; البلقان.. الشارع الصربي يواجه نظام ميلوسوفيتش | مجلة المجتمع

العنوان البلقان.. الشارع الصربي يواجه نظام ميلوسوفيتش

الكاتب د. محمد البقري

تاريخ النشر الثلاثاء 24-ديسمبر-1996

مشاهدات 77

نشر في العدد 1231

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 24-ديسمبر-1996

▪ الدول الغربية تمسك العصا من المنتصف وتتردد في الرهان على حصان المعارضة حتى تتبدل الأوضاع لصالحها بصورة جذرية

للأسبوع الخامس على التوالي تواصل قوى المعارضة الصربية الموحدة المدعومة بطلاب الجامعات تظاهراتها الاحتجاجية ضد السلطات اليوغوسلافية ونظام الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش لتشكل بذلك أول اختبار حقيقي لحكومة بلجراد الاشتراكية التي وضعت نفسها في هذا المأزق السياسي عندما أقبلت على إلغاء نتائج الانتخابات المحلية التي أجريت في السابع عشر من نوفمبر الماضي بعد أن حققت فيها قوى المعارضة الموحدة انتصارًا ساحقًا في المدن اليوغوسلافية الكبرى على الحزب الاشتراكي الحاكم، الأمر الذي دفع بالجماهير المؤيدة لأحزاب المعارضة للخروج إلى الشارع احتجاجًا على قرار الإلغاء الذي أيدته المحكمة الفرعية ثم دعمته المحكمة الصربية العليا، منتهكة بذلك القانون والدستور لعدم النظر في المستندات التي أرفقت بالطعن الذي تقدمت به قوى المعارضة والتي تثبت التزوير الذي أقدم عليه الحزب الاشتراكي بالتلاعب في البطاقات الانتخابية، الأمر الذي دفع بنقابة المحامين الصربيين بالاحتجاج وإصدار بيان يدين قرار المحكمة العليا على اعتباره يشكل ضربة لاستقلال القضاء معلنة تأييدها لقوى المعارضة.

وفي ظل تصاعد الأزمة وازدياد حجم التأييد الشعبي لقوى المعارضة يومًا بعد يوم راح الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش يلعب بورقة سياسية أخرى لعلها تمكنه من استدراج الدول الأوروبية للإسهام معه في حل الأزمة لصالح نظامه الاشتراكي، فأرسل بخطاب إلى وزير الخارجية الأمريكي وارين كريستوفر مدعيًّا فيه أن الديمقراطية والسلام والتطوير الاقتصادي هي الأركان الأساسية في السياسة الصربية، نافيًّا لجميع الاتهامات الدولية الموجهة إليه بالتلاعب في النتائج الانتخابية وإحداث أزمة سياسية في البلاد، موجهًا اتهامه إلى قوى المعارضة التي توجهت- على حد قوله- إلى عناصر خارجية تطلب منها الدعم والضغط على صربيا، وأشار أنها بذلك قد انتهكت القانون العام للبلاد خاصة عندما هددت بممارسة الإرهاب السياسي «على حد قوله».

وأنهى ميلوسوفيتش خطابه بإلقاء الكرة في الشباك الدولية عندما أعلن عن موافقته استقبال بعثة من مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي للتحقيق في قضية الانتخابات المحلية والوقوف على حقيقة الأوضاع، حيث أكد على أن القوى الخارجية ليست لديها معلومات واضحة ودقيقة وأن البعثة الأوروبية سوف تؤكد صحة مواقف السلطات الصربية، في الوقت الذي أعلن فيه موافقته على المطلب الأمريكي والأوروبي بالحوار مع قوى المعارضة داخل مبنى البرلمان.

▪ رهان الرئيس الصربي

وبهذه الخطوة يراهن الرئيس الصربي على إنهاء الأزمة لصالحه معتمدًا على عدة عناصر داخلية وخارجية يأتي على رأسها استمراره في السيطرة على جميع أجهزة الدولة وأنه ليس فقط رئيسًا للحزب الاشتراكي الحاكم وإنما أيضًا المتحكم في الحكومة والاقتصاد وفي أداة القمع والتغيير المتمثلة في الجيش والشرطة، في الوقت الذي يدرك فيه أن المعارضة الصربية ما زالت ضعيفة وينقصها الكثير من عوامل المواجهة مع السلطة وأن عمرها الذي لم يتجاوز الستة أعوام لم يكسبها بعد التجربة الكافية لإسقاط نظامه، وأن وحدتها الحالية ليست وحدة عقائدية بل التفاف واتفاق على برنامج انتخابي واحد لتجميع أصواتها في الانتخابات المحلية وسرعان ما يمكن تشتيتها إذا تحول الأمر إلى برنامج سياسي واحد نظرًا لاختلاف الاتجاهات بين صفوفها، وقد بدا له ذلك واضحًا في اعتماد قوى المعارضة على الضغوط الدولية والعناصر الخارجية وليس على العوامل والعناصر الداخلية، خاصة في المرحلة الأولى من الاحتجاجات، وتأكد له ذلك عندما أعلنت المعارضة عن تشكيل حكومة ظل ومجالس محلية بديلة تمهيدًا لإسقاط النظام وتولي مقاليد السلطة، الأمر الذي أدى إلى اختلاف قادة المعارضة على المواقع والمناصب قبل تولي السلطة ليعودوا مرة أخرى بناء على نصائح دبلوماسية غربية إلى الالتفاف والوحدة على البرنامج الانتخابي وتأجيل قضية حكومة الظل إلى ما بعد، إضافة إلى إدراكه بأن الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية ما زالوا في حاجة إلى وجوده واستمراره في السلطة لفترة عام قادم على الأقل لما يمثله من انفتاح ليس فقط في صربيًا وإنما في منطقة يوغوسلافيا السابقة بما فيها كرواتيا ومنطقة شرق سلافونيا التي ما زالت تحت السيطرة الصربية، وأن كل هذه القضايا قد طرحت معه وتم الاتفاق بشأنها أثناء حوارات دايتون وأنه لا يوجد البديل سواه لتأمين عملية التنفيذ لكل ما تم الاتفاق عليه، وقد حاول أن يثبت نظريته للدول الغربية بشكل عملي، ففي الوقت الذي بدأت تتصاعد فيه الأحداث والتظاهرات الاحتجاجية ضده في بلجراد نجد أن قادة صرب البوسنة والذي لا يجب أن ننسى انتماءهم إلى الحزب الاشتراكي الصربي في البوسنة «أي أن العقيدة الفكرية تربطهم بالرئيس الصربي» راحوا يظهرون تراجعهم عما تم الاتفاق عليه مؤخرًا من السماح بعودة اللاجئين المسلمين إلى مناطقهم وديارهم الواقعة داخل الأراضي الصربية والتي نزحوا عنها أثناء فترة المعارك، مع تراجعهم عن القرار الخاص بالموافقة على تولي مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي مراقبة الانتخابات المحلية المقرر إجراؤها خلال العام القادم، وراحوا يضعون شروطًا جديدة لذلك، إضافة إلى تباطئهم في المشاركة في تشكيل الأجهزة والمؤسسات المركزية للجمهورية البوسنية الموحدة، وليس بالمصادقة أن يتزامن ذلك مع وقف استكمال انسحاب قوات الجيش الفيدرالي اليوغوسلافي من منطقة شرق سلافونيا الكرواتية، فكل هذا كان بمثابة إشارات يبعثها الرئيس الصربي إلى الدول الغربية ليشعرها بأنها ما زالت في حاجة إليه.

▪ تردد وارتباك

ويجب الاعتراف أن حالة من التردد والارتباك قد بدت واضحة وحتى الآن في الموقف والتصرف الغربي تجاه ما يحدث في صربيا، فعندما اندلعت الأزمة وبدأت التظاهرات الاحتجاجية راحت الدول الغربية تدين وتهاجم الرئيس الصربي وتطالبه بالتقيد بالمبادئ الديمقراطية الدولية مهددة بإعادة فرض العقوبات الاقتصادية الدولية على صربيا، ثم تبدلت اللهجة وتحول الأمر إلى الرجاء والتوسل للرئيس الصربي بالحوار مع المعارضة وإعادة النظر في قرار حكومته بإلغاء نتائج الانتخابات ليصف الرئيس الأمريكي فجأة أن ما يحدث في صربيا يعد من الشؤون الداخلية، وأن واشنطن تساند دائمًا القوى الشعبية التي تسعى لاحترام إرادتها الانتخابية، وكان هذا التصريح بمثابة الخيط الذي التقطه الرئيس الصربي ليبعث بخطابه إلى وزيرة الخارجية الأمريكية لتلتقط بدورها الدول الغربية الخيط وتبعث بلجنة من مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي إلى صربيا للتحقيق فيما طلبه الرئيس الصربي، وبدا واضحًا أنها ترغب في حل الأزمة دون إراقة دماء وبطرق سلمية، حيث طلب قادة الدول الأوروبية أثناء اجتماعهم في «دبلن» من جميع الأطراف الصربية تقديم الدليل والبرهان على اتباع الأساليب الديمقراطية وعدم استخدام القوة والعنف والجلوس معًا حول مائدة المفاوضات، إلا أن الأوضاع في الشارع الصربي قد أخذت شكلًا جديدًا آخر حيث بدأ التأييد الشعبي للتظاهرات الاحتجاجية يتزايد يومًا بعد يوم، وأعلنت قوى المعارضة عن رفضها لدعوة الرئيس الصربي بالحوار مشترطة أولًا ضرورة اعتراف السلطات بنتائج الانتخابات التي أُلغيت، مع ضرورة توفير الضمانات الأمنية الدولية لتنفيذ أي قرارات تصل إليها مائدة الحوار المستديرة بين المعارضة والسلطات، وأشار زعيم المعارضة فوك دراشكوفيتش أن خطاب الرئيس الصربي إلى المسؤولين في واشنطن يمثل مناورة سياسية جديدة يستهدف من خلالها خلق ستار يحمي به نظامه والحزب الاشتراكي الحاكم، في الوقت الذي شبه فيه زوران جينجيتش- زعيم الحزب الديمقراطي المعارض- الرئيس الصربي وعلاقته بما يحدث في الشارع الصربي بالمرأة الحامل غير المتزوجة وهي في شهرها الثامن وتنظر إلى نفسها متسائلة عما يحدث لها، وقد ولَّد هذا الموقف مفاجأة جديدة أخرى عندما أعلنت المحكمة الفرعية لمدينة نيش- ثاني أكبر المدن الصربية- عن قرارها بصحة الانتخابات في المدينة وحق قوى المعارضة بالفوز فيها، الأمر الذي عزز من موقف المتظاهرين ودفع بالمعارضة إلى إملاء شرط جديد للدخول في الحوار، وهو ضرورة الإعلان عن معاقبة المسؤولين في الحكومة والذين كانوا وراء إلغاء النتائج وسرقة الفوز الذي حققته قوى المعارضة.

كل هذه العوامل قد تدفع الدول الغربية إلى إعادة حساباتها التي ترتكز حتى الآن على الحفاظ على الرئيس الصربي، خاصة إذا نجحت في التحكم والسيطرة على مقاليد السلطة القادمة من خلال علاقاتها مع قوى المعارضة، وبالتالي التحكم في القرارات الصادرة من حكومة بلجراد المستقبلية، وذلك التأمين سير العملية السلمية في المنطقة، إلا أنه على ما يبدو أن الدول الغربية لا تريد في المرحلة الحالية المقامرة والرهان على حصان المعارضة إذا لم تتبدل الأوضاع في الشارع اليوغوسلافي بطريقة جذرية يصعب معها التردد، وهي تفضل الآن مسك العصا من المنتصف، حيث تدعم المعارضة وتستمع للرئيس الصربي الذي لم يصبح أمامه سوى عدة اختيارات محدودة، فهو يمكن له الاعتراف بنتائج الانتخابات ولكن هذا الموقف لن يحل الأزمة، ويعدُّ سلاحًا ذا حدين لأنه سيظهر صحة موقف المعارضة ويقوي من عزائمها في مواجهة نظامه في الوقت الذي سيظهر بأنه الدكتاتور الوحيد في الدولة وأنه المتحكم في الحكومة والحزب والقضاء أيضًا.

أما احتمال اللجوء إلى قمع المتظاهرين بالقوة فهو احتمال ما زال قائمًا، إلا أن ميلوسوفيتش لن يلجأ إلى استخدام الجيش الفيدرالي هذه المرة ولكنه قد يعتمد على جهاز الشرطة الموالي له حزبيًا حيث إنه يدرك أن الأوضاع الآن تختلف كثيرًا عن أحداث وأوضاع عام ١٩٩١م عندما ساعده الجيش في قمع التظاهرات الطلابية، ولكن أكثر الاحتمالات أن يلجأ الرئيس الصربي إلى الدعوة إلى انتخابات جديدة خلال الربيع القادم حتى لو كانت بحضور مراقبين دوليين، وبهذه الطريقة قد يخرج الآن ولو مرحليًا من الحلقة المفرغة والمطوقة لنظامه ويكسب بذلك تهدئة الشارع ليتنفس الصعداء ويعود إلى التفكير بشكل أكثر هدوءً في كيفية المناورة المستقبلية التي تمكنه من إطالة عمر نظامه، وبالتأكيد قد يحصل على تأييد الغرب لهذا الاختيار لأن أحدًا لا يرغب في الدول الغربية عدم استقرار صربيا في الوقت الراهن، وهي نقطة الارتكاز في منطقة يوغوسلافيا السابقة التي ما زالت تتمتع بنقاط ومواقع عديدة فيه غير مستقرة.

ولكن مهما كانت الاختيارات ومهما كان موقف الدول الغربية فإن الشيء الذي أصبح مؤكدًا أن نهاية نظام الرئيس مليوسوفيتش أصبح قاب قوسين أو أدنى وأن الأمر أصبح قضية وقت.

الرابط المختصر :