; البوسنة والهرسك .. قادة النظام العالمي الجديد يقرون جريمة تقسيم البوسنة | مجلة المجتمع

العنوان البوسنة والهرسك .. قادة النظام العالمي الجديد يقرون جريمة تقسيم البوسنة

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1994

مشاهدات 66

نشر في العدد 1109

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 26-يوليو-1994

• الصرب يرفضون الخطة الأخيرة لتقسيم البوسنة.. والمسلمون في انتظار وعود الدول الغربية

• رغم أن الصرب 33% فقط من السكان إلا أن زعماء النظام الدولي منحوهم ٤٩% من مساحة البوسنة

دخل الموقف الدولي من جديد مرحلة اختبار لنواياه تجاه الأزمة البوسنية ولمصداقية التهديدات التي وردت على لسان الزعماء الفرنسيين والبريطانيين والألمان والروس بفك حظر بيع السلاح عن المسلمين حال موافقتهم على المشروع الذي قدمته مؤخرًا لجنة الاتصال الدولية ورفض الصرب له، وهو الأمر الذي وقع بالفعل مع نهاية المهلة التي حددتها مجموعة الاتصال في التاسع عشر من الشهر الحالي.

وكان زعماء الدول الكبرى قد صرحوا في أعقاب إعلان خطتهم الأخيرة لتقسيم البوسنة بأنهم سوف ينزلون العقوبات بالطرف الذي سيرفض الخطة ولا يرضخ لها، رغم أن الخطة تعتبر جريمة حقيقية من قادة النظام العالمي في حق المسلمين وإنصافًا للصرب المعتدين. 

ويعتقد المراقبون المحليون أن الدبلوماسية المسلمة تسير في خُطَى متزنة ووفق حسابات مخطط لها، ويستشهدون على ذلك بالخلافات الشديدة التي أدى إليها المشروع الجديد في الصفوف الداخلية سواء للصرب أو الكروات، في الوقت الذي اتفق المسلمون فيما بينهم على دعمه باعتبار أنه يمثل أفضل الحلول السيئة التي طرحت منذ بداية الحرب على حد قول الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش. 

ويأخذ المسلمون على المشروع الذي أعلنوا موافقتهم عليه أنه يمنح الصرب ٤٩% من الأراضي البوسنية رغم أنهم يمثلون ٣٣,٤% من مجموع السكان، فيما حصل المسلمون والكروات على ٥١% من مجمل الأراضي. 

ويمنح المشروع الصرب معظم مناطق شرق البوسنة التي كان المسلمون يشكلون أغلبية سكانها، ولتصبح المدن الواقعة في هذه المنطقة وما زالت في حوزة المسلمين مثل «جورا جدي» و«سربيرينتسا» و«جينا» كواحات متناثرة في أرض يحكمها الصرب وتربط بينها طرق مواصلات عادية.

ووفق هذا المشروع ستصبح عشرون مدينة كان المسلمون أو الكروات يمثلون أغلبية سكانها قبل الحرب في أيدي الصرب فيما لن تكون هناك مدينة واحدة كان الصرب يشكلون أغلبية سكانها في أيد الدولة الفيدرالية، وعلى سبيل المثال ستبقى مدينة «يريدور» تحت الاحتلال الصربي، وهي المدينة التي ذكرت تقاير لجنة التحقيق الدولية في جرائم الحرب عنها أن ما يزيد عن خمسين ألف مسلم من سكانها قد قتلوا أو طردوا، وكذلك مدينة «فلاسينتسا» التي طرد منها أو قتل حوالي ثمانية عشر ألف مسلم، وكذلك مدينة «زفورنيك» التي محيت مساجدها تمامًا عن الوجود وطرد أهلها المسلمون أو قتلوا، غير أن المشروع يفرض على الصرب إعادة ٢٣% من الأراضي التي احتلوها، وحيث تقدر الأوساط الدولية أنهم يسيطرون على ٧٠% من أراضي البوسنة.

ومن هذه المدن التي يلزم إعادتها إلى المسلمين أو الكروات مدينة برتشكو الاستراتيجية في الشمال، ومدينة «سانسكي موست» في الغرب، ومدينتي «بايتسا» و«سلافونسكي برود» اللتين سقطتا في أيدي الصرب في الشهور الأولي للحرب بخيانة كرواتية.

كما يدعو المشروع إلى الحفاظ على البوسنة والهرسك كدولة موحدة بحدودها المعترف بها دوليًّا، وإن كان ينص على تقسيمها داخليًّا بين المسلمين والكروات من جهة والصرب من جهة أخرى.

ويقر المشروع وجود ممر صربي عرضه خمسة كيلومترات يربط بين بلجراد العاصمة الصربية وبين بانيا لوكا معقل القوات الصربية في البوسنة، وتشرف عليه القوات الدولية، وكذلك ممرآخر يربط بين منطقة بيهاتش المسلمة في أقصى الشمال الغربي للبلاد وبين الدولة الفيدرالية، فيما ستبقى مدينة سراييفو تحت الإشراف الدولي لمدة عامين يتم بعدها تقسيمها بنسبة اثنين إلى واحد بين الفيدرالية والصرب.

وقد أفضى هذا المشروع إلى خلافات شديدة بين الكروات باعتبار أن وجود الممر الشمالي في أيدي الصرب يعني ضمان الحياة لمنطقة كراينا الواقعة في كرواتيا ويسيطر عليها الصرب بحكم أن جميع الإمدادات الحياتية والعسكرية تصل إلى منطقة كراينا من صربيا عبر هذا الممر.

كما ولد المشروع خلافات شديدة بين الصرب، حيث رأت اتجاهات منهم أن رفضهم المشروع سيصعد من احتمالات إجراءات دولية ضدهم، وأن الموافقة عليه تعني رفع العقوبات الاقتصادية عن صربيا، فيما يرى آخرون أن الهدف الذي نشأت من أجله الحرب يجب أن يتحقق قبل إيقافها؛ وهو دولة خاصة بالصرب في البوسنة يحق لها لاحقًا الانضمام إلى صربيا.

ورددت أوساط إعلامية في زغرب شائعات عن احتمال إقدام «مليوشفتش» على استبعاد «كارانجيتش» واستبداله بآخر يعمل لخيار السلام على أمل رفع العقوبات عن صربيا كما فعل «مليوشفتش» نفسه مع رئيس صرب كرواتيا حين رفض مشروع «فانس»، وقام باستبداله بآخر قام لاحقًا بالتوقيع على المشروع. 

وقد ناشد رجال الدين الصرب أتباعهم بالوقوف دفاعًا عن حقوق الشعب الصربي التاريخية ومصالحه الروحية والحيوية والدفاع عن أرض الأجداد، ووجهوا نداء إلى قيادتهم السياسية بعدم فرض حلول على شعبهم كالتي فرضت عليهم أيام الشيوعيين والفاشيين على حد قولهم، وقد لقي نداؤهم دعمًا من زعيم صرب البوسنة كارانجيتش الذي قال إن جنودهوحدهم سوف يرسمون الحدود التي يجب أن تكون.

ورغم أن المشروع لا يجيب على كل القضايا الشائكة ولا يضع تصورًا متكاملًا للخروج بالأزمة البوسنية إلى بر الأمان، إلا أنه يعتقد أن المسلمين والكروات يلعبون بالدرجة الأولى على ورقة الرفض الصربي وما يمكن أن يثمر عنه من دعم متزايد لقضيتهم، وخشية أن يؤدي رفضهم وموافقة الصرب إلى رفع العقوبات الاقتصادية عن صربيا وسحب القوات الدولية من البوسنة، وتجميد الأوضاع على ما هي عليه، وهو الأمر الذي لا يصبلصالحهم، وذلك في الوقت الذي يعتبر فيه المشروع -كما تقدم- هو أفضل الحلول السيئة.

ويفسر ذلك بأن تقدم المسلمين العسكري يرفع إيجابية المشاريع السلمية، خصوصًا وأن المسلمين أنجزوا نجاحات ميدانية عديدة في الفترة الأخيرة أجبرت الصرب لأول مرة منذ اندلاع الحرب على تهجير أعداد كبيرة من المدنيين في منطقة «أوزرن» بالشمال خوفًا من طلائع الجيش البوسني المتقدمة، وتزامن ذلك مع تصريحات قائد الجيش البوسني «راسم ديلتش» الذي كشف عن وجود راجمات للصواريخ من صناعة محلية يصل مداها إلى خمسين كيلومترًا.

وبموافقة المسلمين والكروات ورفض الصرب تتجه الأنظار مجددًا إلى الفاعليات الدولية التي هددت برفع حظر بيع السلاح عن المسلمين حال موافقتهم على المشروع ورفض الصرب له.. فهل يفي المجتمع الدولي بوعده للبوسنة ولو مرة واحدة؟!

الرابط المختصر :