; البيت الفلسطيني وإعادة ترتيبه | مجلة المجتمع

العنوان البيت الفلسطيني وإعادة ترتيبه

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1984

مشاهدات 68

نشر في العدد 654

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 17-يناير-1984

سقوط الرهان على انقسام القيادة التاريخية لفتح.

  • ما هي مسوغات زيارة عرفات لمصر؟
  • أبو إياد يدعو إلى العمل السري بجانب العلني.

حسمت الضجة التي أثيرت حول زيارة عرفات للقاهرة واجتماعه بحسني مبارك، بالقرارات التي صدرت عن اجتماعات اللجنة المركزية لحركة فتح في المدة ما بين ١٩٨٣/ ۱۲/ ۳۱ و ١٩٨٤/١/٤ م برئاسة عرفات نفسه وقد تضمنت القرارات حلًا وسطًا.

ففي حين أكدت هذه القرارات على زعامة ياسر عرفات واعتبرت أن ما قام به خطأ تنظيمي واجتهاد فردي.

 وبينما رفضت هذه القرارات اتفاقات كامب ديفيد وتمسكت بقرارات المجلس الوطني في دوراته السابقة إلا أنها أبدت رغبتها في عودة مصر إلى الصف العربي، وأقرت بضرورة الاتصال بها وشكرت لها موقفها أثناء حصار طرابلس، بل وشكلت لجنة للحوار مع مصر قيل إنها برئاسة عرفات نفسه ولجنة أخرى للحوار مع الأردن برئاسة عرفات أيضًا.

واستمعت اللجنة إلى تسويغات عرفات لزيارته لمصر، ويبدو أنها اقتنعت بها واستنكرت الأصوات التي تطالب بتنحية عرفات، ومعنى ذلك سقوط الرهان على انقسام جديد داخل صفوف فتح التي لم تعد تحتمل مزيدًا من الانقسام بعد الذي حصل في لبنان.

ماذا دار في اجتماعات اللجنة المركزية لفتح؟

وتبين من خلال الحوار الذي دار بين أعضاء اللجنة المركزية أن موضوع الاتصال بمصر مقرر سلفًا وأنه كان من المقرر أن يزور مصر في منتصف شهر ديسمبر الماضي أبو إياد أو أبو اللطف وإن الظروف لم تسمح بذلك. كما كشف النقاب أثناء النقاش عن أن البواخر المصرية نقلت الذخيرة والأسلحة إلى عرفات ورجاله في أصعب أيام الحصار وأنه في الوقت الذي امتنعت فرنسا بتأمين حماية المقاتلين الفلسطينيين في ميناء طرابلس أثناء الصعود إلى البواخر اليونانية حصلت مصر على تعهد خطي من شامير بعدم التعرض لهم أثناء الخروج، كما قامت البوارج الحربية المصرية بتأمين الحماية لهم بعد البوارج الفرنسية واستقبلت مستشفيات مصر عددًا من الجرحي الفلسطينيين.

فإذا أضفنا إلى ذلك أن هناك اتصالات مصرية عربية عمومًا ومصرية سورية تحديدًا لم تنقطع، وإن الاتصالات الأمريكية بكل الأطراف العربية ومن ضمنها الطرف السوري لم تتوقف، وإن موقف الاتحاد السوفياتي من أزمة فتح كان مع فتح ومع سوريا في آن واحد، وأن محاولات تجري لإعادة العلاقات مع مصر، وأن الملك حسين هو الوحيد من خارج الدول الاشتراكية الذي زار الاتحاد السوفياتي في العام الماضي بالإضافة إلى عرفات وأن مبادرة بريجنيف ذات النقاط الست والتي لا يزال الاتحاد السوفياتي يعتبرها الإطار العام لاستراتيجيته في الشرق الأوسط لا تختلف كثيرًا عن قرارات قمة فاس.. إذا نظرنا إلى كل ذلك أمكن تقييم زيارة عرفات لمصر كأول محطة له بعد الخروج من طرابلس، وبعد ذلك الولوج إلى حقيقة موقف اللجنة المركزية لحركة فتح تمهيدًا للحديث عن إعادة ترتيب البيت الفلسطيني الذي نحن بصدده.

عرفات يخلط الأوراق ليعيد ترتيبها

عرفات، المعروف بقدرته على المناورة، والذي نثر أوراق اللعبة بمجرد اجتماعه التلفزيوني مع مبارك انقطعت أخباره لعدة أيام بعد ذلك لإثارة التكهنات والاستماع وهو في مكمنه إلى ردود الفعل، ولقد استطاع تحديد التيارات والمواقف والأشخاص بوضوح ثم كانت محطته الثانية في صنعاء ولم يذهب إلى عدن المتعاطفة مع الجبهة الشعبية والديمقراطية واجتمع هناك بالمجلس العسكري الأعلى الذي أعلن تأييده المطلق لعرفات.

ثم وصل إلى تونس بعد أن هدأت الضجة قليلًا ورفض أعضاء اللجنة المركزية لفتح أن يكونوا في صف واحد مع حبش وحواتمه ضد عرفات، وبذلك تكرست قيادته لهذه اللجنة ثم اجتمع المجلس الثوري لفتح برئاسته وأعلن فصله للمتمردين التسعة فكسب المجلس الثوري وزار بعدها الجزائر للتمهيد لانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني. ومعروف عن الجزائر أنها تؤيد الشرعية الفلسطينية ولا تتدخل في الشؤون الداخلية لفتح أو لمنظمة التحرير، وفيها كان أول نشاط تنظيمي وعسكري لفتح عن طريق مكتب فلسطين في شارع فكتور هيجو بالعاصمة الجزائرية وعن طريق كلية شرشال العسكرية بالجزائر. وبذلك يضع الأساس لدعم غالبية أعضاء المجلس الوطني بعيدًا عن الضغط السوري، ومع أن اللائحة الداخلية للمجلس الوطني  الفلسطيني لا تستوجب الإجماع في اتخاذ القرارات بل يكتفي بالأغلبية إلا أن الخوف من الانقسام فيما مضى كان يقتضي أن تكون هناك اجتماعات وراء الكواليس الرؤساء الكتل الفلسطينية المنظمة داخل المجلس، وكان هناك اتفاق على الحد الأدنى ينعكس في شكل تعميمات سرية على الأعضاء الذين سرعان ما يلتزمون فتخرج القرارات بالإجماع أو ما يشبه الإجماع. 

أما وقد حصل الانشقاق في فتح وتبعه موقف علني متسرع من الجبهتين الشعبية والديمقراطية بضرورة استبعاد عرفات وهو مطلب الانشقاقيين وسوريا من قبل فلم يعد هناك مجال للخروج بقرارات جماعية ما دامت قيادة فتح قد رفضت استبعاد عرفات باعتبار استبعاده مطلبًا حيويًا لأولائك الذين انتظروا طويلًا للوثوب على ظهر فتح وكتم أنفاسها.

والآن ما هو الحال الذي سيكون عليه البيت الفلسطيني في المستقبل القريب؟

شعرت الجبهتان الشعبية والديمقراطية أن قذيفتهما المشتركة على عرفات لم تصب منه مقتلًا بل بالعكس شدت حوله الإخوة الغاضبين في اللجنة المركزية لفتح فتراجعتا على الفور وأرسلتا وفدا مشتركًا ضم الحزب الشيوعي إلى تونس، وقد تضاربت الأنباء حول مهمة هذا الوفد فمن قائل أنه قد جاء لإبلاغ اللجنة المركزية عن موقفه من ضرورة استبعاد عرفات،ومن قائل أنه قد تم توقيع اتفاق شرف مع اللجنة المركزية لفتح على عدم تجاوز المحرمات في القضية الفلسطينية، وأيا ما كان الأمر فإن عرفات ورجاله الذين يحظون بتأييد الفلسطينيين في الأرض المحتلة وفي غالبية مناطق الشتات والذي يحظى بمزيد من التأييد على المستوى العربي يبدو أنه لم يعد يقيم كبير وزن لاعتراضات تصدر عن تنظيمات حزبية أو مرتبطة بأنظمة أيا كان لونها.

ملامح إعادة الترتيب كما يراه أبو إياد

وعلى الرغم من أن عرفات يتحدث قليلًا عن ملامح إعادة ترتيب البيت الفلسطيني ويؤثر العمل الدائب على التصريحات والوعود فإن أبا إياد في حديثه لمجلة «المجلة» يكشف بعض معالم الترتيب من خلال منظوره فيشير إلى تحطيم المؤامرة التي استهدفت تدمير منظمة التحرير من خلال حرب لبنان ولما لم يتحقق هذا الهدف تم تحريك بعض القوى داخل المقاومة بمساندة بعض الدول العربية لذلك- يقول أبو إياد- فإن أول خطوة علينا أن نقوم بها هي تحطيم المؤامرة وإفشالها، وهذا يقتضي ترجمة مشاعر المقاتلين الفلسطينيين باتباع خط سياسي واضح..

فما هو هذا الخط السياسي الواضح كما يراه أبو إياد؟ أنه التمسك بالبرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الذي ينص على إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهو لم يتحدث عن حدود هذه الدولة وارتباطاتها ولكن من الواضح أنها تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة ولا مانع بعد ذلك من أن تكون مرتبطة بالأردن في اتحاد كونفدرالي.

وبعد تثبيت الخط السياسي لابد من الالتفات إلى الأرض المحتلة لأنها قاعدة الارتكاز الأساسية للثورة كما يرى أبو إياد، ولذلك لابد من إعطائها الأولوية من حيث الجهد بما يكفل رفع مستوى الصمود وتوسيع هوامش الصدام مع العدو ثم يدخل أبو إياد إلى ما نرمي إليه وهو إعادة النظر في البناء التنظيمي وفي أنماط العمل السري فيها.. وفي الوقت ذاته لابد من إعادة تنظيم القوات الفلسطينية التي أبعدت عن ساحات المواجهة على نحو يجعلها جاهزة للقتال في أية لحظة تتغير فيها الظروف.. ولابد من التفاتة جدية إلى التنظيم وتحويله في غالبية المواقع إلى عمل سري يعتمد العنصر الشاب الجديد المتحمس غير المكشوف، ويمكن تحويل مهام هذا التنظيم- يضيف أبو إياد- إلى مهام عسكرية لضمان استمرار المواجهة واستمرار الصدام مع إسرائيل، وفي هذه الحالة يمكن أن يكون الوجود العسكري العلني في الخارج بمثابة قواعد إمداد وتنظيم وتمويل.

ويرى أبو إياد أنه لابد من إعادة النظر في العلاقات العربية على أساس تمتين التحالفات مع الجماهير الشعبية، وفي الوقت نفسه إقامة علاقات جديدة مع الوضع العربي الرسمي بحيث لا تكون العلاقة مع الأنظمة على حساب العلاقة مع الجماهير، وبحيث لا تتحول العلاقة مع الجماهير إلى تدخل في الشؤون الداخلية للأنظمة العربية. 

ولنا هنا ملاحظة: إذ أنه من الصعب جدًا إقامة تحالفات مع الجماهير العربية دون أن يثير ذلك حساسية كثير من الأنظمة العربية التي لا تسمح بإقامة معارضة حقيقية، أما إذا كان التحالف مع تنظيمات شعبية تشرف عليها الدولة فإن هذا التحالف في حقيقته تحالف مع النظام، ولقد بدا ذلك واضحًا في أحداث لبنان كلها. كما بدا واضحًا فيما جرى من اتصالات بين التنظيمات الشعبية المصرية وبين المقاومة فحين حاولت المقاومة تجاوز النظام المصري في تحالفها مع الشعب غضب النظام غضبًا شديدًا، وحين اتصلت المقاومة بالنظام المصري بدأت التنظيمات الشعبية تعيد النظر في حساباتها، ومثل ذلك يمكن أن يحدث في أي بلد عربي في غياب الثقة بين السلطة والجماهير، ولو كانت هذه الثقة موجودة لما اتخذت القرارات المصيرية بمعزل عن هذه الجماهير ولما حجب بين هذه الجماهير وبين المشاركة في الجهاد لتحرير فلسطين. 

يرى أبو أياد أخيرًا أنه لابد من عملية فرز واسعة النطاق في الساحة الفلسطينية «لعزل العملاء والخونة الذين باعوا ثورتهم وطعنوها في الصميم، ولابد من تحالف جبهوي يكون من المتانة والجدية بحيث يحول دون تسرب أية تدخلات عربية في الشؤون الفلسطينية». 

والسؤال الآن: هل استوعبت القيادة الفلسطينية تجربة التحالف الجماهيري الإسلامي في طرابلس ومن قبلها في بيروت ووضعت في اعتبارها تمتين تحالفاتها مع الجماهير الإسلامية؟ وهل اكتشفت القيادة الفلسطينية أن الترقيع الجبهوي فيما يسمى بمرحلة التحرر الوطني لا يجر إلا الدمار والبوار؟ وأن المصالحة الأولى يجب أن تكون مع الله- سبحانه وتعالى- فهو القاهر وهو الناصر وأن فلسطين التي سقطت بسقوط الحكم بما أنزل الله في ديار المسلمين تعود بعودة الإيمان في القلوب وبعودة الإسلام في واقع الحياة نظامًا وتنظيمًا وجهادًا حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى. قال تعالى: في سورة التوبة: ﴿ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾  صدق الله العظيم (سورة التوبة:40).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 28

107

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

المدرس الذي حول القلم إلى بندقية

نشر في العدد 190

129

الثلاثاء 05-مارس-1974

محليات (190)

نشر في العدد 186

85

الثلاثاء 05-فبراير-1974

العالم الإسلامي (186)