; التجارة بآلام المرضى وتعامل السلطة مع العالقين حسب انتماءاتهم السياسية.. جريمة إنسانية | مجلة المجتمع

العنوان التجارة بآلام المرضى وتعامل السلطة مع العالقين حسب انتماءاتهم السياسية.. جريمة إنسانية

الكاتب صباح محمد

تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2007

مشاهدات 66

نشر في العدد 1763

نشر في الصفحة 16

السبت 04-أغسطس-2007

«المجتمع » عايشت مأساتهم على معبر رفح

كيف لا أبكي وأنت تموت بأرض فلاة وليس معنا ثوب يسعك كفنا.... قالتها زوج الصحابي أبو ذر الغفاري وينشدها الفلسطينيون رثاء للعالقين برفح

كيف لا أبكي وأنت تموت بأرض فلاة وليس معنا ثوب يسعك كفنا... كلمات قالتها زوجة الصحابي أبو ذر الغفاري، حين وفاته، ورددها ذوو ٣٠ عائلة فلسطينية ماتت في معبر رفح على الحدود المصرية الفلسطينية، وما زال نحو ثمانية آلاف فلسطيني عالقين على الحدود، ينتظرون المصير نفسه.

معظم العالقين من الأطفال والنساء والشيوخ الذين يعاني الكثير منهم العديد من الأمراض المزمنة، حيث يعيشون حياة بالغة الصعوبة بعد نفاد الأموال التي بحوزتهم. جراء تواصل إغلاق المعبر... عايشت المجتمع مأساتهم، وتنقل بعضًا منها في هذه السطور.

دموع أم

رصدت «المجتمع» آخر اتصال أجرته سناء شنن إحدى العالقات قبل وفاتها بثوان قالت لزوجها: «أمانة عليك تهد السور وتعبرني أشوف أولادي قبل ما أموت مش قادرة أتحمل ألا أراهم». هذه حالة من ١٢ ألفًا آخرين، لا يستطيع أقوى إنسان تحمل معاناتها، فقد عانت من تليف بالرئة، وأجريت لها الفحوصات الطبية، وتم تحويلها إلى مصر لاستكمال الفحوصات لعدم وجود الأجهزة الطبية اللازمة لحالتها، ومكثت سناء في مستشفى ناصر المصري بمدينة العريش عدة أيام، تمكنت من شراء الأدوية اللازمة بكميات كبيرة، إلا أنها اصطدمت بإغلاق معبر رفح، وتدهورت حالتها على المعبر حيث إن المرضى في مثل حالتها يجب ألا يتعرضوا للضغط النفسي ولا درجات الحرارة العالية...

وعن معاناة سناء قال زوجها سليم شلحة ل المجتمع - وهو يحتضن أبناءه الثلاثة جمال (٤) سنوات ونصف، ومحمد (۳) سنوات وعمر (6) أشهر: «فقد الإنسان شيء مؤلم جدًا، لكن هذا الألم لا يمكن وصفه إذا فُقد الغريب المريض بعيدًا عن أهله، لقد كانت زوجتي تموت كل لحظة من ألم البقاء على معبر رفح من قسوة الظروف، لقد خرجت من مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة عبر معبر رفح الحدودي إلى مستشفيات مصر لتتلقى علاجًا لمرض عضال ألم بجسدها، لكنها لم تعد أبدًا، والسبب يعانيه ما يزيد على 5 آلاف مواطن فلسطيني بينهم 500 مريض بأمراض مزمنة، وهو إغلاق معبر رفح الحدودي المنفذ الوحيد لسكان القطاع على الدول المجاورة بعد سيطرة حماس على القطاع.

تغريد محمد عابد في الثلاثين من عمرها، لم يدر بخلدها هي الأخرى أن انقضاء الأجل سيكون في غربة، بعيدًا عن أبنائها الخمسة خرجت مودعة على أمل اللقاء بمزيد من العافية، وما إن عادت بعد إجراء الفحوصات اللازمة وتلقي العلاج، حتى أوصدت بوجهها أبواب المعبر، لكنها لم تيأس من فتحه، فقد اعتاد الأوروبيون، وفقًا الإملاءات صهيونية فتحه وإغلاقه مرات ومرات اتكأت على أحد جدران المعبر تلتحف السماء وتفترش الأرض بانتظار طوق النجاة الذي سيمكنها من الانتقال إلى أبنائها في القطاع، ومر الأسبوع تلو الآخر، إلا أنه لم يفتح ما زاد من معاناتها وأنهك جسدها الضعيف، ما يزيد على عشرين يومًا من الصبر على ألم الجسد وألم الفراق القسري عن أطفالها وأسرتها، انتهت بالشتات على أرض معبر رفح، لم يخترق جسدها الرصاص بل مزق أوصالها طول الانتظار وأنين المرض، إذ كانت بحاجة ماسة إلى رعاية صحية لكنها لم تتلقها.

ذووها في غزة أطلقوا صرخاتهم مدوية لمراكز حقوق الإنسان والرئيس محمود عباس أن يعملوا على إعادة فتح معبر رفح، ليتمكنوا من إدخال جثمانها إلى القطاع ودفنها في مسقط رأسها، لكن الاستجداءات والنداءات والصرخات ارتدت أصداؤها إلى آذانهم خائبة حزينة، حيث لم يفتح المعبر.

وأثار استمرار سقوط عشرات الوفيات بين نحو ٥٠٠ مريض عالقين على معبر رفح غضب وقلق الأهالي بغزة، مطالبين العالم النظر بعين الرحمة للفلسطينيين.

خروج اضطراري وتعلق صعب

لا يكاد يوجد بين هذه الآلاف من العالقين شخص واحد إلا وخرج من قطاع غزة لسبب قهري، إما لتلقي العلاج أو الدراسة أو قضاء أمر ملح...

ماجدة روت لـ المجتمع على المعبر - العواقب الوخيمة التي ترتبت على تأخرها حيث انتهت الإجازة التي خرجت بها عشرات الأيام، بابنتها يمنى التي لم تتمكن من أداء امتحاناتها النهائية في الفصل الدراسي الثاني في تخصص الخدمة الاجتماعية التي تدرسها في جامعة القدس بغزة.

فقد خرجت «ماجدة» لإجراء جراحة في عينيها وقد نجحت الجراحة، إلا أن بكاءها على أحوال الفلسطينيين العالقين على معبر رفح أضاع هذا النجاح، وتدهورت حالة عينيها أكثر مما كانت عليه قبل إجراء الجراحة.

جانب آخر من المأساة ينقله محمد: لقد باع المرضى دواءهم، وباعت العائلات حليها وهواتفها إلى سكان مدينة العريش؛ حتى تتمكن من شراء الطعام، وبعد أن فرغت أثمان أمتعتهم، بدأوا بالعمل بأجور زهيدة وكذلك تركوا الفنادق والشاليهات التي كانوا يقطنونها، وانتقلوا للمبيت في الشوارع والحدائق.

رحلة المغتربين الصيفية

وفي سياق المأساة، وجد المغتربون الفلسطينيون - الذين ظلوا يحلمون لسنوات بانسحاب الاحتلال الصهيوني، لزيارة ذويهم خلال الإجازة الصيفية - أنفسهم ممنوعين من تحقيق حلمهم، لكنهم آثروا أن يذوقوا المعاناة وألا يعودوا من حيث أتوا الزيارة أهلهم.

من بين هؤلاء العالقين سوسن رمضان الفلسطينية التي قدمت مع أسرتها من

السعودية لحضور حفل زفاف شقيقتها، لكن هدفها لم يتحقق. فقد حال إغلاق المعبر دون أن تكون في غزة وقت العرس، ومع مرور موعد الزفاف أصرت سوسن على البقاء عالقة على معبر رفح بانتظار دخول غزة للمشاركة في فرحة شقيقتها.

وأبدت «سوسن» لـه المجتمع، استنكارها صمت المسؤولين الفلسطينيين في السلطة التي بيدها أمر المعبر، قائلة: أين المسؤولون الفلسطينيون؟ لماذا لا يتحركون لحل أزمتنا؟ نحن هنا في وضع خطير جدًّا، أبناؤنا سيموتون من سوء الوضع.

وكذا استنكر مدير عام الإسعاف والطوارئ الفلسطيني بوزارة الصحة الفلسطينية د. معاوية حسنين الصمت الدولي إزاء مأساة ١٢ ألف فلسطيني عالق على المعبر بينهم ٥٠٠ مريض بأمراض مزمنة، تساقط منهم ثلاثون شهيدًا...

جهود سياسية وقد وقعت السلطة الفلسطينية مع الكيان الصهيوني اتفاقًا. يقضي بعبور ٦٣٠ عالقًا فقط عبر معبر العوجا، ثم المرور عبر معبر إيريز إلى قطاع غزة بشرط تسليم كشوف أسماء الـ ٦٣٠ إلى السلطات الصهيونية، والذين اختارتهم السلطة الفلسطينية من مؤيدي حركة فتح، رغم تدهور صحة الكثير من المرضى والسيدات الذين أصرت السلطة على إبقائهم عالقين، لأنهم من مؤيدي حماس وقد بدأ بالفعل عبور ۱۰۲ من العالقين يوم الإثنين الماضي.

ونقلت صحيفة «هارتس» مؤخرًا أن الرئيس محمود عباس يرغب في الإبقاء على إغلاق معبر رفح بين مصر وقطاع غزة، ونسبت «هارتس» القول لمصدر مقرب من الرئيس عباس إنه طالب مصر وإسرائيل بمنع حركة انتقال المواطنين عبر معبر رفح بعد سيطرة حماس عليه في منتصف يونيو، خشية أن تجلب آلاف الناشطين لدعمها وتقوية وضعها العسكري.

إشراف دولي

أشارت صحيفة «مليت» التركية – الطبعة الإنجليزية - إلى أن هناك أربع دول هي هولندا والترويج وإيطاليا وتركيا قد بدأت مباحثات مع الجانب الإسرائيلي من جهة ومع قيادات من حركة حماس من جهة أخرى لفتح معبري «رفح»، و«كارني» (المنطار) لإنهاء مشكلة العالقين الفلسطينيين، بحسب الصحيفة - رفض الجانب المصري الاقتراح واعتبره مساسًا بحدوده، يأتي ذلك بعد أن وافقت ١٥ دولة في الاتحاد الأوروبي مؤخرًا على نشر قوات دولية في قطاع غزة، ما اعتبرته مصر نقطة تحول خطيرة في العلاقات المصرية الأوروبية، متهمة الاتحاد الأوروبي بأنه يريد خلق توتر جديد بالمنطقة وإشعال فتيل أزمة في العلاقات المصرية الإسرائيلية.

واعتبرت حركة حماس قضية المعبر استغلالًا سياسيًّا، هدفه التحريض على الحكومة الشرعية في قطاع غزة لابتزازها من أجل مصالح سياسية رخيصة، وطالبت حماس - في بيان لها – بتحويل معبر رفح إلى معبر فلسطيني مصري فقط، رافضة تحكم المراقبين الأوروبيين في حركة المواطنين، ونددت حماس بمطالبة البعض اعتماد معبر «كرم أبو سالم» لتنقل المواطنين وبضائعهم باعتباره معبرًا احتلاليًّا، وكذا ابتزاز العالقين وتصنيفهم على أساس سياسي من قبل حكومة فياض، كما دعت حماس جميع الأطراف العربية للتدخل ووقف هذه الجريمة، التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني.

الرابط المختصر :