; التاريخ الإسلامي.. قوافل خيرة ومواكب نيرة (2) | مجلة المجتمع

العنوان التاريخ الإسلامي.. قوافل خيرة ومواكب نيرة (2)

الكاتب عبدالرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 27-يناير-2007

مشاهدات 64

نشر في العدد 1736

نشر في الصفحة 66

السبت 27-يناير-2007

إن أعداء الإسلام لم يتركوا أسلوبًا تفتق عنه سوؤهم إلا اتبعوه، مهما كان ماكرًا -مستترًا أو مجاهرًا- فهي هي مهما تزينت بالمساحيق أو تزينت به من أزياء أو حتى غيرت أعلامها أو إعلامها، فلا يظن مطلقًا أنها تغيرت أهدافها أو خفت أو تخففت، كان ذلك منذ العداء المكشوف في مكة المكرمة، إلى النفاق في المدينة المنورة، إلى ادعاء النبوة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والردة بعيد وفاته، وإلى حبائل وأباطيل اختبأت في جحورها، أو ظهرت كالحة بقبحها خلال القرون، وجرت تترصد في السوء والتآمر والباطل كل موقع، وتناولت كل جانب، وتداولت كل أسلوب، ومارست في حربها اللسان والسنان، وتسلحت بالخبرة والمعرفة والتصرف الملتوي حتى تحت قباب العلم وعلى صفحات الكتب، كما عرفناه ولمسناه ونشهده في هذا العصر، وهو كذلك على الدوام.
حملت أفظع ألوان العداء واتبعت أنكر وأمكر فنون المواجهة، تستعملها جميعا، أو أجزاء منها، وتستعين بكل أحد، وتزحف بمجموعة منها أو بجميعها، وتضرب في جبهة أو على كل الجبهات، وتنال من ميدان أو كافة الميادين تثير، كل جانب من الداخل والخارج مقنعة ومبرقعة، تنوعت وتلونت وتعددت وتفرعت وتسلحت وتدلست، لكن الله تعالى حفظ هذا الدين كاملا وفي أحلك الظروف.
وحين تعجز أمته عن نصرته ينصره الله بغيرهم، وإن كان بهم فمن أجلهم، سنة الله سبحانه، وهو يسير اليوم وينتشر بذاتيته وقوته وسره الرباني المكين، فرعاه الله على الدوام وميز أمته، يحميها ويجعل طوائف منها لا تزال قائمة عليه وبه ظاهرة، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم (أو خالفهم) حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (مسلم عن ثوبان).
ولقد تسعر هذا العداء وتجرأ الأعداء، واتسعت تلك الحرب، لكن بعون الله رب العالمين سيتوالى مسير القافلة المباركة المنيرة وتقود هذا الموكب والركب المنير إلى درب الإيمان والأمان.
وكان تاريخنا الإسلامي المجيد أحد أهدافهم الكبرى، والميدان الذي تحرك فيه هؤلاء الأعداء بنشاط، فخصصوا من أجل ذلك الكتب والأقسام الدراسية في الجامعات، ومضى تيار الاستشراق في إطار العلم المهترئ وتحت ثوبه المهلهل يطوف بالدارسين على ما خرب من أطلال وحاك من أثقال يصورها كما يريد ويشكلها لبغيته، مع عمليات التجهيل لحقائق هذا التاريخ الكريم وتشويه مواقعه، فنجده يكثر الوقوف والتركيز على كل ما هو أكثر خيرًا وبركة من الأحداث والأشخاص والنتاج، ليبيدها ويشيد على أثرها ترهاته وشبهاته، وتربى من أبناء جلدتنا من يتولى تلك المهمة المشبوهة من داخل حصوننا.
التاريخ الإسلامي هو الصورة العملية للإسلام، ارتسمت فيه شريعته وأنارت حياة المسلمين حقائقه، وأقام في مجتمعه حضارته، ما دام له الاتباع وبه الالتزام، وغدت تلك الحياة والحضارة فخرًا لكل إنسان ملأت جوانبه بركة، وأغنت إنسانيته كرامة، وأحيت فطرته نورًا، وأزهرت حياته برا، وأعلت هامته فخرا، وارتقت به إلى عليين، ففاز بالخير وعاش بالنور في الموكب الأمين.
ومثلما تقوم اليوم دعوة إلى الأخذ بهذا الدين، نرى أعلامها تقوم وقوافلها تتقدم ترتدي أثوابه وتتمسك بأهدابه وتفتديه النفوس، تنادي بصوت جهير لتقيم مجتمعه الإسلامي، وتصون كيانه حية مباركة منيرة. قامت على ذلك فئات هنا وهناك تنادت لحمايته بكل أسلوب وفي شتى الميادين كل بما هو ميسر له. استرخصت له النفوس وصانته بالحياة وحمته بكل غال تسهر من أجله وتتعبد الله في خدمته، وتتمنى الشهادة في سبيله، لتعرف مكانها في قوافل الشهداء السابقين من كل العصور، وهذا النوع هو الذي يستحق نصر الله تعالى، وعلى يديه يقيم مجتمعه.
وتقوم على كتابة تاريخ هذه الأمة فئة تجاهد من أجله وتسهر عليه، لتقدمه حيًّا متحركًا غضًّا وطريًّا ترى طبيعته الندية وواقعيته الثرية. تقيمها أجل القواعد العلمية والمواصفات الموضوعية، والمتطلبات الفكرية، والمقومات الدراسية النزيهة الأمينة الحريصة. فيه صورة الإسلام الزاهية تثير العجائب، تنعشه وترده لمصدره وبه تقوم أسوة وقدوة.
والدعوة لكتابة التاريخ الإسلامي استعصمت بالله وتحصنت بشرعه وشقت طريقها، مثلما شق ويشق الإسلام طريقه خلال الدهور ليكتب تاريخًا آخر جديدًا متلألئًا كالبلور أو كالبدور. فها هي ثماره وتياره وأعلامه تندفع وتتسع وتعلو وتعمق وتسمو وتمتد وتدنو، وإن اتئد. ولعل ذلك لصالح النضوج وأسباب النمو والاكتمال والإثمار، ولعلها كذلك سنة أرادها الله ويتولاها ويرعاها ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21)، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة: 21).

الرابط المختصر :