العنوان البواعث الإسلامية للنهضة العلمية
الكاتب فيصل عبد الحليم اسماعيل
تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-2000
مشاهدات 74
نشر في العدد 1426
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 14-نوفمبر-2000
الحضارة الإسلامية لم تنتج أداة واحدة للعدوان على الطبيعة عكس الحضارة الغربية الشرسة
- العالم المسلم في عصر النهضة الإسلامية كان مهاجراً في سبيل الله.. يرجو رحمته.. ولا يبتغي شهرة
العرب لم ينشدوا العلم بذواتهم، ولم يُكلفوا وحدهم دون سائر المسلمين بالسعي إليه والحرص عليه، فطلب العلم أصبح بعد الإسلام فريضة على كل مسلم ومسلمة وليس كل عربي وعربية وآيات الكتاب التي تحث المسلم على المعرفة والتدبر والتفكر لا تحصى: إنها لإحدى روائع الإسلام وعظائمه الا يدخل بلداً من بلاد الله إلا ويثير في إعجاز باهر كل نبوغها، ويحرك كل طاقاتها، ويخرج كل خبأ العبقرية المستكنة في أهلها وذويها فإذا الفلاسفة المسلمون والأطباء المسلمون والفقهاء المسلمون والفلكيون المسلمون، وعلماء الرياضة المسلمون وإذا بهم يبزغون من كل أفق ويطلعون من كل بلد حتى تزدحم عصور الإسلام الأولى بعبقريات هائلة في كل مجالات العقل والإرادة والضمير، أوطانهم شتي ودينهم واحد (1)، وكان المسلمون الأوائل على وعي كامل بفضل العلم ومرتبة العاملين به عند الله، يقول سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [سورة المجادلة: 11]، ويقول الرسول الكريم ﷺ «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع».
وهكذا كان العالم في عصر النهضة الإسلامية مهاجراً في سبيل الله يرجو رحمته ورضوانه، لا ينشد عرض الدنيا، ولا يبتغي شهرة أو مجداً أو نجومية أو ثروة، ويوجز هذا الإحساس الرفيع الراقي بالواجب الإسلامي المقدس ما جاء على لسان البيروني، ولو لم يكن بنا حاجة في تحقيق المسافات بين البلدان وحصر المعمورة بحيث يعرف سموت بعض بلدانها عن بعض غير الحاجة إلى تصحيح القبلة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [سورة البقرة: 150]، وقال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [سورة البقرة: 150] لوجب علينا صرف العناية إليها وقصر الهمة عليها فالإسلام قد عم أكثر الأرض، وبلغ ملكه أقصى المشارق والمغارب وكل منهم محتاج لإقامة الصلاة ونشر الدعوة إلى معرفة القبلة وفي كتاب العلوم الإسلامية (۲) نجد« إن الفهم الهادف والموضوعي للعلوم الإسلامية لا يتحقق أبدأ بغير الفهم الواعي لروح الدين الإسلامي نفسه، فلقد كان القوة الدافعة ومصدر الحياة والوجود الحضارة متسعة شاملة كانت العلوم واحدة من ثمارها وظهور العلوم الإسلامية وازدهارها كان مرجعهما فقط إلى حقيقة أن أصحابها كانوا مسلمين، وكان جو المحيط الكوني الذي يتنفسون فيه إسلامياً».
بوادر الإبدال العربي.. وأبعاده
ولعل جماعة المستشرقين التي بدأت بنقل العلوم الإسلامية من مصادرها الأصلية باللغة العربية كان قد خرج منها نفر ممن جهلوا الجوهر الإسلامي أو تعمدوا إسقاطه، فكانوا هم المسؤولين عن الإيحاء بتقليص المعارف الإسلامية وإرجاعها إلى فتيلة غزو عربي طفري عارض، وبتثبيت هذا المفهوم أصبح من السهل واليسير تحجيم الكيان الإسلامي في إطار هيمنة عربية عارمة، كانت تتبوأ مكانها الطبيعي في دورة الحضارات الإقليمية أو العرقية مثل: المصرية القديمة والبابلية والفارسية والإغريقية، والرومانية، والبيزنطية فلم لا العربية أيضا؟
وربما كانت تلك العصبة من المستشرقين أو إحدى شبيهاتها، المسؤولة كذلك عن إدخال لفظ «عربي» إلى المعاجم الغربية كمرادف لتعبير «متسول في الشوارع» ومثل هذا التدني ليس سوى نتيجة حتمية لقبول منطق الانحدار من مرتفع الحضارة الإسلامية المشرف الشاهق إلى منخفض التسلط والتعصب العرقي السحيق الساقط، ولم يكن يغيب عن فطنة مفكر منصف جاد يشرفه انتسابه إلى عرق عربي أو آخر أن ما عمد إليه بعض جهلة المستشرقين أو وقعوا فيه فوق أنه يجافي الحقيقة، قد بخس قيمة وحق الأجناس العربية التي كانت توقن بأن انتماءها في الدولة الإسلامية إنما كان لكيان أعظم وارفع شأنا.
ثم تظهر علامات التأثر بتلك النظرة المستشرقية الجائرة القاصرة أول ما تظهر لنا في عمل يتناول الجانب العلمي من الحضارة الإسلامية بعنوان: تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك (۳)، فينسبه جملة إلى الجنس العربي، ويأتي هذا العمل غريباً للغاية، لأن صاحبة قد صاغ الإهداء إلى ملك، مصر السابق فاروق بقوله: «مولاي صاحب الجلالة، ورثتم مولاي عن ساكن الجنان والذكر العظيم العمل على بعث الثقافة الإسلامية والكشف عن أمجاد العرب الفكرية، ونفختم في هذا العمل القومي روحاً من روحكم الكريمة، وأضفيتم عليه جلالاً من جلالكم السامي، ودفعتم فيه حياة زاخرة من شبابكم الزاخر أدامه الله، وفي هذا الكتاب حاولت إنصاف حضارة العرب في بعض نواحيها وتجلية أمجادها العقلية في ميدان العلوم الرياضية والفلكية، فحملني واجبي القومي على التوجه بالإهداء إلى مقام جلالتكم السامي وسدتكم العالية، راجياً أن تشرفوه بالقبول..».
وأغرب من كل هذا يأتي الكاتب نفسه بعد نحو عشرين عاماً بعمل آخر عن العلوم عند العرب (٤)، يقول في مقدمته: «وينجلي من موضوعات هذا الكتاب أنه كان للعرب في سير الحضارة وامتدادها ما يدل على أنهم قاموا بدورهم في التطور الفكري العام بحماسة متناهية وفهم قوي، لقد كان هذا عندما كان العرب أحراراً، ولكن عندما ابتلوا بالاستعمار التركي والغربي، ضعفت عزائمهم وهزلت هممهم».
وفي صفحة ١٣ من الكتاب نفسه يقول ، وفي هذا القرن شهد العالم استفاقة العرب من غفلتهم ونهوضهم من كبوتهم ثم انثنوا يساعدون أقوامهم للنضال واستعادة روح الكرامة الشخصية والقومية، وإذا تغاضينا عن التناقض في هذه الحالة، ما قاله في الملك الراحل فاروق وهم من أصول تركية البانية من توقير وتعظيم على أساس إمكان تبدل من قبل اسلاف المشاعر والرؤى مع التقلبات السياسية فإن من الصعب تجاهل حقيقة علمية مؤكدة هي أن الكتاب قد أعد على نهج مرجع إنجليزي رئيس في تاريخ العلوم (٥) وقد اعتمد عليه بدرجة كبيرة، حتى في التوصيف والتصنيف كمصدر اقتباس وحيد، ومع كل هذا، فإن الكاتب المقتبس قد أعطى الصفة العربية لكل صفة إسلامية استخدمها المصدر الأصلي الرئيس، الذي اختار صاحبه تعبيراته وبياناته ببالغ الدقة والعناية والحرص.
وفي صفحة ۲۱۰ من الكتاب الآخر (العلوم عند العرب له يورد الكاتب نفسه نصاً منسوباً إلى عالم الفيزياء المعاصر المعروف مصطفى بك نظيف، يقول: فإن كانت الفلسفة الإسلامية قد بدأت بتعريف الجسم بأنه الجوهر المحسوس فإنها لم تقف بالجسم عند هذا التعريف بل أضافت إليه معنى أخر هو أن المعاوقة عن التحريك القسري خاصية أساسية، وهذا المعنى هو أحد الأسس التي ينبني عليها علم الديناميكا.. فالعلم الذي يتحدث عنه مصطفى نظيف، كما يشهد النص المستعار، هو علم إسلامي ولكن المستعير سخطه إلى علم عربي.
وعلى ذكر اسم مصطفى بك نظيف، تجدر الإشارة إلى عمل قيم له في تاريخ العلم بعنوان الحسن بن الهيثم بحوثه وكشوفه البصرية ويعد ابن الهيثم من أبرز علماء العصر الإسلامي ممن ينتمون إلى أجناس العرب، ولكن مصطفى نظيف كان يعلم جيداً أن الذي يجمع ابن الهيثم وابن يونس والبيروني، وابن سينا ليس المواطنة العربية وإنما المواطنة الإسلامية، وأن ابن الهيثم لم يكن وحده قادراً على خلق علم عربي خارج البوتقة الإسلامية، كما لم يكن ابن سينا وحده قادراً على خلق طب فارسي خارج الوعاء العلمي الإسلامي ولهذا مثلاً، ومقارنة بذلك الإهداء الآخر المبين آنفاً نجد مصطفى نظيف يختار عبارات إهدائه إلى الملك الراحل فاروق نفسه بميزان واضح الدقة والحساسية، فجاء إهداؤه كما يلي:
(... أنتم مبعث ما أخذ يتملك النفوس في هذه البلاد وفي غيرها من البلاد العربية نحو تراث الإسلاميين وثقافتهم من شعور الإجلال والتقدير وأنتم يا مولاي العون المرتجى في تنشئة النهضة العلمية الحديثة في هذه الأمة على أسس الثقافة المجيدة التي خلفها السلف الصالح وأنتم يا مولاي معقد أمل في أن تكون نهضة هذه الأمة على الصورة التي تتجلى فيها معالم العزة والسؤدد من تاريخنا القديم، وكتابي هذا يا مولاي فيه تبيان مأثرة من مأثر أحمد الأعلام من العلماء الإسلاميين هي بحوث دراسات دعم بها ابن الهيثم منذ نيف وتسعة قرون أحد أفرع علم الطبيعة الحديث (..) فإن كنت يا مولاي أطمح بأن أحظى بشرف رفع هذا الكتاب إلى مقام سدتكم العالية فذلك ليقيني بأن أعرض تلك الصفحة تحت نظركم السامي أمر محبب إلى نفسكم النبيلة الشريفة ولأن هذا هو أسمى ما يسدى من التمجيد إلى ذكرى ذلك العالم الإسلامي الجليل..).
التأثر العربي بالخلط الغربي
ونجد أن التأثر العربي بالخلط الغربي قد بلغ غايته القصوى في منتصف الستينيات من هذا القرن لكي يصبح، شائعاً وسائداً.. حيث نجد أنفسنا أمام نعرة منفردة، علها بلغت منتهاها ونهايتها في عمل بعنوان علماء ينسبون إلى مدن أعجمية وهم من أرومة عربية (٦) وقائمة إصدارات صاحب هذا العمل تضم عناوين قمينة أخرى منها، مثلاً: عروبة العلماء المسلمين المنسوبين إلى مدن أعجمية عروبة المدن الإسلامية، ولعل مقدمة العمل نفسه تهدم حجة صاحبه، ففيها بالصفحة الثالثة «وقد توصلنا في هذا البحث إلى أن كثيراً من هؤلاء المنسوبين أو المضافين إلى مدن أعجمية إنما كانوا من أصل عربي خالص، وسنبرهن في هذه الرسالة على هذه الحقائق العلمية التي لا ريب فيها، وعلى مدى تغلغل العرب في البلاد الإسلامية واستقرارهم في مدنها هم وذراريهم وتصاهرهم مع أهلها، وتوطنهم فيها أجيالاً طويلة حتى اليوم»..
ويقول في الصفحة السادسة موسادت البلاد الإسلامية بأسرها موجة دينية وثقافية، وبذلك أصبح التمايز بين العرب وغيرهم من المسلمين أمراً صعباً جِدًّا.
ثم يقول في ص ١٧ «ويشاركهم في هذا الشعور العلماء الذين عاشوا هم وأسلافهم في البلاد العربية والإسلامية ولم يكونوا يعرفون لهم ثقافة غير الثقافة العربية ولا أدباً غير الأدب العربي ولا لغة غير اللغة العربية يعتزون بالإسلام وأهله ويفضلون العرب على العجم والحق أننا ذكرنا العلماء الذين انتسبوا إلى مدن أعجمية بناها العرب المسلمون أو الذين انتسبوا إلى المدن التي سكنها العرب أو التي أسلم أهلها ولم تذكر تلك الأعداد الهائلة من العلماء العرب ومشاهير رجالهم الذين انتسبوا إلى قبائلهم أو آبائهم وعاشوا هم وذراريهم في تلك المدن أجيالاً طويلة، بل اندمجوا في أهلها مع الزمن».
الخاتمة
ليس يغيب على محقق أياً كان انتماؤه أن النهضة العلمية في ظلال الإسلام إنما هي وجه واحد من جوانب الحضارة الإسلامية باتساعها وعمقها، وليس من المجدي محاولة فصل أو عزل إسهام عرقي بعينه عربياً كان أو غيره عما عداه.
ولا يعتقد أن هناك حكمة ترجي أو نفعاً يُؤتى من وراء مثل تلك المحاولة، ومثلما أن للحضارة الإسلامية نهضتها العلمية فإن لها أيضاً نهضتها الفنية العمرانية والمعمارية بكل تفرعاتها، وعلى العكس مما حدث في النهضة العلمية من محاولة إلباسها عبأه عربية، فإن محاولة شبيهة على النطاق نفسه لم تظهر فيما هو أوسع انتشاراً وأكثر إثارة ووقعاً وإبهاراً ولم يزل واقعاً ملموساً: مثل العمارة الإسلامية والآثار الإسلامية والمدن الإسلامية والاقتصاد الإسلامي، والحدائق الإسلامية، والجامعات الإسلامية القديمة «مثل القرويين والزيتونة والأزهر»، والعدالة الإسلامية والتربية الإسلامية وقائمة لا نهائية من المأثر والمفاخر التي تمثل النهضة العلمية جزءاً منها، ولا يمكن لمفكر مهما كانت سعة خياله أن ينسب جميع هذا الجنس، أو يجزئه ويفتته عرقياً لسبب تشكيكي غامض أو آخر.
وإذا كان يكفي الحضارة الإسلامية شرفاً وزهوا تجسيدها الشريعة وعدالة الله في أرض وبين خلقه كافة فإنها سوف تظل تسجل بكل الفخر والاعتزاز والرضا أنها فاقت كل ما عداها، يطول التاريخ البشري المعروف تحضراً وإنسانية ورقياً فهي حضارة حققت قدراً عالياً، ونطاقاً واسعاً من التفوق التقني المتطور في عصرها، وكان ذلك دافعاً لها إلى مزيد من البناء والتشييد والإعمار ولم يغرها تفوقها المادي يطغيان والبغي في الأرض مثلما فعلت مدنيات الثقافات الأخرى ولم تزل تفعل إلى يومنا، ولأن نهضتها العلمية قامت وبقيت تعمل وتعطي في إطار الضوابط والقيم والمبادئ الإسلامية، فإنها لم تحاول –ولم تشأ – أن تتحرك صوب إنتاج أسلحة تدمير شامل لا تبقي ولا تذر، وقد كان بإمكانها تحقيق ذلك لو أن إسلامها سمح لها .
ولم تخلف تلك النهضة العاقلة أداة عدوان واحدة على الطبيعة ولم تتجه جهود التنمية الهائلة فيها إلى تحقيق ما حققته من الرخاء والازدهار على حساب الموارد الطبيعية التي احترمت أسس الإسلام تكاملها وحقوق الأجيال المتعاقبة في التمتع بعطائها، فكانت تنميتها مبقية للحفظ والصون والبقاء، ولم تكن مفنية للإهلاك والإهدار والفناء وهكذا تتجلى عظمة الإسلام في حفظ نهضة علمية فريدة عاقلة منضبطة، تعرف حدودها فلا تتجاوزها، وحدودها حفظ الحقوق واحترامها حقوق الخلق في الحياة وحقوق المخلوقات في البقاء وحقوق الأرض في العمار: حدودها باختصار أن تقدم فقط ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.
المصادر
(۱) رجال حول الرسول، خالد محمد خالد ص ٤٤.
(۲) العلوم الإسلامية، سيد حسين نصر:
Nasr, Sayyed Hossein: Islamic Science,
Westerham Press Ltd. Kent (1976).
(۳) تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك قدري حافظ طوقان، هدية المقتطف القاهرة (١٩٤١م).
(٤) العلوم عند العرب قدري حافظ طوقان مكتبة مصر القاهرة (١٩٦٠م).
(٥) مقدمة لتاريخ العلم، جورج سارتون:
Senton, George; Introduction to the His-
Tory of Science, Carnegie Institution,
Washington (1927).
(٦) علماء ينسبون إلى مدن أعجمية، وهم من أرومة عربية ناجي معروف مطبعة الحكومة بغداد (1970).