العنوان التجربة البرلمانية لـ: «الإخوان المسلمون» في سورية
الكاتب منير الغضبان
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1995
مشاهدات 63
نشر في العدد 1179
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 12-ديسمبر-1995
سقط سهوًا في ملف التجربة البرلمانية للحركات الإسلامية في العالم الإسلامي الذي نشر في العدد "۱۱۷6"، من "المجتمع" الحديث عن التجربة البرلمانية للحركة الإسلامية في سورية، وقد وافانا الاستاذ منير الغضيان بتغطية لهذه التجربة تعتبرها استكمالاً للملف.
بعد تأسيس الحركة الإسلامية التي أعلنت في مؤتمر عام ١٩٤٤م في حلب وحيث أعلنت أهدافها في مؤتمرها السادس في بيروت عام ١٩٤٦م قرر الإخوان المسلمون في سورية دخول أول مجلس نيابي بعد الاستقلال بشخص المراقب العام الدكتور مصطفى السباعي (فخاض الانتخابات النيابية عام ١٩٤٧م عن مدينة دمشق، وفاز فيها، وخاض الانتخابات عام ١٩٤٩م التي انبثق عنها الجمعية التأسيسية وجاهد في سبيل إقرار الشريعة الإسلامية مصدرًا وحيدا للتشريع، ونجح في إقرار المواد الإسلامية في الدستور السوري) (۱). واختارت دمشق الدكتور مصطفى السباعي نائبا في الجمعية التأسيسية عام ١٩٤٩م، وهو ابن حمص، وانتخب نائبًا لرئيس المجلس وأصبح عضوًا بارزاً في لجنة الدستور، وأحد الأعضاء التسعة الذين وضعوًا مسودة الدستور وتمكن السباعي وإخوانه من استبعاد الطابع العلماني عنه، وفرض الطابع الإسلامي على معظم أحكامه الأساسية، ومن أهمها أن الإسلام دين الدولة الرسمي، كما طالب في المجلس النيابي بتدريس القضية الفلسطينية كمادة أساسية في مناهج التعليم، وقد أقر هذا الاقتراح ونفذ بالفعل (۲). وفي عام ١٩٥١م القى كلمة في جلسة مجلس النواب المنعقدة بتاريخ 3\8\1951م. بمناسبة حوادث الحدود مع إسرائيل قال فيها: فيما أننا شعب مصمم على أن يموت أو ينال حقه بيده، فهو قد كفر بكل عدالة تأتيه من الخارج، لقد كفر بكل عدالة تأتي من أولئك الذين يتوسدون أرائك مجلس الأمن، وهيئة الأمم، والذين لا يستوحون ضمائرهم، وإنما يستوحون أنانياتهم، وقاومت الحركة الإسلامية برامج الوحدة مع الأقطار العربية الخاضعة للنفوذ الأجنبي (۳).
بعد الانقلابات العسكرية
بعد انتهاء عهد الانقلابات العسكرية وعودة الديمقراطية عام ١٩٥٤ م لم يدخل الإخوان المسلمون الانتخابات النيابية لظروف المحنة مع إخوان مصر وفي الانتخابات التكميلية عام ١٩٥٦م خاص الدكتور السباعي المعركة النيابية عن مدينة دمشق، وانقسمت الأمة إلى معسكرين المعسكر الإسلامي وعلى رأسه جبهة العلماء والإخوان المسلمون، والقوى الوطنية المحافظة. والمعسكر العلماني وعلى رأسه البعثيون والشيوعيون والقوى الوطنية العلمانية، وقد أبدت رياض المالكي، وكان لنجاح المالكي الذي تدخل الجيش بنفوذه لصالحه دور في انحسار القوى الإسلامية عن الساحة الإسلامية في منتصف الخمسينيات.
عهد الوحدة
حلت الأحزابُ في عهد الوحدة بين سورية ومصر وقامت الانتخابات للاتحاد القومي على أساس شخصي، ونجح كثير من الشخصيات الإسلامية فيهم، ثم عادت الحزبية بعد الانفصال ودخلت الحركة الإسلامية الانتخابات ومن ورائها القوى الإسلامية المؤيدة وشاركت في عام ١٩٦١م في الانتخابات في ديسمبر كانون أول من العام نفسه، ولكن بزعامة عصام العطار هذه المرة، وحققت نجاحا باهرا في الانتخابات إذ دخل البرلمان عشرة من مرشحيها، وعشرة من القوى الإسلامية المؤيدة، وبرزت الكتلة الإسلامية في المجلس النيابي تمثل العنصر الأقوى على الساحة ومما لفت نظر المتتبعين لتطور الحركة تلك الشعبية الواسعة التي رافقت عودة الإخوان إلى المجتمع السياسي السوري بعد نجاح حركة الانفصال، وبدا نجم عصام العطار يصعد صعودا عظيما، فحقق ما حقق من انتصارات في الانتخابات، وكان ذلك بمثابة التراجع للهيمنة اليسارية في سورية. (٤) في ۲۸ مارس (اذار)عام ١٩٦٣ قام انقلاب عسكري الغي المجلس النيابي، وأقام حكومة برئاسة بشير العظمة، وكان الهدف من وراء هذا الانقلاب الحيلولة دون سيطرة الإسلاميين على الساحة في سورية، فأصدر العظمة قراراً بمنع الأحزاب على أساس ديني وكان هدفه الحيلولة دون وصول الإسلاميين إلى البرلمان والحكم فكان لشخصية الأستاذ العطار - المراقب العام ل الإخوان المسلمون في ذلك الوقت - والتي احتلت الساحة السياسية وخطبه النارية في مسجد الجامعة الدور الكبير في تقويض هذه الوزارة والمناداة بعودة الشرعية والمجلس النيابي من جديد إلى الساحة، ونجح في ذلك، وأصبح هو المحور الرئيسي في السياسة السورية مع أكرم الحوراني الذي يقود الكتلة الاشتراكية وخالد العظم الذي يقود التيار السياسي المناهض للوحدة، والمناهض للإسلام.
حكومة الائتلاف الوطني
وتشكلت وزارة ائتلاف وطني شارك فيها الإسلاميون بثلاث وزارات ثانوية حتى لا يتحملوا مسؤولية الحكم العلماني، كما شارك الاشتراكيون بثلاثة وزراء، وأصبح أقطاب القرار السياسي في سورية ثلاثة خالد العظم - رئيس الوزراء، وأكرم الحوراني. زعيم الكتلة الاشتراكية، وعصام العطار – زعيم الكتلة الإسلامية. ولم يعد بإمكان الوزارة السورية اتخاذ أي قرار لا يوافق الإسلاميون عليه.وقد استطاع وزراء التيار الإسلامي على قصر مدتهم، وشدة الفوضى والاضطرابات في البلاد أن يمرروا العديد من القوانين الإسلامية أثناء وجودهم في الحكم، وقد منعوا استيراد الخمور والغوا انتخابات ملكات الجمال السخيفة التي انتشرت في سورية كملكة جمال العنب والقطن وغيرها، والتي كانت تتم في احتفالات خليعة ماجنة. لكن الأهم من هذا كله هو أن الحركة الإسلامية قادت القرار السياسي إلى العودة إلى انتخابات جديدة تمثل الأمة تمثيلاً حقيقيا. وتعيد الوحدة على أسس مدروسة بين سورية ومصر، وكانت جريدة اللواء التي رأس تحريرها الأستاذ سعيد العبار هي الناطق الرسمي باسم الإسلاميين في سورية. بالإضافة إلى مجلة حضارة الإسلام التي كان يرأس تحريرها الدكتور مصطفى السباعي رغم شدة المرض عليه. وكان في المجلس النيابي شخصيات من كبار الشخصيات الإسلامية مثل العلامة الجليل مصطفى الزرقاء، وعالم حلب الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وعالم حمص الشيخ محمد علي مشعل والأساتذة عصام العطار، وزهير الشاويش وعمر عودة الخطيب، وهؤلاء أعلم بالإنجازات الإسلامية التي تمت خلال الفترة القصيرة التي وصل الإسلاميون فيها إلى المجلس النيابي وشاركوا من خلاله بالحكم.
لا بُدَّ للحقِ من قوةٍ تحميه
ثُمَّ قامت ثورة الثامن من آذار في سورية واستلم الجيش مقاليد الحكم فيها، ولم يتح للحركة الإسلامية في سورية تقويما موضوعيا دقيقا لتجربتها البرلمانية، أو لم يصل إلى أيدينا ذلك. وكون هذه التجربة البرلمانية هي التجربة الرائدة الأولى في العالم الإسلامي، وكون بعض رجالاتها لا يزالون على قيد الحياة الآن يجعل من الواجب أن تدرس هذه التجربة دراسة كاملة وتوضع بين أيدي الحركات الإسلامية للاستفادة منها وتجاوز سلبياتها. ولعل أهم نتيجة وصلت إليها الحركة الإسلامية في سورية هي أن الحق الذي لا يرافقه قوة تحميه لا يستطيع البقاء فالديمقراطية التي لا توجد لها سلطة تحميها لن يكتب لها البقاء، ولن يتاح لها أن تقود الأمة إلى شاطئ السلامة، ولهذا كان شعار الإخوان المسلمون متمثلاً بهذه العناصر الثلاثة - الحق والقوة والحرية، كمبادئ ترضع من لبان الإسلام، وتتغذى من شجرته وتضمن تحقيق الأهداف التي من أجلها يكافح المسلمون: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ في الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (سورة الحج : 41)..
الهوامش
(1) الأحزاب السياسية والجمعيات في القطر السوري - ص
١٩٦ – ١٩٧.
(۲) الدكتور مصطفي السباعي قائد جيل ورائد أمة. بتصرف لحسني أدهم جرار
(۳) المصدر نفسه - ص ۱۱۸
(٤) الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي للحبيب الحنجاني.
كاتب وباحث إسلامي سوري. ([1])
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل