العنوان التحالف الدولي «لوأد» جيش التحرير في كوسوفا
الكاتب د.حمزة زوبع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1998
مشاهدات 55
نشر في العدد 1312
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 11-أغسطس-1998
- المطالبة بمراقبة حلف الناتو للحدود الألبانية- الصربية تستهدف قطع الإمداد عن جيش تحرير كوسوفا وليس لوقف التدهور بين صربيا وألبانيا.
على مدار أكثر من أسبوعين من العمل العسكري الوحشي المتواصل، والذي أدى إلى تهجير أكثر من 60 ألف ألباني داخل الإقليم، حملوا مع الجوع آلامهم وأحزانهم، أطفال رضع.. وشيوخ وعجائز، تركوا بيوتًا تحترق، وزراعات باتت كالهشيم، وحيوانات أطلق عليها النار لا يستخدمها المهاجرون.. وشوارع أشبه بالمقابر من طول صمتها، ومآذن قد طار في الهواء نصفها وظل النصف الآخر يشتكي إلى الله ظلم الصرب، وتهاون المسلمين.
كلنا شاهدناهم وهم يحكون قصة اللجوء إلى القرى الآمنة عبر اختراق الجبال والوديان والسهول، وإلا أسرهم الصرب بتهمة أنهم من أعضاء جيش تحرير كوسوفا، وكعادتها كانت المجتمع هي أول من لفت الانتباه إلى الحصار المحكم حول جيش تحرير كوسوفا في مقالها الثابت «باختصار» لكن الهجوم الأخير كشف عن عمق المؤامرة من ناحية الغرب، وعن عمق المأساة من جانب المسلمين.
عقب الضجة الإعلامية الخبيثة التي نصبها الأمريكيون لجيش تحرير كوسوفا، ومحاولة إظهار تعاطفها معهم، وبعد أن أصر جيش تحرير كوسوفا على أن الاستقلال وحده هو الحل الوحيد لأزمة كوسوفا، أعلنت أمريكا الحرب الخفية على ألبان كوسوفا وحتى السياسيين منهم.
وبدأ الضغط الأمريكي يؤتي ثماره عندما أعلنت سويسرا أنها جمدت أرصدة لألبان كوسوفا، قد رصدها الألبان في المهجر لدعم إخوانهم في إقليم كوسوفا، ورغم عدم وجود دليل على أن هذه الأموال كانت تجمع لغرض شراء أسلحة لجيش تحرير كوسوفا، وكما صرح أحد المسؤولين في البنك السويسري الشهير UBS، والذي قال ليس لدينا دليل مادي على صحة ذلك، ورغم ذلك جمدت سويسرا الأرصدة بناءً على تعليمات أمريكية، بعد أن أعلن متحدث باسم الخارجية أن المهاجرين الألبان في أوروبا وأمريكا يدعمون جيش تحرير كوسوفا.. ثم صرح كلاوس كينكل لجريدة Berliner Zeitung الألمانية أنه سيلتقي بممثلين عن ألبان المهجر في ألمانيا، وسيطلب منهم وقف أي دعم يقدمونه للإقليم، وخصوصًا لجيش تحرير كوسوفا.. هكذا دون حياء.. ثم أعقبه تصريح لمتحدث باسم الخارجية الألمانية قال فيه: «سنكون واضحين وسنوضح لممثلي ألبان كوسوفا في المهجر أن ألمانيا لن تسمح لهم بتقديم الدعم المالي لجيش تحرير كوسوفا».. ثم أعقبه مدير الشؤون السياسية بوزارة الخارجية مهددًا بأن الجالية الألبانية الكوسوفية كبيرة، وهي تقدم دعمًا لتزكية الصراع في كوسوفا ولن نقبل أو نسمح بذلك.
والشيء الذي لا يعلمه الكثير أن ميلوسوفيتش ووزير خارجيته قد طالب وفد الترويكا أن يمارس ضغوطًا على ألبان المهجر حتى يوقفوا دعم جيش تحرير كوسوفا كشرط لقبول زيارة الوفد الأوروبي.
فعلى مدار الأسبوعين الماضيين قامت القوات الصربية بشن أعنف هجوم على الإقليم، مستخدمة كل ما لديها من ترسانة أسلحة، ورثتها عن يوغسلافيا السابقة، وكانت محاور الهجوم هي الوسط والجنوب والجنوب الغربي..
ورمت الخطة إلى عزل مناطق الشمال عن بريشتينا وحصار المسلمين بين بريشتينا العاصمة ومدن الجنوب، وخصوصًا الجنوب الغربي المجاور لألبانيا، وحاولت السيطرة على الطرق الرئيسة الرابطة بين تلك القطاعات، ونجحت بعد محاولات عدة، وبعد استخدامها القصف بمدافع الهاون والطويلة المدى، والهجوم البري المكثف تحت غطاء من الطيران المنخفض الارتفاع، واستخدمت الحصار في دفع المواطنين المدنيين إلى الهجرة إلى خارج مناطق القتال تاركين وراءهم مقاتلي جيش تحرير كوسوفا ليواجهوا الصرب بكل ما يملكون من عتاد وقوة، وربما كانت العقبات الصربية والتحرشات بالوفد أثناء الزيارة وحرمان وفد الترويكا من زيارة مدينة «راهوفيتش» التي جرت بها المذابح مؤخرًا، ومدينة «كييفو» رغم أن زيارة الوفد كانت بهدف الاطلاع على الأوضاع هناك، ثم كانت شهادة الوفد أكبر دليل على حجم الجرم الصربي في الإقليم بعدما زار الوفد ماليشييف ووجد بيوتًا مهجورة وسيارات محترقة وشوارع خالية، إلا من رجال البوليس والشرطة الصرب وحيوانات نافقة ودخان ينبعث من كل البيوت «لقد شاهدنا الدماء والخراب والنيران مشتعلة في كل الأقاليم» فهل بعد ذلك من خزي؟
كلمة إدانة واحدة أو استنكار من أوروبا أو أمريكا لم نسمعها، وحتى البابا الذي اعتدنا على سماع إدانته «نيابة عن رجال الدين المسيحي في العالم» صمت هو الآخر.
هل كان لازمًا أن يكون هناك اغتصابًا وهتك للأعراض، وذبح على قارعة الطريق بشكل فردي أو جماعي حتى تتحرك مشاعر المسلمين، هل كان منتظرًا أن ترسل الـ CNN أشهر مراسليها إلى كوسوفا حتى يتحرك الجميع، أم أن خطة الصمت المطبق كانت معدة سلفًا؟
ليس بالضرورة أن يكون الدعم ماديًا، بل إن هناك من أشكال الدعم الكثير، مما قد لا يكلف الحكومات شيئًا سوى إبراز امتعاضها أو التعبير عن قلقها أو تتجرأ لتندد بقتل الأبرياء وتهجير المدنيين.. لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
أسلوب حرب العصابات:
لا تقوم المقاومة وحتى الآن.. على أسلوب حرب العصابات، بل كان جيش تحرير كوسوفا يرغب في تحرير بعض الأراضي معتمدًا على أن العالم لن يسمح لصربيا بمثل هذا الهجوم الكبير، خصوصًا في ذلك الوقت الذي طالب العالم صربيا بسحب قوات الشرطة والجيش كشرط لبدء المفاوضات ولرفع العقوبات عن صربيا وقبولها في المجتمع الدولي، وبدا منذ بداية الأزمة أن الصرب لديهم من المشكلات الداخلية ما يمنعهم من إرسال المزيد من القوات إلى صربيا، وخصوصًا الخلاف مع الجبل الأسود، كما عول الجيش كثيرًا- جيش تحرير كوسوفا- على الدعم الكبير من ألبان المهجر، وربما عول على أن يتبنى العالم الإسلامي المشروع الطموح لاستقلال الإقليم.
بناء على هذه المعطيات كثف جيش تحرير كوسوفا من عملياته، وتوسع في الهجوم بغية الصربي الأخير، والتي تؤكد أنهم يرحبون بالتفاوض ضمن شروط منها سحب الصرب لقواتهم من الإقليم، ووجود كفيل دولي مثل أمريكا، وقد كرر يعقوب المطالب نفسها يوم 31 /8/ 1998م، بعد أن أفادت الأنباء بقبول ميلوسوفيتش للتفاوض وإنهاء العمليات العسكرية في الإقليم «نرحب بالتفاوض بشرط الانسحاب الصربي من الإقليم، وعلى أساس الاستقلال، وعلى أن يكون لنا وفد خاص بعيدًا عن إبراهيم روجوبا»، وقال: في إطار تقييمه للعمليات الصربية الأخيرة وأهدافها: «ندرك أن الهدف الكبير هو إخراج جيش تحرير كوسوفا من المعادلة في الإقليم وهو ما لن يتحقق».
والأمر الآخر الذي تسعى إليه بلجراد، هو أن تقوم الأحزاب السياسية في كوسوفا بتشكيل تكتل أو حكومة تكون مقبولة لدى الصرب، وهذا ما فعله إبراهيم روجوبا مؤخرًا، عندما أعلن عن مفاوضات بين الأحزاب الألبانية المختلفة لتشكيل تكتل وطني أو حكومة ائتلافية تكون مؤهلة للتفاوض مع الصرب.
وقال مختتمًا تصريحه يوم 31 /7/ 1998م «نأسف كثيرًا لأوروبا ودعاة حقوق الإنسان ورافعي شعار الديمقراطية، ونقول لهؤلاء الذين ظنوا أنهم بالقوة سيحرمون شعبنا من تحقيق الاستقلال أن ذلك لن يكون أبدًا».
لماذا تخلى العالم عن دعم ألبان كوسوفا؟
حين نظر الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران من نافذة الطائرة في زيارته للبوسنة قال: «مساكين أهل البوسنة.. ولكن أعصابي لا تحتمل وجود دولة إسلامية في أوروبا».
ينطبق الوضع الحالي على كوسوفا، فبينما ظن البعض أن أمريكا قد تساند المسلمين، كشفت أمريكا عن رغبتها أولًا في أن تقود هي جيش تحرير كوسوفا، ثم لا تسمح له بتحقيق الاستقلال التام، وأن يظل المشروع الألباني في الإقليم هو الحكم الذاتي الموسع فقط لا غير، وليس الأمر متعلقًا بدولة دون أخرى، فقد استوت أسنان المشط الأوروبي في رفضها لفكرة استقلال الإقليم، حتى إن تركيا نفسها رفضت ومن قبلها ألبانيا بقيادة فانوس نانو رئيس الوزراء، وبعد أن كان البعض يطالب بضربة جوية للناتو ضد أهداف عسكرية ولوجستيكية صربية في الإقليم، عاد الكل ليطالب الحلف بعمليات مراقبة للحدود الألبانية الصربية حتى لا يسمح بمرور إمدادات ومساعدات لجيش تحرير كوسوفا عبر ألبانيا، وقد أعلن ذلك صراحة في تصريح صادر عن قيادة الحلف ذكر فيه أن هناك مطالبة من الأعضاء بذلك «وقد أشرنا إلى ذلك الهدف في عدد سابق للمجتمع» وقلنا: إن الهدف من تدخل الناتو ليس وقف أو تهديد الصرب، بل قطع شريان الحياة القادم من ألبانيا إلى جيش تحرير كوسوفا.
وهل يمكن لميلوسوفيتش أن يفرض شروطه على الألبان؟
قد يبدو ذلك سهلًا لكنه غير ذلك، فحتى إبراهيم روجوبا والتيار السياسي الداعي إلى الحل السلمي، لا يمكنه قبول الشروط الصربية، وهذا ما حدث بالفعل بعد أن أعلن وفد الترويكا عن تفاؤله بشأن عقد مفاوضات بين الجانبين بعد زيارة الوفد إلى بلجراد، فقد كرر إبراهيم روجوبا رفضه للحوار طبق الشروط الصربية، ولا يمكن لأوروبا أن تقنع أو ترغم الشعب الألباني على وأد الحلم وإن طال الزمان، واشتد الصراع، ولا يمكن حتى لإبراهيم روجوبا أن يكون تلك اليد التي تقتل أمل شعبه في الخلاص.
وربما تدفع كل هذه الضغوط القائمين على قيادة جيش تحرير كوسوفا إلى تغيير أسلوب عملياتهم، بل وتوسيع نطاق الصراع إلى مقدونيا، وهو ما حدث بالفعل، في حين أعلن جيش تحرير كوسوفا عن قيامه بعمليات تفجير في مدن مختلفة في مقدونيا، مما يدفع الأوروبيين في إعادة التفكير في ممارسة ضغوط حقيقية على صربيا، أو أن يتحول البلقان إلى برميل بارود جاهز للاشتعال.