العنوان التاريخ الذي أسقط عمدًا: اليهود المصريون من باروخ إلى يوجيف
الكاتب د. محمد إبراهيم خضر
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1989
مشاهدات 57
نشر في العدد 900
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 17-يناير-1989
- المؤرخون اليهود يقرون أن صراعهم ضد النازية قليل الأهمية إذا ما قورن بالجهود التي تبذل للوقوف ضد إعلان مصر نفسها دولة عربية إسلامية!!
- الحركة الصهيونية في مصر تمكنت من إصدار عدد من الصحف والدوريات.
- اليهود يفخرون بتاريخهم الحافل من أنشطتهم السرية والعلنية في بلاد الإسلام.
في القاهرة وبالتحديد في عام 1896 وصل (ماركو باروخ) من بلغاريا يبشر في الشوارع والمقاهي والمعابد والمساكن الخاصة بالعودة إلى جبل صهيون، وعاش على الكفاف بتلك المساعدات التي كان يمده بها أصحابه، وكان يعود بعد عناء اليوم الطويل إلى (مقهى يونيفرسال) يقضى الليل هناك بصحبة هؤلاء الاصدقاء. واستطاع أن يكسب إلى جانبه موظفًا واحدًا واثنين من الصبية الحائكين وصانع أحذية وعامل طباعة وصبي سائق.
جمعية (باركوخيا) والمحفل الماسوني (بناي بيرث)
كان (باروخ) يدعو كل مساء إلى اجتماع، ولما وصل حواريوه إلى اثني عشر فردًا أعد له الأغنياء منهم قاعة يعقد فيها اجتماعاته بمقر جمعية (باركوخيا)، وهو عبارة عن زاوية بحجرة واحدة مع شرفة بحي (الموسكي) كان يقطنها هو وأسرته.
بعد وفاة (باروخ) خلفه (موسى بن رابي) الذي نظم اجتماعات بمساعدة عدد من المثقفين المصريين اليهود الذين استأجروا صالة مظلمة غير مفروشة أسسوها بأنفسهم. وبالتعاون مع المحفل الماسوني (بناي بيرث) وصل عدد الأعضاء إلى أربعين عضوًا تزايد نفوذهم بعد ذلك.
هرتزل في مصر
زار (هرتزل) مصر في عام 1903 ورحبت (باركوخيا) به كما قدمته إلى بعض الشخصيات اليهودية في مصر.
أنشطة جمعية (باركوخيا)
كانت مهمة هذه الجمعية اليهودية تجنيد الأعضاء الجدد وجمع الأموال وتمثيل مصر في الاجتماعات الصهيونية المختلفة والترحيب بالشخصيات الصهيونية الأجنبية، إلا أن هذه الجمعية قد حلت في عام (1906) بسبب انقسامات داخلية.
التفاف الجمعيات اليهودية المصرية حول الحركة الصهيونية
نجحت الحركة الصهيونية في مصر في أن تضم إليها بعضًا من الجماعات اليهودية الناشئة (بنزايون 1900 – جمعية ليتيريز هبراكي 1905 – جمعية سيونسي موارح بالقاهرة 1906 – آهافات زيون 1906 – فادها مير كازهازيوني بالقاهرة 1909 – جمعية بالدي زيون 1912 – دائرة جيف 1912 – بالدي هيرتزل 1913)، هذا وقد كانت الجمعية الأخيرة تقدم دروسًا حرة في اللغة العبرية والتاريخ اليهودي والصهيونية.
في الأسكندرية
حققت الحركة الصهيونية في الأسكندرية تقدمًا بطيئًا. وفي أغسطس 1901 عقدت اجتماعًا حضره أربعمائة فرد أسست بعده فرعًا محليًّا بمساعدة وفد زائر من جمعية (باركوخيا) وتبع ذلك تأسيس عدة جمعيات أخرى مثل (تيكفات زيون 1904 – بوالي زيون 1906 – بن زبون 1906).
تبني برنامج المؤتمر الصهيوني الأول في بازل (1897)
في عام 1908 تبنت جمعية بن زبون بالأسكندرية برنامج المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في بازل 1897 وفي عام 1909 اندمجت هذه الجمعية مع جمعية صهيونية أخرى هي (زيرزيون) التي أنشأها المهاجرون الروس عام 1909. وقد أدت هذه الأنشطة للجمعيات والاجتماعات والمؤتمرات إلى تزايد أعداد المؤيدين للحركة الصهيونية. كما تقلد منظمو هذه الأنشطة العديد من الوظائف إلى درجة أن المؤرخين اليهود يعتبرون أن هذه الفترة كانت فترة انتعاش للصهيونية وللثقافة اليهودية.
بداية الصحافة اليهودية في مصر
تمكنت الحركة الصهيونية في مصر من إصدار عدد من الصحف والدوريات كانت حياة البعض منها قصيرة كما كانت القضايا التي تناقشها محدودة. طبعت في الأسكندرية (لوميساجير ستونسي 1901 - جريدة جمعية باركوخيا التي أصبحت في عام 1902 ميبا سيرت زيون – المجلة الإسرائيلية في مصر 1912 - 1918).
أما في القاهرة فقد طبعت الميزاعيم 1903 - النهضة اليهودية 1912 – المجلة الصهيونية 1917 التي كان أول من أصدرها (ليون كاسترو) ثم (جاك موسيري). وقد كان لهاتين الدوريتين الأخيرتين تأثير هام على الرأي العام اليهودي في مصر.
أحد عشر ألف يهودي روسي يصلون إلى الأسكندرية
في عام 1914 - 1915 وصل إلى الأسكندرية 11.227 يهوديا روسيا كان الأتراك قد طردوهم من فلسطين. وكان وصول هذا العدد الكبير دافعًا قويًّا للحركة الصهيونية وللتضامن اليهودي. وبمجرد وصولهم أنشأ اليهود المصريون لجنة لمساعدتهم نظمت عملية إنزالهم وإمدادهم بالطعام والملابس والأدوية.
وقد وافقت الحكومة المصرية بالتعاون مع الجيش البريطاني على إيوائهم في معسكرات بقباري والشاطبي في الأسكندرية. هذا ويلاحظ أن تنظيمات الإحسان الأجنبية والمسيحية بصفة خاصة قد هرعت لمساعدتهم.
كما قدمت لهم الحكومة المصرية مساعدات مادية، كما نظم يهود الأسكندرية فيلقًا من الأطباء والمدرسين والمشرفين الاجتماعيين رجالاً ونساء لمساعدة هؤلاء اليهود الروس في حل مشاكل العمل والعودة إلى فلسطين وتأسست لهم داخل المعسكرات نفسها مدارس لتعليم العبرية بالإضافة إلى الدراسات الفلسطينية وأنشأت اللجنة المتقدمة الذكر على حسابها الخاص مدرسة عبرية تضم ثلاثمائة وعشرين تلميذًا أشرف عليها الدكتور (بوجراتشوف) رئيس المدرسة الثانوية العبرية في يافا.
روسيا تطالب بإعادة الشباب اليهودي لتجنيده
في مارس 1915 طلب القنصل الروسي من السلطات البريطانية أن تعيد إليها الصالحين من اللاجئين اليهود في مصر للخدمة العسكرية. واعتبر اليهود المصريون أن هذا الطلب الروسي يعبر عن سياسة معادية للسامية ولهذا شكلوا لجنة من وجهاء اليهود بإشراف (إدجار سواريس) رئيس يهود الأسكندرية للتوسط لدى السلطات البريطانية في هذا الأمر.
أول فيلق عسكري يهودي في العصر الحديث يشكل في مصر
اقترحت اللجنة السابقة حلا بديلا وهو تشكيل فيلق من المتطوعين اليهود للخدمة على الجبهة الفلسطينية تحت القيادة البريطانية. وتم الاتفاق بين (قطوري باشا) رئيس التجمع اليهودي في القاهرة وبين الجنرال (ماكسويل) القائد العام للجيش البريطاني في مصر على تشكيل هذا الفيلق تحت قيادة الكولونيل (باترسون) ويساعده (جوزيف ترامبلدور) على أن تخصص مهمة الفيلق في الإمداد والتموين. وكانت الفصائل الصهيونية لهذا الفيلق تتكون من ألف رجل منهم خمسمائة من المتطوعين وثلاثمائة وخمسون من اليهود الروس ومائة وخمسون من يهود الأسكندرية، وكانت جميع أعلام هذا الفيلق وخوذات جنوده وفصائله الطبية تحمل شعار نجمة داوود السداسية. هذا وقد ألقى الكولونيل (باترسون) خطابًا طويلا في هذه المناسبة ذكر فيه ...
(.. إنها أول مرة منذ ألفي عام يعترف فيها باليهودي كجندي نظامي؛ ولهذا فإن أنظار العالم اليوم تتجه إلى هذه الفصائل اليهودية. ولا يكفي الجندي اليهودي أن يؤدي عمله كالجندي البريطاني بل عليه أن يبذل كل جهده ليثبت أن اليهودي جندي ورجل قادر على الحرب وعلى استعادة أرض الميعاد...).
فرقة عسكرية يهودية تشكل في لندن وتعبر الإسكندريةمكملة للفيلق المصري
وتوقفت الفرقة بالأسكندرية أثناء تحركها ولاقت في الأسكندرية ترحيبًا حارًّا حيث سار أولاد وبنات الكشافة إلى جانب الجنود بأبواق مزخرفة، بالإضافة إلى الترتيلات العبرية جرت مراسم احتفال ديني في المعبد اليهودي الرئيسي على شرف الجنود. وكانت نجمة داوود هي أساس رمز الفرقة وعلمها.
وايزمان في مصر
في 12 أغسطس 1918 شكلت لجنة بالأسكندرية لتأييد اليهود في فلسطين وبعد ذلك بيومين وصل وايزمان إلى مصر ولاقي ترحيبا حارا بها.
الاحتفال بصدور وعد بلفور في قلب القاهرة
وصلت أخبار وعد بلفور إلى القاهرة في 20 أبريل 1920 وسرت في المدينة مسرى النار في الهشيم وكان الناس يتجمعون من مختلف أحياء القاهرة لمتابعة الأخبار وتشكلت وفود من يهود القاهرة والأسكندرية... لزيارة المندوب السامي البريطاني والتعبير له عن الآمال العظيمة التي يعلقها اليهود المصريون على مستقبل الوطن القومي اليهودي، وأقيمت المهرجانات للاحتفال بالحدث وخاصة في (حارة اليهود) بالموسكي حيث كان الخطباء يتحدثون الواحد تلو الآخر، ويزعم المؤرخون اليهود أن جماعات من المسلمين كانت تصيح (لتحيا الأمة اليهودية) وكانت الجماهير اليهودية تبادلها (لتحيا مصر الحرة)، كما يؤكد هؤلاء المؤرخون أن الأقباط قد هنأوا الشعب اليهودي عن طريق وفودهم.
الاحتفالات خارج القاهرة
كانت التجمعات اليهودية خارج القاهرة تحتفل بصدور وعد بلفور وخاصة في الأسكندرية والمنصورة والزقازيق وزفتي وكوم أمبو.
النشاط اليهودي بعد صدور وعد بلفور
تمكنت التنظيمات اليهودية في القاهرة والأسكندرية من جمع قدر من المال وضع لصالح مشروع الاعتمادات المالية لاستعادة فلسطين. وفي الأسكندرية أقيم مكتب إضافي لمساعدة اليهود الذين في طريقهم إلى فلسطين. كما ساعدت التنظيمات الصهيونية المصرية المهاجرين اليهود في الوصول إلى فلسطين ومن 28 إبريل 1920 حتى 30 نوفمبر 1927 كانت التبرعات اليهودية تنهال لإطعام ومساعدة اثني عشر ألفًا من المهاجرين اليهود وقد استمر هذا النشاط سريًّا حتى عام 1948، كما كثفت التنظيمات أنشطتها في الإسماعيلية وفي الظاهر والموسكي وهليولوليس لجذب الطبقات الدنيا من اليهود وتلقينها دروسًا حرة في العبرية.
وايزمان في القاهرة مرة أخرى
وصل إلى القاهرة في نهاية ديسمبر 1922 كلًا من (حاييم وايزمان) والكولونيل (كيشي) وكان في استقبالهما خمسة آلاف يهودي، حمل اليهود وايزمان على أكتافهم واحتفت به حشودهم احتفاء حماسيًّا، وكانت هذه الحشود تدفع السيارة التي تقل وايزمان وجوزيف شيكوريل رئيس الاتحاد الصهيوني وترنم وتهتف لوايزمان وحينها خرج وايزمان من سيارته وبرفقته الكولونيل كيشي متجهين إلى الفندق الذي نزلا فيه كانت الجماهير اليهودية تهتف (يحيا وايزمان – تحيا الصهيونية – يحيا بلفور – يحيا هربرت صمويل)، ثم غنت النشيد اليهودي (الهاتيكفاه). وكان وجود وايزمان مناسبة أعدت فيها المآدب وألقيت فيها العديد من الخطب.
حبر الأسكندرية يمثل الصهيونية المصرية
مثل أبراهام أبيخيزير حبر الأسكندرية الصهيونية المصرية في المؤتمر الصهيوني الثالث عشر الذي عقد في (کارلسباد) عام 1923.
الفن والموسيقى والرياضة والرسالة الصهيونية في مصر
يقول بات بيشور إن الرسالة الصهيونية قد انتشرت خلال العشرينات عبر وسائل الثقافة والفن والموسيقى والأحداث الرياضية والاستكشاف التاريخية. وقد نظم اتحاد الشباب اليهودي في القاهرة في عام 1923 أنشطة موسيقية وأدبية.
وسائل تدفق المعلومات عن فلسطين إلى مصر
يقول (بيشور ) أيضًا إن الفنانين والرياضيين والسياسيين الذي كانوا يمرون بمصر قد حافظوا على تدفق سيل المعلومات عن فلسطين إلى اليهود المصريين.
صورة هرتزل محاطة بالأعلام اليهودية والمصرية
يدّعي المؤرخون اليهود أن الشخصيات اليهودية والمسلمة كانت تقف جنبًا إلى جنب تحت صورة هرتزل التي كانت تحاط بالأعلام اليهودية والمصرية.
تنظيمات وخلايا صهيونية جديدة ونشاط آخر للمحفل الماسوني (بناي بيرث)
في عام 1942 وما بعدها ازدادت أهمية التنظيم الصهيوني (الكيرين كاليميت) في الأسكندرية وتوسعت شبكة الخلايا التي كانت تحتفظ بوفد من أعضائها في عضويته. وكانت هذه الخلايا تغطي عدة أحياء في المدينة ومن أمثلتها جماعة (الفيلونيا) في حي محرم بك وجماعة (بينو) في الحي اليوناني بالأسكندرية . أما المحفل الماسوني (بناى بيرث) فقد عمل على إنشاء رابطة ضد ما يسمى بالعداء للسامية ونظم اجتماعًا جماهيريًّا في مؤسسة الأيتام الإسرائيليين بالقاهرة. كما تأسست في عام 1925 جمعية الدراسات التاريخية اليهودية وكذلك نادي الشباب اليهودي بالأسكندرية في عام 1930. وتأسست ما بين عام 1925 و1935 جماعات أخرى مثل جماعة (مؤادون هايفري) لتعليم العبرية وجماعة (فيزو) لتعليم العبرية للأطفال وجماعة بيريث ترامبلدور) والجمعية المصرية لأصدقاء الجامعة العبرية في القدس. هذا بالإضافة الى حركة (الهاتحيا) للشباب الصهيوني.
خمسة عشر ألف جنيه مصري لشراء الأراضي في فلسطين
اكتتب يهود الأسكندرية في عام 1933 في جمع مبلغ خمسة عشر ألفًا من الجنيهات المصرية لشراء أراضي منطقة (كفر ياديريا) في فلسطين. كما نظمت أيضًا الوسائل المختلفة لجمع الأموال لمساعدة التنظيمات اليهودية القائمة في فلسطين.
صحوة الصحافة اليهودية في مصر ثانية
قادت هذه الصحوة مجلة (القديمة 1935 - 1937) بالقاهرة و(الشمس) التي صدرت بالعربية (1934 - 1948) و(إسرائيل 1919 - 1939) وصحيفة (هاشو میر هازيس التي أسسها ألبرت موسيري) ثم أشرفت عليها أرملته (ماتيلدا) بعد وفاته، بالنسبة لمجلة (إسرائيل) فقد طبعت بثلاث لغات هي العبرية والعربية والفرنسية. عاشت الطبعة العربية منها أربعة عشر عامًا. أما الطبعة العبرية فلم تعش طويلاً ونالت هذه المجلة اهتماماً كبيراً سواء على مستوى الصفوة أو مستوى الجماهير اليهودية خاصة وأنه كانت -كما يقول المؤرخون- صهيونية في قناعاتها وكانت تقدم لقرائها حقيقة التناقضات بين الصهيونية كنظرية وبين الواقع العربي الذي يعيش فيه اليهود المصريون. أما صحيفة (لوآرور) فقد كانت تظهر في القاهرة والأسكندرية في آن واحد وقد تأسست عام 1941 برئاسة لوسيون سكويت وتعرضت هذه الصحيفة للتهديد بالإغلاق وركزت كصحيفة (إسرائيل) على القلق والصراع الذي يعيش فيه اليهود وهم بين أغلبية عربية.
أما مجلة للوسترايتون جوفي فقد أسسها الحبر الأكبر (دافيد براتو) وكانت تقدم مقالات كاملة مستخرجة من الأعمال اليهودية الأوروبية المعاصرة في إطار صهيوني قومي. كما أسس (ألبرت ستراسلسكي) في القاهرة مجلة (صوت اليهود) التي طبعت بعد ذلك في الأسكندرية (1931- 1934) وقد عضدها (دافيد براتو) ووجهاء يهود الأسكندرية. وهناك أيضًا (لوترابيون جوفي 1936 - 1948) التي أسسها (جاك رابين) في الأسكندرية.
وحدة الهدف بين التجمعات اليهودية والمحفل الماسوني
انقسم يهود القاهرة إلى قسمين متعارضين يمثل أولهما وجهاء اليهود الذين التفوا حول رئيس تجمعهم وحاولوا أن يحتفظوا بسيطرتهم على تجمعات اليهود لضمان امتيازاتهم بصفتهم ممثلين لهم أمام السلطان، وعلى الجانب الآخر كان هناك المحفل الماسوني (بناي بيرث) الذي كان بمثابة جماعة دينامية تدرك تمامًا ما يسميه اليهود بالقدر اليهودي القومي.
وقد وزع المحفل اهتماماته على المستوى الشعبي والمستوى الصهيوني في ظل منظور النهضة اليهودية. وفي عام 1925 وبعد سنوات من الصراع الداخلي التحمت هذه التنظيمات اليهودية ونسقت فيما بينها وعالجت مشاكلها المشتركة ثم اتجهت بجهودها نحو تحسين وإنشاء تنظيمات تعليمية وصحية وخيرية تعمل جاهدة على استعادة الشباب اليهودي الذي تهددت يهوديته بسبب وجوده في بيئة عربية وتحسين ظروف حياتها الاجتماعية والثقافية بوسائل تؤكد على القومية اليهودية وإرثها الروحي مبرزة هذا الشكل الجديد للصهيونية الذي يأخذ في اعتباره ما يسميه المؤرخون اليهود -بحقائق العصر. وكانوا يرون أن هذا هو السبيل الوحيد أمام الأقلية اليهودية للتماسك في جو سياسي خاص ودين إسلامي وتقاليد وحياة عربية يشعرون أنهم غرباء عنها.
أما يهود الأسكندرية فقد كانوا أكثر تنظيمًا تحت رئاسة الحبر (بيهور أياهو هازان 1888- 1908) وخليفته (دافيد براتو) اللذين كانا يريان أن أفضل فرصة للاستمرارية اليهودية تكمن في المساواة بين اليهودية لا يمكن أن تحل بدون ما يسمى بالقوة الأساسية التي يحيا من أجلها اليهود وهي (أرض إسرائيل).
هذا وقد تعرض المؤرخون اليهود لقضايا تأثير التسامح الإسلامي على علاقة اليهود المصريين بالصهيونية الغربية واختلاف قيم هذه الأخيرة عن قيم البيئة العربية التي تربوا فيها ثم موقف اليهود المصريون من إعلان مصر أنها أرض عربية إسلامية.
التسامح الإسلامي والمخططات السياسية للصهيونية
يقر اليهود بأن المخططات السياسية التنفيذية للصهيونية نحو العرب ودولة الخلافة كانت قائمة أساسًا على التسامح الإسلامي، وكان يهود الشرق يرون أن هذا التسامح قد تسبب في اغترابهم التاريخي والثقافي عن الصهيونية، بل إنه أربك التصورات اليهودية بل والمسيحية أيضًا؛ ففي ظل هذا التسامح شعر اليهود المصريون أن قضية (الغالبية السائدة والأقلية اليهودية المضطهدة) التي تدافع عنها الصهيونية لا تنطبق عليهم وإنما على يهود أوروبا فقط وأن هذه الصهيونية وإن كانت حلاً ليهود الغرب فإنها لا تقدم حلًا ليهود الشرق؛ ولهذا اتهمها الأخيرون بأنها تجاهلت أو انصرفت وقتيًّا عن مشاكلهم معتمدة على الانسجام العربي اليهودي وركزت دعايتها وأنشطتها على أوروبا ومشاكل اليهود فيها وتاريخ اليهود الروس والبولنديين ونادرًا ما كانت تناقش اليهودية المصرية أو الشرقية.
كما أن الصهيونية كأيديولوجية اشتراكية والقيم المشتقة منها تتعارض بشدة مع القيم التقليدية العربية التي عاش اليهود في ظلالها، وهذا يعني في نظرهم أن الصهيونية الغربية قد فشلت في التعرف على ما يجري وراء الحياة اليهودية المصرية وفي الالتحام معها.
ويضاف إلى ذلك، أن الصهيونية الشرقية كانت ترى نفسها دينية الطموح أرثوذكسية الاتجاه وبالتالي كانت تستنكر الإلحاد الاشتراكي، ورأى قادتها في مصر أن يسلكوا طريقًا مخالفًا لهذه التيارات حتى يتمكنوا من البحث عن الطرق الخاصة التي تمكنهم من المناورة في البيئة العربية التي يعيشون في ظلالها.
خطورة العروبة والإسلام على يهود مصر
يقر المؤرخون اليهود أن صراعهم ضد النازية وارتباطهم بوعد بلفور ومساعداتهم للمهاجرين والكيانات اليهودية وإن أدت إلى تماسك اليهود في مصر، فإن كل ذلك قليل الأهمية إذا ما قورن بالجهود التي يجب أن تبذل للوقوف في وجه الأخطار المترتبة على إعلان مصر نفسها دولة عربية وإسلامية.
ويقول (بيتور) في هذا الصدد (ليس هناك من شك في أن تغير الاتجاهات المصرية نحو الصهيونية زاد من مخاوف اليهود؛ ففي السنوات الأولى من هذا القرن كان المصريون يعتبرون أن المسألة الفلسطينية مسألة ثانوية بالنظر إلى شعبهم نحو الاستقلال، أما في الثلاثينات فإن الموقف قد تغير؛ ففي الوقت الذي كان فيه هدف المصريين الأول هو الاستقلال فإنهم الآن اعتبروا مصر أرضًا عربية إسلامية وأدى التزامها بالتكتل العربي إلى تضييق مجال النشاط الصهيوني وخاصة بعد أن رأت مصر أن الصهيونية تمثل تهديدًا لأمن الأرض العربية الإسلامية الكبرى، كما أخذ التحول مظهرًا ملموسًا تمثل في إرسال وفود تبشر بالإسلام في السودان واليابان والهند، وأدى طبع العديد من المقالات والتحليلات عن التكتل العربي ونشر الكتب التي تمجد الإسلام إلى إثارة مزاج ديني خاص. وبدأ أول التحام بين العرب الفلسطينيين والإخوان المسلمين في عام 1935 الى إمداد عرب فلسطين بالمال والسلاح والتدريب العسكري، كما اشترك الإخوان في الهجوم على القرى اليهودية في فلسطين).
بحث اليهود المصريون عن سبل الدفاع عن أنفسهم في ضوء هذه التطورات وفي ظل انشغال الصهيونية الغربية عن مشاكلهم، فأسس (فيكتور بيلسوف) مزرعة يهودية بالقرب من القاهرة أدخل فيها نمط حياة الكيبوتز، كما تأسست أيضا مزارع يهودية أخرى بالقرب من الأسكندرية، وزادت حملات التبرعات وجمع الأموال والقيام بالعديد من الأنشطة السرية المنظمة.
وقد أدى الخوف المتنامي عند اليهود المصريين إلى أن تصدر رابطة الشباب اليهودي إعلانًا في عام 1937 تقول فيه: (إن مصر هي وطننا والعربية هي لغتنا). وذلك في الوقت الذي كثفوا فيه من أنشطتهم في تدريس العبرية والتاريخ اليهودي والصهيونية وجغرافية فلسطين واقتصادياتها وأرسل الشباب اليهودي المصري للتدريب على حياة الكيبوتزات في فلسطين وتدرب البعض منهم في صفوف الهاجاناه. واشترك الجنود اليهود الذين كانوا يحاربون في فلسطين في أنشطة تدريبية عسكرية للشباب اليهودي في القاهرة والأسكندرية. وحينما بدأت موجات الهجرة من مصر إلى فلسطين أخذت أشكالاً عدة منها تأجير الزي العسكري البريطاني والاستعانة بصيادي السمك من العرب والاستخدام الجمعي لجوازات السفر المزورة التي كانت تباع بأربعين جنيهًا مصريًّا... وحينما وصل اليهود المصريون إلى فلسطين كانت أول الكيبوتزات التي أسسوها هي (برورها - جيل - ناخشونيم - يوجيف).
ويفخر اليهود -الآن- بهذا التاريخ الحافل من أنشطتهم السرية والعلنية في بلاد الإسلام إلى درجة أنهم عنونوا هذه الوقائع بـ(الصهيونية في أراضي الاسلام - مثال من مصر) ولعلنا نتخذ من هذا التاريخ عبرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل