; التبشير والاستشراق | مجلة المجتمع

العنوان التبشير والاستشراق

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1976

مشاهدات 73

نشر في العدد 315

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 31-أغسطس-1976

التبشير والاستشراق هما رأس الحربة التي تطعن الإسلام.

المبشرون هم طلائع الحرب الصليبية الحديثة.

هذا البحث متداخل الجوانب كثير التفاصيل، ولا بد من أجل توضيحه واستيعابه من وضعه على شكل نقاط كما يلي:

 النقطة الأولى: دوافع الغزو الثقافي بِاسم التبشير أو الاستشراق: 

تظهر هذه النقطة في أمرين: أحدهما اتباع أسلوب جديد في القضاء على الإسلام وسلطانه من الوجود، بعد أن فشلوا في الحروب الصليبية العسكرية، فقد قررت أوربا جعل التبشير ومعه الاستشراق كطريق جديد بدلًا من الحروب، بعد أن سقط آخر معقل للصليبيين في بلاد الشام سنة ١٢٩١م، واستمر ذلك كأسلوب وحيد، حتى صاحبته حملات الكشوف البحرية التي ظهرت في القرن الخامس عشر، والتي بدأتها البرتغال لا في سبيل التبشير وحماية المبشّرين فقط، وإنما من أجل الوقوف في وجه المدّ الإسلامي الجديد، وبأسلوب التدخل المكشوف، وإن كان في بدايته، عائدة بذلك إلى الحروب الصليبية السابقة، فيقول أرنست باركر- فلما اتصلت الإرساليات بالحروب الصليبية اتسمت غايتها، حتى تعدت الحدود التي كانت قد رسمت لها، وظهر أمثال ريموند ليل الذي كان ينادي بوجوب استبدال الحملة الصليبية ببعثة تبشيرية، وأن يقوم التبشير السلمي مقام الحملة الحربية، وبهذا أصبح تحويل آسية إلى المسيحية غرضًا قائمًا بذاته- ويقول أدوين بلس في كتابه- ملخص تاريخ التبشير أن ريمون رول الإسباني هو أول من تولى التبشير بعد أن فشلت الحروب الصليبية في مهمتها، ويقول باركر: وهكذا نرى أن ذلك المشروع الذي كان يرمي إلي تحويل المغول إلي المسيحية دفعة واحدة، فيوحد آسية المسيحية وأوروبا المسيحية، حتى يطبق على الإسلام، فلا يصبح إلا عقيدة كليلة الانتشار لا وجود لها إلا في جزء من أسبانيا وركن من بحر الروم، قد تضاءل واختفى - وذلك بعد أن هم الإسلام وسط آسيا في منتصف القرن الرابع عشر، وبعد أن أقفلت أبواب الصين في وجه الأجانب سنة  1370 وبهذه الهزيمة لحركة التبشير كان لا بد من توجيه ضربة سريعة إلى العالم الإسلامي، قبل أن يستفحل خطره، - فکان هذا الأمل الجديد- كما يقول باركر- لإشعال ثورة من أعنف ثورات التاريخ، بأن تسلك المسيحية طريق البحر بعد أن أقفل الطريق الأرضي، فتبحر إلى الشرق وتهاجم الإسلام وتستولي على القسطنطينية من الخلف - ويقول تلك كانت فكرة كبار الملّاحين الذين كانوا يحملون الصليب فوق صدورهم، وبهذا يكشف لنا هذا المؤرخ القصد من الاكتشاف في البحرية الذي طالما درس لنا ولأبنائنا على أنه لمجرد الوصول إلى العالم الجديد والتوسيع التجارة، ويقول هذا المؤرخ نفسه، ولذا كان قد قدر لكولومبس أن يجد الجزائر الكاريبية في طريقه بدلًا من كاثاي، فإننا نستطيع أنْ نقول بحق إنّ الأسبان الذين عاونوه قد كسبوا قارة جديدة للمسيحية، وأن الغرب استطاع أن يعيد رجحان الميزان لصالحه بسبيل لم تكن تخطر له على بال- ونترك المؤرخ باركر، ونقول: إنَّ أسبانيا والبرتغال، بعد انتصارهما على المسلمين في الأندلس، وسقوط غرناطة على أيديهم كآخر معقل من معاقل الإسلام سنة ١٤٩٢ قد زهاهم الانتصار، واندفعوا في محاولة تطويق العالم الإسلامي فخرج منهم كبار الملاحين، واستطاعت البرتغال المرور حول أفريقيا، حتى وصلت إلى سواحل الهند قبل انقضاء القرن الخامس عشر، وفي أثناء الاكتشافات دخل المبشرون الكاثوليك ربوع إفريقيا منذ أواخر القرن الخامس عشر، كما يشرح أدوين بلس في كتابه المذكور - ملخص تاريخ التبشير - ويقول زويمر: على أن أبواب التبشير صارت مفتوحة الآن في ممالك الإسلام الواقعة تحت سلطة النصرانية مثل الهند والصين الجنوبية الشرقية ومصر وتونس والجزائر، وقد اقترح المبشر وطسون أن تتعاون الحكومات الغربية في سبيل منع انتشار الإسلام بين القبائل الوثنية في إفريقيا، حتى تكون مهمة المبشر أهون لفقدان المنافسة، واعتبر زويمر احتلال فرنسة لمقاطعة واداي في إفريقية سنة ۱۹۱۰- أهم حادث سياسي في هذا  العصر؛ لأن هذه الحادثة كما يقول ستقلل من نفوذ المشايخ السنوسية، بحيث لا يستطيعون الوقوف في طريق التقدم الاستعماري والتجاري في بلاد الإسلام.

والأمر الثاني الذي يكشف دوافع الغزو الثقافي الاستعماري بشكله الجديد، بالإضافة إلى الروح الصليبية هو الاستعمار نفسه، بعد أن أصبح رسالة الرجل الأوربي، وطريقة سيطرته على العالم وإن ذلك هو السبيل الوحيد ليجعلوا الشعوب المستعمرة تتدرج في سبيل الحضارة، كما يزعم وليم بالكراف الذي كان يقول: إنه متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب أمكن معها للعربي أن يتدرج في تلك السبيل، ويظهر الاستعمار جليا في التنافس بين الدول الأوربية الذي ظهر واضحًا بعد وقت قصير من تحرك البرتغاليين، فبعد أن أنشأ هؤلاء مستعمراتهم على ساحل إفريقية الشرقي، وأنهوا السيطرة الإسلامية عليها وعلى المحيط الهندي ما بين عامي 1502 و1509، فقد استدارت سفينة فرنسية حول رأس الرجاء الصالح سنة ١٥٢٩، ودخلت الميدان أول سفن الإنجليز سنه ١٥٨٠م ،حين بدأت البرتغال تفقد مستعمراتها بفعل ابتلاعها من قبل أسبانيا، ودخلت هولندا في الميدان سنة ١٥٩٥ ،والفرنسيون في صراع مستمر من أجل السيادة قرنًا من الزمن، وأخذ الإنجليز والفرنسيون يدعون وراثة أملاك البرتغاليين، ويقتلعون الهولنديين في سبيل ذلك حتى انفردوا به، فدخلت فرنسا بعدها في صراع مع بريطانيا التي أخذت تمد رقعة استعمارها في أفريقية من الجنوب إلى الشمال بينما أخذت فرنسا تمد رقعتها من الغرب إلى الشرق. وفي سنة ۱۸۸۸ عقدت بريطانيا وفرنسا مؤتمرًا لتحديد مناطق نفوذها في أفريقية وغيرها، وإن كان قصد به إفريقية خاصة.

النقطة الثانية: مظاهر نشاط الغزوة الصليبية الاستعمارية للعالم الإسلامي، لقد اتخذت هذه الغزوة عدة مظاهر هي:

المظهر الأول: التعليم، وقد ظهر ذلك جلياً في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ومما قاله كِتاب- المستشرقون والمبشرون في العالم العربي والإسلامي - لمؤلفه إبراهيم خليل أحمد الذي أسلم بعد أن كان أحد أعمدتهم في مصر- قال: عن المحفل العام الذي يدير الكنائس في كافة أنحاء العالم بأن مختلف نشاطات الكنائس توجه - إلى مقتضى مراعاة تمكين النفوذ الاستعماري في البلاد الأسيوية والإفريقية تمكينًا سياسياً واقتصاديًّا، بجعل تلك الشعوب تؤمن إيمانًا راسخًا ألَّا حياة لها ولا وجود لها إلا بمساندة الدول الاستعمارية، إنجلترا وأمريكا وإن حلقة الاتصال بين السياسة الاستعمارية الأمريكية والإنجليزية وبين المحفل العام الأمريكي والمحفل العام الإنجليزي فهي تنسيق العمل التبشيري والتعليمي بما يتفق والنفوذ الاستعماري - ويقول: ولقد كان المبشرون يعملون بطرق مختلفة كالتعليم مثلا على تهيئة شخصيات شرقية لا تقاوم التسلط الأجنبي-.

 هذا وقد اشتغل وما زال نفر من المبشرين بالآداب العربية والعلوم الإسلامية، واستخدموا أسلوب المقارنة الخبيث بينها وبين مثيلاتها الأجنبية ليخرجوا دائما بتفضيل الغربية على الإسلامية، ومن أشهر المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي هي: الجامعة اليسوعية في بيروت والجامعة الأمريكية في بيروت والجامعة الأمريكية في القاهرة والجامعة الأمريكية في إستنبول، والكلية الفرنسية في لاهور، وقد أبانت هذه الجامعات أغراضها السافرة كما جاء في منشور الجامعة الأمريكية ببيروت الذي صدر سنة ۱۹۰۹ ،إذ قال: إن هذه كلية مسيحية، أسست بأموال شعب مسيحي، فعلوا ذلك ليوجدوا تعليما يكون الإنجيل من مواده، تعرض منافعه الحقيقية المسيحية على كل تلميذ، وكل طالب يدخل مؤسستنا يجب أن يعرف سلفًا ماذا يطلب منه. 

هذا وقد اعتمدت أعمال التبشير في هذا الميدان على أربعة كتب هي -ميزان الحق - للدكتور فانور المستشرق الأمريكي وزميله الدكتور منكلير، وكتاب الهداية - في أربعة أجزاء كلها طعن في الإسلام، وتهجُّم سافر على القرآن، وكتاب - مقالة في الإسلام - للدكتور المستشرق سال - وكتاب مصادر الإسلام- للدكتور سنكلير.

ويقول حسيب، من كبار المبشرين عن مدرسة البنات في بيروت: إن مدرسة البنات في بيروت هي بؤبؤ عيني، لقد شعرت دائما أن مستقبل سورية إنما هو بتعليم بناتها ونسائها.

وتقول المبشرة آنا ميلغيان- في صفوف كلية البنات في القاهرة بنات أبناؤهن باشوات وبكوات، وليس ثمة مكان أخر يمكن أن يجتمع فيه مثل هذا العدد من البنات المسلمات تحت النفوذ المسيحي، وليس ثمة طريق إلى حصن الإسلام أقصر مسافة من هذه المدرسة.

- ومن أجل ذلك طلب المبشرون الأمريكيون منذ سنة ۱۸۷۰ مبلغ ٣٠ ألف دولار لمدرسة دينية للبنات في بيروت، وعللوا طلبهم هذا بقيمة المرأة في الحياة البيتية وأن تلك المدرسة ستساعد على تنصير سورية في المستقبل.

هذا وقد بلغ عدد المعاهد التعليمية في مطلع هذا القرن للكنيسة دون الجامعة ١٦,٦٧١ معهدًا، والجامعات والكليات والمعاهد العليا ٥٠٠، والمدارس اللاهوتية لتخريج الرهبان والقسس والمبشرين ٤٨٩.

 والرياض بإدارة المبشرين 1,113، وتجاوز عدد أبناء المسلمين تحت إشرافهم الخمسة ملايين. 

ونعود لأساطين المبشرين فنجد بنروز، رئيس الجامعة الأمريكية ببيروت السابق يقول: إن المبشرين يمكن أن يكونوا قد خابوا في هدفهم المباشر، وهو تنصير المسلمين جماعات جماعات، إلا أنهم قد أحدثوا بينهم آثار النهضة - ولقد برهن التعليم على أنه أثمن الوسائل التي استطاع المبشرون أن يلجؤوا إليها في سعيهم لتنصير سورية ولبنان- أما المبشر حسيب فيقول - إن المدارس شرط أساسي لنجاح التبشير ويقول المبشر المشهور جون موط: وهكذا نجد أن وجود التعليم في يد المسيحيين لا يزال وسيلة من أحسن الوسائل للوصول إلى المسلمين، وقال اليسوعيون: إن المبشر الأول هو المدرسة - ومما ورد على لسان مؤسسي الجامعة الأمريكية في بيروت في اجتماعهم الأول سنة ١٨٦٣ نحن نصر على الطابع التبشيري للكلية، وعلى أن يكون كل أستاذ فيها مبشرًا مسيحيًّا، ولتحقيق هذه الجامعة لفرضها قال دانيال بلس، رئيسي الأول: إن السنوات الأولى التي شهدت تطور الكلية قضت أن تسير الكلية في مجراها بهدوء قدر الإمكان فلا تلفت إليها نظر رجال الحكم،  قبل أن تثبت جذورها في الأرض، وقد نشر الكاتب لدفيك برنهارد سنة 1905 مقالًا بعنوان- أميركا في الشرق- بين فيه أن الجامعة الأمريكية ليست إلا محاولة مدروسة لتمهيد الطريق أمام المصالح الأمريكية وأنشأ اليسوعيون مدرسة عينطورة في جبل لبنان سنة ١٧٣٤ ليتخلوا عنها للرهبان اللعازاريين وقال اليسوعيون- كان المبشرون اليسوعيون في أول أمرهم أي قبل الانتداب الفرنسي على سورية ينشئون المدارس في جبل الدروز، ثم يغلقونها إذا قصرت مواردهم الاقتصادية عن إدارتها، ولكن التعليم التبشيري اليوم أي مع الانتداب وخصوصًا في جبل الدروز يقوم على تعاون وثيق بين المبشرين وبين السلطات العامة، ويقول رشتر - بأن دول أوربا خابت في الحروب الصليبية عن طريق السيف، فأرادت أن تثير على المسلمين حربًا صليبية جديدة عن طريق التبشر، فاستخدمت لذلك الكنائس والمدارس والمستشفيات، وفرقت المبشرين في العالم.

 والمظهر الثاني من مظاهر الغزو الصليبي الاستعماري للعالم هو التطبيب، وهذا واضح في انتشار المستشفيات والعيادات المجانية في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وما المستشفى الأمريكي الذي كان في الكويت يباشر التبشير صراحة إلا مثال على ذلك.

 والمظهر الثالث هو تشكيل الجمعيات، كجمعية الشبان وجمعية الشابات المسيحيين، للوصول إلى المسلمين رجالًا ونساءً في إطار أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية، والسعي للتأثير عليها مع إخفاء الغرض التبشيري من وراء ذلك، وهذا ما يشير إليه المبشر رايد.

والمظهر الرابع هو الألعاب الرياضية، فقد ذكر ويلسون کاشن أن في القدس مدرستين عاليتين تديرهما ثلاث إرساليات مختلفة إدارة مشتركة، وإن اليهود والمسلمين والنصارى يلعبون في ملاعبها كرة القدم ويتعاونون معًا مما يساعد على أن يحقق لهم نظرة جديدة على مشاكلهم الحاضرة - ومن المشهور عن جمعية الشبان المسيحية في القدس أنها تقوم بحفلات رياضية لهذا الغرض، ومن الأعمال الرياضية التي كانوا يلجؤون إليها إنشاء النوادي، والأعمال الكشفية والمخيمات التي كانوا يلتقون فيها مع الشبان المسلمين ليفسدوهم في أجوائهم الماجنة.

للبحث صلة

الرابط المختصر :