العنوان التأثير الإسلامي في الحضارة الإنسانية
الكاتب أبو الحسن علي الحسني الندوي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-سبتمبر-1984
مشاهدات 79
نشر في العدد684
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 18-سبتمبر-1984
إن من أصعب العلميات وأدقها هو تحليل الحضارة التي اختمرت تحليلًا كيماويًا، وفرز العناصر التي دخلت فيها في عهود مختلفة وفترات تاريخية معينة، وإرجاعها إلى أصلها ومصدرها، وتحديد مقاديرها ومداها من التأثير والقبول، وتبيين من يرجع إليه الفضل في هذا العطاء الحضاري والتغيير الجذري، فقد دخلت هذه العناصر والتأثيرات في الهيكل الحضاري والمجتمع البشري، وتغلغلت في أحشائهما، وجرت منهما مجرى الروح والدم، وتفاعلت، وتكون منهما مزاج خاص لهذه الحضارة، شأن عوامل التكوين، والتربية، والبيئة، والأغذية في حياة الفرد، وتكوين شخصيته الخاصة، وإلى الآن لم يخترع معمل كيمياوي يباشر عمل التحليل التاريخي، ولا مجهر «الميكروسكوب» (Microscope) يضخم هذه الأجزاء الدقيقة التي لعبت دورها في تكوين الحضارة تكوينًا خاصًا، إذًا لا بد من دراسة عميقة واسعة لتاريخ الشعوب والأمم والبلاد والمجتمعات، حتى نستطيع أن نقارن بين ماضيها وحاضرها، ونهتدي إلى عمل الدعوة الإسلامية والبعثة المحمدية في تغيير العقيدة، وإصلاحها، والقضاء على آثار الجاهلية، والفلسفات الوثنية، والتقاليد الموروثة، وتحويل التيار الفكري من جهة إلى جهة، والتغيير الثوري في القيم والمثل، وتناول المدنيات بالتهذيب والتحسين، وذلك يحتاج إلى دراسات مضنية، وإجهاد نفسي وعقلي، ولكنه عمل مفيد إذا لم توفق له مؤسسة علمية كيونسكو (UNESCO) أو مجمع في أوروبا وأمريكا بطبيعة الحال، فلا بد أن يخصص له مجمع علمي في إحدى عواصم الشرق الإسلامي، أو جامعة من الجامعات الإسلامية، ولا شك أنه أنفع وأجدى من كثير من الأعمال العلمية التي تضطلع بها هذه المجامع والجامعات، وتجند لها طاقاتها ووسائلها.
• إن تحديد مجالات التأثير الإسلامي في الحضارة الإنسانية صعب وغير عملي تقريبًا؛ لأن هذا التأثير قد اختلط بجهاز الحضارة اختلاط الدم باللحم، وعادت هذه الشعوب والأمم لا تشعر بهذه التأثيرات، ولا يخطر ببالها في حين من الأحيان أنها عناصر دخيلة أجنبية، فقد أصبحت جزءًا من أجزائها وتفكيرها، ومدنيتها، وحياتها، وهنا أستعير ما سبق أن قلته في كتابي: «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» وأنا أتحدث عن المدنية الإسلامية، وتأثيرها في الاتجاه البشري:
«صارت طباع الناس وعقولهم تتغير وتتأثر بالإسلام من حيث يشعرون، ومن حيث لا يشعرون، كما تتأثر طبيعة الإنسان والنبات في فصل الربيع، وبدأت القلوب العاصية الجافة ترق وتخشع، وبدأت مبادئ الإسلام وحقائقه تتسرب إلى أعماق النفوس، وتتغلغل في الأحشاء، وبدأت قيمة الأشياء تتغير في عيون الناس، والموازين القديمة تتحول وتخلفها الموازين الجديدة، وأصبحت الجاهلية حركة رجعية كان من الجمود والغباوة المحافظة عليها، وصار الإسلام شيئًا راقيًا عصريًا، كان من الظرف والكياسة الانتساب إليه، والظهور بمظاهره، وكانت الأمم بل كانت الأرض تدنو رويدًا رويدًا إلى الإسلام، ولا يشعر أهلها بسيرهم كما لا يشعر أهل الكرة الأرضية بدورانهم حول الشمس، يظهر ذلك في فلسفتهم، وفي دينهم، وفي مدنيتهم، وتشف عن ذلك بواطنهم وضمائرهم، وتنم عنه الحركات الإصلاحية التي ظهرت فيهم حتى بعد انحطاط المسلمين»([1]).
ولكن إذا كان لا بد من تحديد جوانب ومجالات في حياة الأمم والشعوب، والحضارة ظهرت فيها التأثيرات الإسلامية في أجلى أشكالها، نحددها في عشرة من المعطيات الهامة، والمنح الأساسية العالية التي كان لها الدور الأكبر في توجيه النوع البشري، وإصلاحه، وإرشاده، ونهضته، وازدهاره، والتي خلقت عالمًا مشرفًا جديدًا لا يشبه العالم الشاحب القديم في شيء، وهي كما يلي:
1- عقيدة التوحيد النفسية الواضحة.
2- مبدأ الوحدة الإنسانية، والمساواة البشرية.
3- إعلان كرامة الإنسان وسموه، ورد الاعتبار إلى المرأة، ومنحها حقوقها وحظوظها.
4- محاربة اليأس والتشاؤم، وإساءة الظن بالفطرة البشرية، واعتبار الإنسان مذنبًا بالولادة يحتاج إلى «فداء» خارجي، (كما فعلت المسيحية)، وبعث الأمل، والرجاء، والثقة، والاعتزاز في نفس الإنسان.
5- الجمع بين الدين والدنيا، وتوحيد الصفوف المتنافرة، والمعسكرات المتحاربة.
6- تعيين الأهداف وميادين العمل والكفاح للسعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة.
7- إيجاد الرباط المقدس الدائم بين الدين والعلم، وربط مصير أحدهما بالآخر، وتفخيم شأن العلم، والحث عليه، وإيجاد حركة علمية وتأليفية لا يوجد مثيلها في تاريخ الأمم والملل، والمدنيات التي قامت على أساس الدين والرسالات السماوية.
8- استخدام العقل والانتفاع به حتى في القضايا الدينية، والحث على النظر في الأنفس والآفاق والتفكير في خلق السماوات والأرض، والاهتداء به إلى الحقيقة الكبرى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ (آل عمران: 191).
9- العثور على الوحدة في الوحدات الكونية المبعثرة والوحدات العلمية المنتشرة، والتي تبدو أحيانًا متناقضة متناحرة، وهي وحدة الإرادة الإلهية في الوحدات الكونية، ووحدة المعرفة الإلهية والدلالة على فاطر الكون في الوحدات العلمية، وهو الاكتشاف الهائل الذي غير مصير الإنسانية ومجرى الفكر البشري.
10- حمل الأمة الإسلامية على قبول مسئولية الوصاية على العالم، والحسبة على الأخلاق، والاتجاهات، وسلوك، الأفراد والأمم، وتحمل مسئولية القيام بالقسط، والشهادة لله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتبار نفسها أمة قرنت بعثة نبيها ببعثتها لقول الله -تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110)، وقول نبيها: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين».
وتدخل تحت كل عنوان قصة طويلة، واستعراض تفصيلي للحضارات والعصور الجاهلية التي سبقت البعثة المحمدية، والإنسان الذي ولد بعد البعثة، استعراضًا دقيقًا أمينًا، وكل عنوان من هذه العناوين موضوع كتاب مستقل قد يمتد على مئات من الصفحات ([2])، ونكتفي هنا ببعض شهادات المنصفين من علماء الشرق والغرب:
يقول «Robert Briffault» في كتابه «The Making of Humonity»:
«ما من ناحية من نواحي تقدم أوروبا إلا وللحضارة الإسلامية فيها فضل كبير، وآثار حاسمة لها تأثير كبير» ([3]).
ويقول: «لم تكن علوم الطبيعة (التي يرجع فيها الفضل إلى العرب) هي التي أعادت أوروبا في الحياة، ولكن الحضارة الإسلامية قد أثرت في حياة أوروبا تأثيرات كثيرة ومتنوعة منذ أرسلت أشعتها الأولى إلى أوروبا»([4]).
ويقول جوليفة كستلو في كتابه «قانون التاريخ» La Loi De L. Histoire: Jolivet Castelot:
كان التقدم العربي بعد وفاة الرسول عظيمًا، جرى على أسرع ما يكون، وكان الزمان مستعدًا لانتشار الإسلام، فنشأت المدنية الإسلامية نشأة باهرة، قامت في كل مكان مع الفتوحات بذكاء غريب، ظهر أثره في الفنون، والآداب، والشعر، والعلوم، وقبض العرب بأيديهم خلال عدة قرون على مشعل النور العقلي، وتمثلوا جميع المعارف البشرية التي لها مساس بالفلسفة، والفلك، والكيمياء، والطب، والعلوم الروحية، فأصبحوا سادة الفكر، مبدعين ومخترعين، لا بالمعنى المعروف، بل بما أحرزوا من أساليب العلم التي استخدموها بقريحة وقادة للغاية، وكانت المدنية العربية قصيرة العمر إلا أنها باهرة الأثر، وليس لنا إلا إبداء الأسف على اضمحلالها.
ويتقدم ويقول:
«ولئن كان سادة البلاد أصحاب أثرة، فإن العمل الذي تم حولهم كان أسمى منهم، ومنه نشأت مدنية مدهشة، وإن أوروبا لمدينة للحضارة العربية بما كتب لها من ارتقاء، من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر، وعنها أخذت الفكرة الفلسفية العلمية التي سرت إليها سريانًا بطيئًا ناقصًا في القرون الوسطى، وإن أوروبا لتتجلى لنا منحطة جاهلة أمام المدنية العربية، وأمام العلم العربي، والآداب، والفنون العربية، وأوروبا تدين بالهواء النافع الذي تمتعت به في تلك العصور للأفكار العربية، وقد انقضت أربعة قرون ولا حضارة غير الحضارة العربية، وعلماؤها هم حملة لوائها الخفاق»([5]).
ويقول لبون (Gustave Lebon):
«ينسب الناس إلى باكون (Francis Bacon) قاعدة التجربة والملاحظة، المنطق الاستقرائي (Inductive Logic) وهما الأصل في أساس البحث العلمي الحديث، بيد أن الواجب أن يعترف اليوم أن هذه الطريقة كلها هي من مبتدعات العرب».
______________________
الهوامش
([1]) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، الطبعة الثالثة عشرة، ص137.
([2]) قد تحدثنا عن السبعة الأولى من هذه العناوين في شيء من التفصيل في كتابنا «السيرة النبوية» في فضل البعثة المحمدية على الإنسانية والمنح العالمية الخالدة، ص387-418.
([3]) ص190.
([4]) ص202.
([5]) الإسلام والحضارة العربية، للأستاذ محمد كرد علي ج2، ص543-544.