذه الدول ومسئوليها الذين تحولوا من الشيوعية إلى الإسلام بقرار اتخذوه بأنفسهم ولأنفسهم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتفتته.
وهكذا قام بيل جراهام مثلا - وهو أحد رموز الحركة الإنجيلية الأصولية في الولايات المتحدة - بزيارة طشقند في العام الماضي؛ حيث نظم له احتفال شعبي في إحدى الساحات العامة، حضره كما قيل لي عدة آلاف من سكان المدينة، الذين استمعوا إلى موعظة تبشيرية له، ألقاها في الهواء الطلق، ونقلت أجهزة الإعلام المحلية وقائعها مفصلة.
خلال المؤتمر الذي عُقد في مدرسة لاهوتية أرثوذوكسية في طشقند شكا مفتو ورؤساء المجالس الدينية في الجمهوريات الخمس، وكذلك مطارنتها الأرثوذوكس من خطر إقبال الناشئة على التحول من الإسلام، ومن الأرثوذوكسية إلى الإنجيلية وخاصة إلى الإنجيلية الأصولية، وقد سجلت الأرقام الإحصائية الآتية عن حركة التحول الديني نقلا عن مداخلات هذه المراجع الدينية.
تم تسجيل ١٩ كنيسة رسمية في أوزبكستان من بينها الكنيسة الأرثوذوكسية، وأحد عشر كنيسة إنجيلية، كما تم تسجيل تحول ۱۳ مسلما وعشرة أرثوذوكس إلى إنجيلية.
وفي طاجيكستان؛ حيث تم الاعتراف بثلاثة وعشرين مؤسسة دينية كنسية جديدة، وسجل تحول ٢٠ مسلماً إلى الإنجيلية، وفي قرقيزيا تم إنشاء ٣٠ كنيسة إنجيلية منها ١٧ معمدانية و ۸ لوثرية و9 أدفنتيست، وتشكو تركمانستان فوق ذلك من نشاط واسع تقوم به هناك «حركة شهود يهوه» والحركة البهائية.
إن البعد الديني للسياسة الخارجية الأمريكية ليس جديدا، ففي الأساس كان يتنازع رسم الإطار العام للسياسة الخارجية الأمريكية عاملان أساسيان، العامل الأول: هو الشعور بأن للولايات المتحدة دورًا أساسيًّا في نشر وفي تعميم مثاليات دينية ترتبط بالأصول التطهرية التاريخية للدولة، وباعتبار أن هذه الدولة«الأمريكية» تحقق كما يقول «وليم باف» - أحد كبار المعلقين السياسيين في صحيفة لوس أنجلوس تايمز -: «مملكة الله على الأرض»!!.
أما العامل الثاني فهو تحقيق الاكتفاء الذاتي والانكفاء الداخلي والانعزال عن العالم الخارجي الفاسد (!)، وتأمين السلامة الداخلية من خلال «نظرية القارة المنعزلة».
الدور الذي تقوم به الحركة الكنسية الإنجيلية الأصولية في صناعة القرار السياسي الأمريكي يلغي عمليا المسافة بين الدين والدولة، ويجعل من الإدارة الأمريكية أداة تنفيذية بيد حركة كنسية
أول غلبة للعامل الأول على الثاني كانت في عام ۱۸۹۸م بتوجيه من الحركة البروتستانتية، التي أيدت الثورة الكوبية ضد الحكام الكاثوليك.
كان الهدف من ذلك هو نقل البروتستانتية إلى كوبا وبورتوريكو وإلى الفليبين من خلال استغلال نضال شعوب تلك المناطق؛ للتحرر من الاستعمار الأسباني - البرتغالي المرتبط في ذلك الوقت بالكاثوليكية.
ثاني غلبة حدثت في عام ١٩١٦م عندما استجاب الرئيس ودرو ولسون لطموحات کنیسته البروتستانتية – الكنيسة المشيخية) بالتدخل في أوروبا ضد ألمانيا القيصرية، وذلك من أجل كسب الحرب «التي تنهي كل الحروب»، وتأمين قيام نظام عالمي «مبادئ ولسون الأربعة عشر» من خلال نشر المبادئ البروتستانتية كمظلة وحيدة للأمن والاستقرار في العالم.
ثالث غلبة لها حدثت في عام ١٩٤١ م بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربور، وهناك من يشكك حتى الآن في أن النازية الهتلرية والفاشية الموسولينية لم تكونا وحدهما كافيتين للخروج الأمريكي من نظرية القارة المنعزلة والتورط في الحرب العالمية الثانية.
في عام ١٩٤٨ م. ١٩٥٠ م عندما سيطر الروس على أوروبا الشرقية وشكلوا تهديدا مباشراً لحلفاء الولايات المتحدة في أوروبا الغربية تحركت الكنيسة لحمل الإدارة الأمريكية على بذل جهدها لوضع حد لانتشار الشيوعية البلشفية، التي تتنافى تماما مع النظرية البروتستانتية التطهرية، التي تبشر بها الكنائس الإنجيلية الأمريكية.
في الأساس يقول الدستور الأمريكي بفصل الدين عن الدولة، ولكن الدور الذي تقوم به الحركة الكنسية الإنجيلية الأصولية في صناعة القرار السياسي الأمريكي، وفي بلورة التوجهات الداخلية والخارجية يلغي عمليا المسافة بين الدين والدولة. ويجعل من الإدارة الأمريكية أداة تنفيذية بيد حركة كنسية تحاول أن تشكل مستقبل الإنسانية وفق مفهومها الديني وفي ضوء تفسيراتها لما تعتقد أنها نبوءات دينية.
لا يمكن أن نقول في ذلك أقل ما قالته صحيفة الإندبندنت البريطانية في مقال نشرته تحت عنوان: الاندثار في معركة هرمجيدون، وهو «أنه ليس للمسيحيين أية علاقة بهذه الخزعبلا،ت رغم أن المسيحية تعرضت للإغراء حتى تميز نفسها من خلال كنيسة واحدة أو أكثر، إن التاريخ هو أشد تعقيدا، والحياة الإنسانية، والمجتمع الإنساني هما أغنى في تنوعهما، وهذا التنوع هو أثمن من أن يحشر في خطة مبرمجة واحدة، ومهما كان نوع الاعتقاد بالمسيح، فإنه لا يمكن أن يعني تحقير وتقزيم تاريخ الإنسانية غير اليهودي وغير المسيحي.