; التائهة | مجلة المجتمع

العنوان التائهة

الكاتب غرناطه الطنطاوى

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1989

مشاهدات 58

نشر في العدد 939

نشر في الصفحة 53

الثلاثاء 31-أكتوبر-1989

 

- زوجتي ضائعة!!

وانفجر ضاحكًا..

استقبل أبو أيمن أخاه «محمود» مشدوهًا فاغرًا فاه، قد عَقَدت الدهشة لسانه، وفتح يديه مرحبًا محتضنًا إياه، فقد عاد بعد غياب طويل. فالرحلة كانت طويلة شاقة، كان فيها كمن يصعد قمة «إفرست» بما فيها من مفاجآت ومغامرات وأهوال..

كم كان أجدادنا محظوظين، كانوا يقطعون المسافات الطويلة على ظهور الجمال المتهادية في اطمئنان، يتبادلون الأحاديث الشجية فتُثار شاعرية أحدهم فيرفع عقيرته بالغناء الصدَّاح الممزوج بآلامهم وأفراحهم، يسكبون ما في نفوسهم من مشاعر وأحلام وأماني على أراجيزهم المرتجلة أحيانًا كثيرة.. لا يخشون أذنًا متلصصة تسجل همساتهم أو عينًا ترصد حركاتهم..

قد يخرج لهم قاطع طريق يسلبهم أموالهم ويشوش عليهم أحلامهم.. أما الآن فقُطَّاع الطرق كثيرون قد خلعوا اللثام عن وجوههم وتزينوا بأبهج الحلل وبأكثر من لون.. فمرة يظهرون بزي الجمارك وتارة أخرى بزي أمناء شرطة وتارة ثالثة بزي.. وبزي. وكل فرد منا ليس إلا آلة لها يد تمتد إلى الجيب لتخرج «المعلوم» تقدمه لهم.. ولك أن تسمي هذا «المعلوم» رشوة، أو هدية أو إتاوة أو ما شئت من الأسماء.

سأل أبو أيمن أخاه:

-       أين زوجتك؟ منذ ثلاثة أشهر وأنت تقول بقيت ورقة واحدة وتنتهي معاملة الجواز وتأتي بها مع أولادك. فهل أنجزت تلك الورقة الملعونة؟

أجاب محمود:

-       تصوّر أنني متزوج من امرأة على هامش الحياة ليس لها اسم ولا شهادة ميلاد عند الدولة، هكذا ظهر لي في هذه السفرة. كيف؟

-       عندما قدمت طلبًا لاستصدار جواز سفر لزوجتي طلبوا مني أن أعود بعد أسبوع.. توسلت إليهم أن يستعجلوا ما أمكن في تحقيق طلبي.. فغمز موظف آخر كان جالسًا إلى جانب من أحدثه وأشار بحركات فهمتها: بضع عشرات من الليرات وخرجت وقد منَّيت نفسي بأن هذه الليرات ستعمل عمل السحر وسأنتهي من معاملة الجواز بسرعة الضوء.. وبعد أسبوع ذهبت إلى الموظف المختص لأستلم الجواز وإذا بالموظف ينتهرني قائلًا:

-       زوجتك هذه ليست لها قيود عندنا.. ظننته يمزح، فتابعته في مزاحه قائلًا: ربما جاءت من المريخ. قال جادًّا: أنا لا أمزح. فأجبته بهدوء بعد أن شحذت من حلم الأحنف الشيء الكثير:

-       يا سيدي هذا هو اسمها، إنه مسجل في دفتر العائلة في خانة «الزوجة الأولى» وهذه هي أسماء أبنائي الثلاثة مسجلة في دفتر العائلة.. إنهم جميعًا أبناء زوجتي ليلى.

هز رأسه بالنفي فهل يصدق المستندات التي بحوزتي ويكذب «القيود» التي عنده. استجدَيْت عطفه وشفقته أن يبحث مرة أخرى ولكن لا حياة لمن تنادي.. أخرجت ورقة نقدية أدارت رأسه وبعثت الحياة في أصابعه فأصبح يقلب الأوراق الصفراء المتراصة أمامه وفي الخزانة وفي المخزن ولكن دون جدوى.. صرخت في وجهه ولكن «ابن حلال» كان بقربي نصحني لوجه الله ألا أتعدى حدودي وأصرخ مرة أخرى فيؤول صراخي هذا بأنه دعوة تمرد أو ربما دعوة إلى ثورة أو انقلاب في الحكم.. ضحكت من أعماقي لنصيحة صاحبي هذا.. صرخة قد تؤدي إلى نفي من الحياة كلها.. عجبًا منك يا زمن.. حار أبو أيمن فيما يفعل، حيث إنه خلال عمره المديد لم يحدث له ولم يسمع من قريب أو بعيد قصة كقصة زوجة أخيه الضائعة في الملفات الحكومية. قرأ محمود ما دار في خلد أخيه فضحك ضحكة مستهزئة وقال له:

-       اسمع هذه الحكاية يا أبا أيمن.. شاهدت رجلًا في السبعين من عمره في تلك الدائرة الحكومية وقد استهلك عدة أحذية- صدقني- في غدوه ورواحه إلى الدائرة ليثبت أنه مولود وموجود قبل أن يُخلق هؤلاء الموظفون بعشرات السنين ولكنه لم يستطع إثبات ذلك.. فقلت له:

-       يا عم إنك كبير في السن ولن تغادر البلاد ولن تحتاج إلى جواز سفر أو غيره فلماذا كل هذا التعب؟!.. فقال العجوز المسكين:

-       لكي يستطيع أبنائي أن يرثوني بعد وفاتي.. صعد أبو أيمن زفرة كالفحيح:

•       إيه.. إيه.. صحيح من يعش رجبًا يسمع عجبًا..

 

الرابط المختصر :