; التاريخ الإسلامي.. معالم و مكارم | مجلة المجتمع

العنوان التاريخ الإسلامي.. معالم و مكارم

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-ديسمبر-1984

مشاهدات 67

نشر في العدد 694

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 04-ديسمبر-1984

     الإسلام دين عمل والتزام، ثمرة حية قوية طيبة للعقيدة الإسلامية وشريعتها، عقيدة التوحيد الخالص في العقل، والقلب، والحس، والضمير، والمشاعر، والشعائر، والسلوك، والعمل، وبالكيان الإنساني كله، وبتوجه شامل لكل أمور الإنسان، فردًا وجماعة، ومناحي حياته، وميادين مجتمعه، وألوان حضارته، عبادة لله تعالى وطلبًا لرضاه وفوزًا بجنته، فهو يرفل وينعم ويتمتع ويرتع بين هذا وذاك؟ 

     وهذا دين الله الذي ارتضاه للبشرية ما عاش على ظهر الأرض إنسان، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهو مما يجعل التمييز أساسيًا وفاصلًا بين الإسلام وكل ما عداه حقيقة وطبيعة، عقيدة وشريعة تصورًا ووجهة، ألزم الله -تعالى- أصل هذا الدين بذلك، والقدوة والأسوة فيه بنبي هذه الأمة ورسولها -صلى الله عليه وسلم- إلى أهل الأرض أجمعين.

     لذلك كانت الحياة الإسلامية ترجمة وتعبيرًا عمليًا عن هذا اللون من التيار الإسلامي فردًا وجماعة، مجتمعًا ودولة في كافة الأحوال، مادام الالتزام بالإسلام والإذعان لشريعته والتقيد بمنهجه مقومًا لحياة الإنسان، تجده في حياة المجتمع المسلم مبثوثًا في كل آن واحتواه تاريخه المضيء.

    وبذلك كان التاريخ الإسلامي صورة عملية للإسلام معالم فاصلة ومكارم مذهلة، وكل صورة قاتمة أو حالة قائمة ضعفت فيها الالتزامات أو مغايرة له نتيجة مؤكدة تسببت بمقدار البعد عن الأخذ بهذا الدين، وذلك ميزان مهم في حياة المجتمعات الإسلامية التي ازدهرت تلك الحياة بالأخذ به ازدهارًا لا يعدله أي شيء، وهو أمر طبيعي واضح بالمقارنة مع تاريخ أية من الأمم في كل العصور. 

     ولأهمية التاريخ الإسلامي لا بد أن يتجلى الاهتمام به، صورة بارعة وصبغة ناصعة مزهوة تسر المطلع والمتتبع، وتبهره وتجذبه متلألئة بإشراق النفس والمجتمع بمعاني الإسلام، مؤكدة تلك المعاني أصيلة وتدفعها نبيلة، سطوع رائع تؤثر فيمن يراها، لأنها بنية كريمة طبعها هذا الدين وأودعه تاريخ الإسلام ليملأ الحياة وبالقدوة والدعوة لهذا الدين للتجدد به، والإنسان مجبول على التأثر والتأثير بالسلوك العملي الحركي والنشاط الحيوي بكل جوانبه وميادينه، معبرًا بذلك عن حقائقه وطبيعته وقوته وواقعيته، يرعاها الله الذي أنزله ويتولاه وأهله، ويتنزل على جنده نصره مبينًا يتخطى كل الحسابات.

     وتاريخ الإسلام لا يعرف لدى المسلمين غير الاجتهاد في الالتزام المعبر المنير الأصيل، لا يكل في تصوير حقائق الإسلام والتعبير بالحركة والرسم بالحيوية والتأثير بكل ألوان الخير- زينة وبراعة وإفصاحًا عن تفرد الإسلام وقدرته التي أودعها الله فيه على صناعة الحياة على عين الله تبارك وتعالى، وإجرائها في تيار هذا الدين، وهكذا إرادة الله تعالى، إعجازًا في البيان والتشريع، كل آيات القرآن وصناعات الإنسان خليفة الله في أرضه.

     فقوة الصورة العملية بهذا البناء واللون يملأ الحياة، وتزدهر بعقيدة متصلة بالله وشريعته، يصل الإنسان إليها بهذا الارتقاء إلى أعلى قمة لا يصل بدونه إلى أدني منها لا كمًا، ولا نوعًا، ولا كيفًا.

     ولو البناء الإسلامي للمجتمع المسلم يقوم على القاعدة الاجتماعية والجماهيرية الواسعة، فالمجتمع في هذا اللون من الحياة يصبغها الإسلام، تقوم على القاعدة الأساسية الواسعة يكونها الناس، تلتقي عليه كل الفئات والتخصصات، وتتعاون وتقود الحياة فيه بكل دوافعه وإمكانياتها، وعنده تلتقي كل طاقاتها، تنبثق منه كل توجهاتها وأعلامها ومواقعها وقادتها من كل نوع، ولذا فكل انحراف في الفرد يقود أكثر الأحيان إلى سقوطه، وكل تهتك في الدولة يقود إلى زوالها بسبب خلخلة في الالتزام، فتقوم غيرها وذلك علامة التجدد والحيوية في هذه الأمة المتميزة، يقوم المجتمع على ذلك بالإقامة والنصيحة ليدوم البناء خلال الأجيال، ولدى الحكام، وأهل المواقع والمناصب والمنافذ الكل قائم عليه، والتردي في مهاوي التقصير مردي لهم. 

     والعلماء قوامون على هذا المجتمع المسلم، قائمون بحقه قادة له أكثر من غيرهم، قيادة تهفو إليها قلوب الناس تصديًا للنوائب وقيامًا بالواجبات والوجائب، وكم من علمائنا كانوا أوائل الشهداء، والشهداء أوسع الأبواب. دخلت منها مجاميع الأمة الإسلامية وجماهيرها في الأجيال المتتابعة والأقوام المتعاقبة، وكم تحركت الجماهير بأعلامها وعلمائها وكثيرًا من الأحيان حكامها في الأمة الإسلامية زحف الخير، حكامها الذين انبثقوا من بطنها مواليد الحنان يقودون المواقع إلى المرابع، تمنوا الشهادة من أجل رفع الراية بتواضع ما رأت مثله أمة، وأدهش كل أمة أمثلة شاهقة يرتادها أهل البر ودعاة الخير وعشاق الفضيلة، في صورة المجتمع الفاضل المتكامل في مسيرة جرى الحكام فيها جري الأمة، يتنادون الطهر والاستقامة حتى حين قال هؤلاء الحكام الضعف أعادتهم للقوة.

     وليس في تاريخ أمة غير الإسلامية وفرت في أهل السطوة، والسلطان، والمال، والمكان، والقوة، والكلمة من كانوا قادة للخير، كانوا مثل العلماء ويد الحق، وحراسه، وشهوده، وشهدائه، تلاقت الأركان ليضع المجتمع المثال في مجتمع إنساني حي كريم، والأمثلة ما أكثرها وأوفرها وأنضرها، كلما حاد من هؤلاء بأي مقدار على الطريق ظل العلماء قادة فوق الرؤوس، وارتفعت برؤوسهم رؤوس، وكلما قام البناء مثل هذا القيام انتصبت هذه الصور واتسعت، وكل موقع وعصر وجيل لم يخل من هذه الألوان.

     تلك رؤية خلال مشاهد الحياة الإسلامية بكل إطار، يخاف اتساعها أعداء الإسلام، ويعمل الحكام المهازيل على إبادتها، وتراهم يعملون في أقطار تعاونهم سادة، يؤمرون فيطيعون، فلا مكان لهم في مجتمع الإسلام، ولا يذكرون فتراهم يمكرون، ولكن ذلك لا ينفعهم إلا بمقدار ما نفع أبو جهل، وأبو لهب، وأمية بن خلف وغيرهم، نفعهم قبض الربح فكانوا من الخاسرين في الدارين، فالاطلاع على هذه الصورة في تاريخ أمتنا الحي يخيف هؤلاء؛ لذا أرادوا تشويهه، ويقاومونه في كل سبيل.

     فدراسة التاريخ الإسلامي قضية مهمة، ومسؤولية للمسلمين، وواجب نحو دينهم لا بد أن يتوافر، وهم مكلفون بذلك في هذا العصر في كل المستويات الثقافية المتفوقة المنهجية والقرارات ولا يتركونه، وقد جرى نهبًا للنوايا الخفية المتلونة، وأن تقدم في الميدان بعض الأعمال العلمية الجيدة، لكنها غير كافية في العمق والسعة والانتشار.

     ولأهمية ذلك جرى اختيار التاريخ الإسلامي أحد المواجهات للمواجهة من قبل الذين أرادوا الإساءة للإسلام، سواء جرى ذلك من قبل غير المسلمين لا سيما التيار الاستشرافي، أو من المسلمين الذين كانوا سدًا عميقًا يمثل تلك الكتابات حتى عمت كثيرًا من هذه التصورات القائمة الهزيلة الملفقة، لا تعرف حقيقتها، ولا ما وراءها، ولا القول الفصل في ذلك حتى ألقها الناس وما عاد الكثير يجد فيها بعدًا عن الحقيقة قل أو كثر.

     وسرى هذا التهافت حتى إلى الكتب المقررة في المدارس والجامعات، والأدهى تلك التي كتبت بأيدي مسلمين، نرجو لهم أن يراجعوا الحقيقة في نفوسهم على ضوء الإسلام نفسه وتاريخه المجيد، ولعلهم يفعلون ويزيلون آثار ذلك وآثامه وأوضاره من غير استغراق في هذا الاتجاه، لكن الحق في هذه الدعوة الإسلامية الكريمة وفي تاريخها -ماضيًا وحاضرًا- سيظهر ويحمل إلى حيث يستقر في النفوس، ويخط الصور الفاضلة بحقائقها أيادي خيرة قوية بروعة الحق مضيئة متلألئة، وذلك قادم بعون الله تعالى.

الرابط المختصر :