العنوان البينة "قصة قصيرة"
الكاتب شريف قاسم
تاريخ النشر السبت 05-يوليو-2008
مشاهدات 65
نشر في العدد 1809
نشر في الصفحة 48
السبت 05-يوليو-2008
اعتاد «سركيس» البحث عن حقائق.. وما زال يشعر بأن فؤاده ظامئ إلى أشواق ترف في عوالم أخرى، وسعادته لم تكن حاضرة رغم وفرة أسبابها لديه. يجلس يوميًا في حديقة منزله الجميلة.. يدعو الرب يستخيره على طريقة أبناء ملته، إذ لم ترق له كثيرًا تلك المساحات الفارهة من السعادة التي يتمتع بها، وربما يرى وهو يتناقل في تصرفاته وكأنه ابن الثمانين عامًا وهو ما تجاوز الأربعين ولم يزل في ريعان شبابه المتوقد حيوية، وكأنه تمثل قول
الشاعر:
ويظل للمجهول في قلبي حنين مبهم |
من يراه وهو مستغرق في نظراته نحو أفق بعيد يجزم أن الرجل يحمل بين أحنائه همًا ثقيلًا.. أبواه زوجته أطفاله الثلاثة...
لا تخفي عليهم حاله، ولكنهم لا يعلمون ماذا يدور في خلده!! وكم من مرة حاولت زوجته أن تعرف بعض ما فيه من أسرار ورغم أنها وجدت وفاءه وحبه لها لكنها لم تستطع استنطاق الصفحة المغلقة من حياته.
واضطرت أن تقبل بالأمر الواقع كأبويه اللذين حاولا من قبل، ولكن دون جدوى.
حتى أن أمه كانت تظن أن السبب في شروده هذا يعود إلى سوء معاملة زوجته.. ولكنها أيقنت فيما بعد أن الزوجة لم تقصر في توفير أسباب السعادة له، أصدقاؤه يشعرون بما يشعر به أهله، ولكنهم أيضًا لم يصلوا إلى مفتاح الصفحة المغلقة من حياته، وقد دعوه أن يذهب معهم إلى الكنيسة ليقابل رجال دينهم وكان يستجيب لهم، وربما يقضي الساعات الطوال بين يدي راهب أو قسيس... ويخرج بغير زاد يغذي سغب نفسه، ومع كل ذلك ما كانت ابتسامته لأصدقائه وندمائه تفارق ثغره بل كانت تزيد في عمق بأسهم من الوصول إلى ساحة وجدانه.
اتجه ضحى الأحد إلى الكنيسة الواقعة في شارع ممتد ليؤدي بعض الطقوس المعتادة، كان الشارع مزدحمًا بالمارة والمتسوقين كانت خطواته تندفع إلى الأمام بين الناس، وشعر بجلبة وحركات غير اعتيادية حوله، ونظر هنا وهناك ليرى رجالًا أكلت الغلظة وسوء الخلق وجوههم الكالحة، يمسكون ببعض الشباب وآخرين منهم يتلفتون يمنة ويسرة يبحثون عن آخرين، وإذا باثنين منهم يمسكان به ويدفعانه بعنف حاول أن يفهم المشكلة منهما. وكان الجواب المزيد من الركل والصفع على الوجه والمزيد من الكلمات التي جلبوها من مستنقعات المدارس التي خرجتهم ليحملوا إلى الناس السياط المشحونة بالحقد والكراهية والتعذيب.
حاول أن يكلمهم، وإذا به يلقى داخل سيارة حملته ومن معه إلى عالم آخر. واقتحمت السيارة بوابة ذلك البناء العابس المكفهر لتقف حول رصيف عريض احتشد عليه طابور من غليظي الشوارب المدججين بأنواع الأسلحة من هروات وسلاسل حديدية، ومن كلمات لا يتلفظ بها إلا خسيس وتعالت أصوات الجلادين: انزلوا يا كلاب يا أولاد ال... وتنهال على ظهورهم سياط البطش، ويسوقهم الركل والحمق إلى ممر طويل يضم عشرات الزنزانات التي لا يتجاوز ارتفاعها المترين ولا يزيد طول قاعدتها عن متر ونصف المتر.
وأودع «سركيس» في إحدى تلك الزنزانات كغيره ممن جاؤوا معه اليوم. إلى دياجير الحضارة الحديثة الملأى بطوق العروسة ومسحب الظهر وحبال تعليق القدمين إلى الأعلى، وبسلالم درجاتها مرصوفة بالمسامير الناتئة يمشي عليها من أدخلوا السجون عنوة وهم حفاة عراة، إضافة إلى العديد من الوجبات السريعة المستوردة من تراث محاكم التفتيش، ذاقها «سركيس» ومن معه وربما كانت حفلة نهش الكلاب لأجسادهم أقل تلك الوجبات كلفة!!
وتمر الأيام.. يوم كأسبوع، ويوم كشهر، ويوم كسنة ويوم كأنه الدهر، ويغرق «سركيس» في دوامة التساؤلات لم جاؤوا بنا؟ ومن هؤلاء الذين أشرقت وجوههم بالأنوار وهم في ظلمات التعذيب والتنكيل؟ ماذا فعلوا؟ وإلى متى سنبقى في دنيانا الجديدة هذه؟ ومن يخبر أهلنا وأطفالنا عن مكاننا وحالنا؟!
يارب.. يارب.. وينظر «سركيس» إلى جدران زنزانته يستنطقها عن مصير من عاش هنا قبله، ولكنها لا تجيب فقد اكفهرت جنباتها، وخلت زواياها اللهم إلا من أصداء تتردد من بعيد تحمل أنباء أوجاع وأنات قوم أعدمت حقوقهم بيد القاضي قبل يد الجلاد، ويستجمع «سركيس» قواه المبعثرة، ويدفع رأسه إلى نافذة الزنزانة ليرى وجه أحد المساجين ينظر من نافذة زنزانته، فاستجمع قواه مرة أخرى وتعرف عليه ... إنه من التقى به داخل السيارة التي نقلتهم جميعًا إلى هذا الجحيم.
رفع صوته وسأله من هؤلاء المساجين؟ ماذا فعلوا حتى ذاقوا هذه الأهوال؟ تبسم السجين الآخر وقال: هؤلاء الذين تراهم هم الذين شهدوا شهادة الحق ولم يمالئوا الطاغوت، إنهم خير البرية بعد رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ثم أصحابهم رضي الله عنهم وأرضاهم. تنفس «سركيس» الصعداء مرة أخرى، وأضاف كلمات هذا السجين إلى كلمات أخرى سمعها من إخوانه أثناء تناول وجبات العذاب اليومية، وأحس بروح جديدة تسري في جسده الذابل لم يعهدها من قبل.. أدار وجهه إلى داخل زنزانته وهو يردد ﴿أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾!! (البينة:7) كلمات سمعها «سركيس» حين كان في الصف الخامس الابتدائي، وكان يرددها مع زملائه التلاميذ ليحفظوها وليختبروا فيها آخر العام، أولئك هم خير البرية... أولئك هم خير البرية... تلك هي «سورة البينة» تذكرها «سركيس» منذ أكثر من ثلاثين عامًا، كان يرددها مع زملائه ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (البينة:1) ويدخل في أعماق ماضيه الجميل، أيام طفولته وفطرته، ليتذكر: ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾ (البينة:2) وتشرق جنبات نفسه أكثر فأكثر بأنوار البينات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ (البينة:7)
واندفع مرة أخرى ليكلم صاحبه السجين، وليزداد معرفة بقصة هؤلاء الناس الذين لم ير مثل صبرهم على العذاب مد رأسه.. وراح يسأل: ما جزاء المؤمنين بربهم... أعني ما جزاء من هم خير البرية؟ نظر السجين الآخر إليه وعيناه مغرورقتان بالدموع، ووجهه مشرق بنور التوحيد والثبات على الحق، وراح يقرأ: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (البينة:8) ويرفع «سركيس» صوته: كفى.. كفى: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله ....
أراد أخوه السجين الذي تلا عليه الآيات أن يفهم القصة، ولكن الشاويش ذا الشاربين الغليظين، فتح زنزانة «سركيس» قائلًا: اخرج، لم يرتجف قلب «سركيس» كما كان يرتجف فلقد تمكن الإيمان من قلب.. ظن أنه يساق إلى حفلة تعذيب طارئة، ولكن الشاويش وبقسوته المعهودة أخبره بأنه سيخرج من السجن.. شعر بضيق وحيرة ما عهدهما من قبل كانت ترتيبات خروجه جاهزة، إذ بعد ستة أشهر من المطالبات ودفع الدولارات، علم الطاغية الكبير أن الرجل الذي اعتقلوه إنما هو نصراني أخذ خطأ مع أولئك الذين يعضون على دينهم بالنواجذ.
وخرج «سركيس» من بوابة السجن الرهيب ليرى الشمس في النهار والقمر في الليل، وقد حرم من رؤيتهما تلك الحقبة وليرى حشدًا من محبيه مع أمه وأبيه وزوجته وأطفاله، تاركًا وراءه هذا الملاذ الحضاري الشامخ وقف «سركيس» واندفع أهله نحوه.. فقال بصوت عال: أين اتجاه قبلة المسلمين؟ وجم الحاضرون!! ما باله يسأل عن قبلة المسلمين؟!! وإذا برجل عجوز يشير إلى القبلة، فخر «سركيس» ساجدًا على الأرض، وأطال السجود، وظن أهله أن فتاهم فقد عقله من شدة التعذيب الذي يسمعون عنه، فحاولوا أن يرفعوه من الأرض، ولكنه وقف من غير جهدهم ليردد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.. وأشهد أن هؤلاء «وأشار إلى داخل السجن» هم خير البرية.. هم خير البرية.. وأجهش بالبكاء.