; المقولة العلمانية في المقالات البغدادية (٥) البغدادي ينزع القدسية عن النص القرآني ويدعي أن القرآن للعرب خاصة. | مجلة المجتمع

العنوان المقولة العلمانية في المقالات البغدادية (٥) البغدادي ينزع القدسية عن النص القرآني ويدعي أن القرآن للعرب خاصة.

الكاتب عبدالرزاق خليفة الشايجي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1996

مشاهدات 76

نشر في العدد 1229

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 10-ديسمبر-1996

٨- ويقول مسوغًا مهاجمة أبو زيد للقرآن في نفس المقال: «هذه هي العقلية المسلمة التي هاجمت د. أبو زيد وأهدرت دمه هذه العقلية التي لم تحاسب خصوم أبو زيد على خداعهم المسلمين، وأكل أموال الناس بالباطل في فضيحة الريان وكشوف البركة وبنك التقوى في البهاما، بل كانت سريعة الركض إلى سفك دم إنسان مسلم كل ذنبه أنه قرأ كثيرًا وفكر كثيرًا ولم يكن أول من تعرض للنصوص القرآنية، ولن يكون الأخير، لأن سنة الله في خلقه أنه سبحانه خلقهم مختلفين في كل شيء وأنهم سيظلون كذلك إلى يوم الدين» السياسة ٢٧/٦/١٩٩٥م العدد: ٩٥٥٠).

ولكي يسلم البغدادي من الانتقادات، وليوجد مسوغًا مقولاته السابقة تفتق ذهنه عن دعوى ظنها ستكون المخرج والملاذ لتهجمه على كتاب الله، حيث دعا في مقاله: «محاكم التفتيش في العصر الحديث» إلى فتح الباب على مصراعيه ليقال في كتاب ما يقال من كل من هب ودب بحجة أن تلك الأقوال الكفرية لن تؤثر في المسلمين اسمع إليه وهو يقول:

«يتخوفون من الأفكار التي يطلقها رجال أمثال د. فرج فودة ود. أبو زيد ثم يستشهدون بالحديث النبوي إن هذا الدين متين.. وحديث لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، ومع ذلك يرتجفون ويخافون على هذا الدين من الضياع إذا ما تقدم أحد ما بأفكار مثل أفكار د أبوزيد، لا شك أن هذا الدين متين، ولا شك أنه لو فهمنا الدين الإسلامي على أصوله الحقيقية وليس من خلال الفكر الديني البشري، فإنه سيغلب كل من يواجهه، وليس من المقبول عقلًا أن نخشى على الدين وعلى ملايين المسلمين من الأفكار التي تطرح على الساحة هنا وهناك، وإلا كان معنى هذا الخوف أن الدين ليس متينًا وأن هؤلاء الملايين من المسلمين دون عقول ولا إيمان راسخ بالدين الإسلامي، وهذا ما لا يقبله عاقل.

 (السياسة ١٩٩٥/٦/٢٧م عدد ٩٥٥٠).

وهكذا يتضح موقف البغدادي من القرآن الكريم حيث:

١- ينادي بنزع القدسية عن النص القرآني.

٢– يحث النشء على إعمال عقولهم القاصرة في تفسير كتاب الله.

٣– يدعو إلى طرح تفاسير عصرية للقرآن، لأن الوقت لا يصلح للتفاسير السلفية القديمة كالطبري ونحوه.

٤- ويستغرب من قيام القرن الأول بجمع القرآن الكريم.

 ٥- ويقول بأن تفسير الآيات القرآنية ليس من الدين، بل من صنع البشر، ولا دخل لها بقدسية النص القرآني.

٦– ويجزم بأن القرآن الكريم للأمة الإسلامية ذات اللسان العربي.

٧- وأن القرآن لا يصلح في أمة لا تحسن العربية.

٨- وينفي أن يكون في القرآن الكريم آية حكمت بكفر المستهزئين بآيات الله ورسوله.

لقد ظن البغدادي أنه بهذه الطعون التي تلقفها من أسياده المستشرقين وحاول أن يبثها بين أفراد المجتمع الكويتي تحت ستار حرية البحث، أقول ظن هذا المسكين أن الأمر سينطوي على الجميع ويمر مرور الكرام، ونسي أو تناسى أن أسلافه من المستشرقين حاولوا زعزعة عقيدة المسلمين في صحة القرآن ومصدره وتفسيره، ولكنهم فشلوا كما فشل الوثنيون قبلهم من مشركي مكة (۱).

إن الطعون التي ساقها البغدادي ليست من عنده، فما هي إلا ترديد لكلام «جورج سيل» و«وات» و«ريتشارد بل» و«لوت» و«بارت» و«أرثر» و«يلاشير» و«دوزي» و «بلاشر» (۲).

كما أن مقولات البغدادي تكرار وإعادة لبعض المسلمين الذين غرتهم الأماني، واتبعوا أعداء الله وأولوا تبعيتها لهم فباعوا ضمائرهم، أو لتلك الشرذمة التي ساعدت المستشرقين على محاربة الإسلام، من الذين امتلأت قلوبهم حقدًا وكرهًا للمسلمين أمثال: «يوحنا الدمشقي» و«أحمد خان» و«فيليب حتى» و«لويس عوض» و«عزيز عطية» و«جورج حوارني» و«ألبرت حوراني» و«شارلز عيسوي» و«يحيى أرحجاني»، و«إدوارد جرجي»، و«مناحم منصور» و«أنور شين شحاته» و«كامل سعيد» و«نجيب العقيقي» و«طه حسين» (۳)... إلخ، القائمة الطويلة التي لا يسع المجال لذكرهم.

إن الحقيقة التي لا يعيها البغدادي ومن لف لفه أن الله تعالى ميز القرآن عن سائر الكتب بأن تعهد بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩)، فالقرآن وحده هو الذي تعهد الله بحفظه، أما التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزلة، فقد أوكل الله حفظها إلى أهلها، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (المائدة: ٤٤).

وانظر بعين البصيرة، واخترق بنورها حواجز القرون فسترى حتمًا معجزة إلهية في هذا الكتاب المبين، وإن شئت فقل معجزة في المعجزة تكالب الأعداء عليه منذ أول إشعاعة له، وتداعت الأمم عليه، وتـآمر المتآمرون، وخطط المخططون على وجه ما كان من الممكن أن ينجو منها فلا تتبدل فيه كلمة زيادة أو نقصًا، ولا يختلف فيه حرف تقديمًا أو تأخيرًا، لولا أن هناك قوة أكبر لا يستطيعها بشر، تولت حفظ هذا الكتاب أول ما نزل كان المشركون يلغون عند تلاوته، ويطاردون صاحبه ويحاربون أتباعه، ويصرفون الناس عن سماعه، ما تركوا وسيلة إلا سلكوها، ولا مطية إلا ركبوها، وخابوا وخسروا، نعم كانت آية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩) عند نزولها مجرد وعد أو هكذا كان يراه المجتمع الأول، أو رأوا صورًا للحفظ قليلة إلى ما بعدها، أما نحن في عصرنا هذا فنرى هذه الآية معجزة إلهية وشاهدة على أن هذا القرآن من لدن عزيز حكيم شديد قوي علي عظيم. (٤)

وفي الحلقة القادمة -إن شاء الله- سنتطرق إلى موقف البغدادي من السنة النبوية، ذاكرين جحوده لحجيتها، وردة لطائفة من الأحاديث الصحيحة التي لا توافق هواه.

الهوامش:

۱- انظر «الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري» للدكتور حمدي زقزوق.

٢- انظر «القرآن الكريم في مواجهة أعداء الإسلام» للأستاذة أسماء المياوي.

٣- المصدر السابق.

٤- انظر «خصائص القرآن الكريم» للدكتور فهد الرومي.

  (*) أستاذ بكلية الشريعة جامعة الكويت.

الرابط المختصر :