; التحالف بين المنصرين والاستعمار الغربي | مجلة المجتمع

العنوان التحالف بين المنصرين والاستعمار الغربي

الكاتب د .أحمد عبدالحميد غراب

تاريخ النشر السبت 01-أغسطس-1987

مشاهدات 64

نشر في العدد 829

نشر في الصفحة 28

السبت 01-أغسطس-1987

يزعم المُنَصِّرون أن نجاح الحضارة العلمانية الغربية في غزو المسلمين يمثِّل عاملًا حاسمًا من «التقريب» بينهم وبين المسلمين.

ولذلك يشجع كراج -في محاضرته وفي مؤلفاته- الغزو العلماني التغريبي بين المسلمين، ويدعو إلى التعجيل بانتصار هذا الغزو، وذلك لأن تبنِّي الأنماط والنُّظُم العلمانية الغربية في التفكير والسلوك، وفي التربية والقانون، وفي السياسة والاقتصاد، ستؤدِّي حتمًا -بل قد أدت فعلًا في بعض المجتمعات الإسلامية- إلى خلق ظواهر وأساليب جديدة في حياة المسلمين، تقربهم من المسيحيين الغربيين من ناحية، وتبعدهم عن الإسلام من ناحية أخرى.

إذ إنها ستؤدي -بطبيعتها- إلى تفكُّك الأسرة المسلمة، وانهيار المفاهيم الإسلامية في الزواج ومكانة المرأة في المجتمع، وذلك بواسطة الدعوة إلى تحرير المرأة، وكذلك ستؤدِّي إلى انهيار المفاهيم والمؤسسات الإسلامية في التكافل الاجتماعي، وفي الزكاة والإنفاق بصُوَرِهِ المفروضة والتطوعية والمحرمة، وتحريم الربا والاحتكار والاكتناز والخمر والميسر؛ لأن هذه جميعًا -كما يراها كراج- مفاهيم رجعية، لا تلائم العصر، ولا تجاري الحضارة العلمانية الغربية، ولذلك يؤكد أن نجاح التنصير بين المسلمين يعتمد أساسًا على نجاح العلمانية الغربية في اقتحام حصون المسلمين وإحداث التفكك الاجتماعي والثقافي في المجتمع المسلم.

يقول كراج: «يجب علينا «أي المنصرين» أن نكون على استعداد للتعاطف عندما نسمع «العلمانيين المسلمين ينادون» بأن الإسلام يساوي الديمقراطية الحقة، والاشتراكية الكاملة، والرأسمالية النافعة، وأنه دين السلام الدائم» «أي لا دين الجهاد».

ويقرر كراج أنه يختلف مع كرومر في قوله: «إن الإسلام إذا أُصلح «أي غُيِّر وطُوِّر» فلن يعود إسلامًا»، ويعلن كراج رغبته في أن يرى الإسلام وقد تغيَّر وتطوَّر، ويؤكد أن هذا الإسلام «المتطور» هو الذي يريده المُنَصِّرُون، وأن من أهم واجباتهم أن يحققوا «تطويره» من خلال علاقاتهم وتعاملهم مع المسلمين.

ويدعو إلى «تطوير» موقف الإسلام من التماثيل والأيقونات بوجه خاص، ويرى أن تحريمها لا يلائم العصر الحاضر، ويدعو إلى إلغاء هذا التحريم.

والهدف الخبيث من وراء ذلك هو تسهيل دخول التماثيل والأيقونات والصلبان وغيرها من الرموز المسيحية الوثنية إلى بلاد المسلمين وإلى بيوتتهم وبخاصة تلك التي تُمَثِّل المسيح «المتجسد» وكل هذا ليألف المسلمون وأولادُهم هذه الرموز الوثنية، ويتعايشوا معها، تمهيدًا لقبولها، وقبول العقائد الوثنية التي ترمز إليها وتُمثِّلها.

وهذا يفسِّر لنا لماذا خصص مؤتمر المنصرين بأكسفورد جزءًا كبيرًا من وقته للدعوة إلى بناء الكنائس في البلاد الإسلامية بوجه عام، والبلاد العربية بوجه خاص، وتصدير الرموز المسيحية الوثنية إليها.

وقد خيب الله آمالهم، وأحبط أعمالهم، ووقفت المملكة العربية السعودية حاجزًا منيعًا دون تحقيق أهدافهم الخبيثة، ولا شك أن موقف المملكة هو الموقف الإسلامي الصحيح الذي يجب أن تتبناه جميع البلاد العربية والإسلامية.

في ردِّي على هذا الموقف التنصيري المتحالف مع العلمانية الغربية أشرت إلى سجل الجرائم التي ارتَكَبَتْها الحضارة العلمانية الغربية ضد الإنسان بوجه عام، وإلى جرائم الاستعمار الغربي ضد المسلمين بوجه خاص، ولا سيما القتل الجماعي للأبرياء واستنزاف ثروات المسلمين، وحكمهم بالبغي والعدوان.

ويترتب على هذا أن التحالف بين المُنَصِّرين والاستعمار الغربي -وهذا التحالف حقيقة موضوعية يؤكدها المؤرخون حتى من غير المسلمين- يحمل المنصرين المسئولية الأخلاقية عن كل الجرائم التي ارتكبها -وما زال يرتكبها- الاستعمار الغربي ضد المسلمين، وهذه الجرائم معروفة ومُسجَّلة في كتب التاريخ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

التعاون بين المنصرين والاستعمار الفرنسي في الجزائر الذي ذهب ضحيته أكثر من مليون شهيد.

والتعاون بين المنصرين والاستعمار البريطاني في نيجيريا، الذي أدَّى إلى قتل كل زعماء المسلمين في الشمال على أيدي الصليبيين الإيبو في الشرق.

والتعاون بين المُنَصِّرين والاستعمار البريطاني في جنوب السودان، الذي أدَّى إلى حرب ضد المسلمين، ما زالت مُسْتَعِرة حتى الآن.

والتعاون بين المُنَصِّرين والاستعمار الفرنسي والأمريكي في الشام «سوريا ولبنان» مما آثار حربًا لا نهاية لها يتحالف فيها الصليبيُّون واليهود على إبادة المسلمين.

والتعاون بين المُنَصِّرين والاستعمار الهولندي في إندونيسيا، وما زال هذا التعاون يشن أخبث حملة في آسيا لرِدَّة المسلمين عن دينهم، وتحويلهم من أغلبية ساحقة (%95) إلى أقلية لا وزن لها.

والأمثلة لا تكاد تحصى.

ومن المعروف أن المُنَصِّر كان يسبق جيش المستعمر ويمهِّد له الطريق في إفريقيا وآسيا ومنذ القرن التاسع عشر أصبح المستعمر يسبق المُنَصِّر ويمهِّد له الطريق، وبخاصة في بلاد المسلمين.

ومن المعروف أيضًا أن الحروب الاستعمارية ضد المسلمين إنما هي امتداد للحروب الصليبية، فالمستعمرون الغربيُّون لم ينسوا قط أنهم صليبيون جاءوا لغزو المسلمين، وهذا واضح من تصريح القائد البريطاني عند دخوله القدس منتصرًا سنة 1918 عندما قال: الآن انتهت الحروب الصليبية! ومن تصريح القائد الفرنسي «في دمشق» على قبر صلاح الدين: الآن عُدنا يا صلاح الدين!

ومن المعروف كذلك أن كل الحروب الأوروبية ضد الدولة العثمانية كانت حروبًا صليبية في أساسها، وقد رحب المُنَصِّرون بالاحتلال البريطاني لمصر سنة 1882 في قرار رسمي صدر في نفس السَّنَة عن مجمع الكنائس، واعتبر القرار أن احتلال مصر فرصة سانحة لرد المسلمين في مصر عن دينهم، والأمثلة هنا أيضًا لا تكاد تحصى.

ومن الواضح أن هذا هو الأسلوب الذي يفضله المُنَصِّرون «للتقريب» بين المسلمين والمسيحيين!

الزعم الثالث: أن الإسلام متأثر بالبيئة التي نشأ فيها «ومصلح لها» كما أنه متأثر بالتوراة والإنجيل، والهدف الواضح من وراء هذا الزعم هو إنكار أن القرآن وحي، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم نبي، وأن الإسلام رسالة عالميَّة للإنسانية كلها، ناسخة لما قبلها من الأديان.

ولا نحتاج إلى كلام كثير للرد على هذا الزعم الذي يردده جميع المُنَصِّرين والمستشرقين.

ويكفي لدحضه أن الإسلام لو كان دين عصره وبيئته فقط، لما صمد لعوامل الزمن أربعة عشر قرنًا، ولما اعتنقه الملايين من البشر من مختلف العصور والبيئات، ومن كل الأجناس والثقافات، ولما اعتنقه كثير من كِبَار المفكرين والعلماء الذين يعدون -بكل المقاييس- من أوسع الناس معرفة، وأرقاهم ثقافة، حتى في أوروبا نفسها معقل الصليبيين والمُنَصِّرين.

ويكفي لدحضه كذلك أن القرآن قد أتى بتشريعات صالحة لكل زمان ومكان، وبحقائق علمية لم يتوصل العلم البشري إلى بعضها إلا حديثًا، وأنه نزل على نبيٍ أمِّيّ لم يقرأ ولم يكتب، ولا شك أن القرآن قد أتى بالعقائد التي أتت بها كل رسالات التوحيد من قبله، ولكنه يختلف عن الكتب السابقة في أشياء منها:

أ- إنها أنزلت على رسل أرسلوا إلى أقوامهم خاصة، وأنزل القرآن على رسول الله إلى الناس كافة.

ب- إن القرآن قد حفظه الله من كل تحريف، بينما أعلن القرآن تحريف أهل الكتاب للتوراة والإنجيل، وكيف يُعقل بعد ذلك أن يأخذ القرآن من الكتب التي أعلن تحريفها، أو عن الأقوام الذين حرَّفوها؟!

وتحريف التوراة والإنجيل وخُلو القرآن من التحريف، حقيقة لا يؤكدها القرآن فحسب، بل يؤكدها كذلك كثير من العلماء والباحثين في الأديان حتى من غير المسلمين وقد أسلم بعضهم لاهتدائهم إلى هذه الحقيقة.

ونرجو أن يفيق المسلمون وحكوماتهم على الأخطار المُحْدِقَة بهم من التنصير والمُنَصِّرين، وأن يواجهوها مواجهة علميَّة وعمليَّة أي مواجهة متكاملة على مختلف الأصعدة الفكرية والسياسية والعالمية.

وما المؤتمر التنصيري في أكسفورد إلا حلقة واحدة في سلسلة المؤامرات الصليبية اليهودية على الإسلام والمسلمين، وبخاصة تحت ستار «التقارب بين الأديان» والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: 85) وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :