; التحديات التي تواجه الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان التحديات التي تواجه الإسلام

الكاتب محمد عبدالله الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يناير-1997

مشاهدات 79

نشر في العدد 1235

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 21-يناير-1997

 مقال

تحديات كثيرة تواجه بني الإسلام ودعوة الإسلام داخل المجتمعات المسلمة، وخارجها، ومن حول الدعاة بوسائلهم المحدودة، يدور الترويج للأباطيل بوسائل بالغة الأثر في مقاومة النمو الإسلامي وإثارة الأحقاد ضده، وكيل التهم المفتراة التي لا دليل عليها، ونرد في هذا المقال على بعض هذه التهم: 

الأولى: تقول بأن ظهور محمد صلى الله عليه وسلم كان فقط ثورة على أسياد مكة، ودفاعا عن مصالح الفقراء».

الثانية: تقول: «إن محمدا صلى الله عليه وسلم كان في قومه، وإنه مثل مرحلة تاريخية، في بيئة معينة ومهمته إقليمية..». 

الثالثة: القول بأن في الإسلام سلطة دينية، ورجال دين. 

الرابعة: القول بأن جماعة ما هي جماعة المسلمين.

وليس هناك زعم أبعد عن نظرة العقلاء وعن الحقائق العلمية والتاريخية من هذه المزاعم، فلم يقل أحد ممن يحترمون تفكيرهم ويحترمون عقول الآخرين أن الإسلام كان انتصارًا لوضع اقتصادي خاص أو المرحلة معينة، انتهى دورها وولي أمرها؟؟

إن الإسلام الذي نزل على سيد الخلق لم يكن أبدا تعبيرا عن حل مؤقت اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي أو غير ذلك، والذي يقول هذا لا يصدق برسول الله صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولاً؛ لأنه لا يؤمن بالله الذي أرسل محمدا نبيا ورسولا، وبالتالي لا يؤمن بعموم الرسالة وأنها خاتمة الرسالات، لم ينزل الله الإسلام لإنقاذ المستضعفين والمستعبدين، وتخليصهم من شرور الظالمين – فحسب – رغم أنه وضع أسس الاقتصاد العادل، وحرر البشرية من كل قيد وغل، وجعل في أموال الأغنياء حقا معلوما للفقراء، واحترم العمل والعمال وحارب الغش والاحتكار، وحارب اكتناز المال الحرام واكتسابه، لقد فعل ذلك كله، لكن ليس هذا هو الهدف النهائي الوحيد، وإنما جاء ذلك ضمن النظام المتكامل المتوازن الذي أعاد بناء الإنسان المؤمن المتحضر الراقي من جديد، والذي صاغ الإنسان صياغة ربانية جديدة في جميع جوانبه. 

إن اللبنة الأولى التي بناها الإسلام أن يكون الإنسان عميق الصلة بخالقه، فالعبودية لله كاملة والإيمان به إيمانا مطلقا، والتصديق برسله وأنبيائه وكتبه وبقضائه وقدره.

وأنت تلاحظ معي أيها القارئ الكريم ونتساءل معا: هل حل مشكلة اقتصادية في ظروف كظروف مكة يومها، كما يقولون يحتاج إلى هذه النظرة الشاملة إلى الوجود؟ وإلى إقامة أعمق البراهين والأدلة لإثبات الخالق جل وعلا ويحتاج إلى ثلاثة وعشرين عاما من الشدائد والبلاء والجهاد لا أعتقد أن أحدا من أصحاب هذه المزاعم يستطيع أن يقول بالإيجاب. 

فكيف تكون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذن، من خلال شمول مبادئ الإسلام للوجود كله، واعتبار الإنسان كائنا روحيا أخلاقيا ماديا تعبيرا عن وضع معين في مكة أو غير مكة.

جاء في "فقه السيرة" (للشيخ الغزالي – رحمه الله –) يقول: ولكن ما أبو لهب؟ وما قريش وما العرب؟ وما الدنيا كلها بإزاء رجل يحمل رسالة من الله الذي له ملك السموات والأرض، يريد أن يعيد بها الرشد لعالم فقد رشده، وأن يمحو بها الأوهام في حياة مرغتها الأوهام في الرغام، ما تجدي وقفة جهول؟ أو غضبة مغرور في منع هذه الرسالة الكبيرة من المضي إلى هدفها البعيد.

ثم يقول رحمه الله: «إن الدعوة التي بدأ بها محمد صلى الله عليه وسلم من بطن مكة لم تكن لبناء وطن صغير، بل كانت إنشاء جديدا الأجيال وأمم نظل تتوارث الحق، وتندفع به في رحاب الأرض إلى أن تنتهي من فوق ظهر الأرض قصة الحياة والأحياء».

وهناك جانب من الصورة، يبرز لنا أوضاع الداخلين إلى الإسلام يومئذ فقد كان من بينهم الأغنياء، بل كبار الأغنياء المستغلين والفقراء المستبعدون، فكيف انتظم هؤلاء في نظام واحد، هذا النظام يدعو إلى إبطال الاستغلال أيًّا كان ويرفض السلطة المطلقة لأي مخلوق؟ الإجابة أن جميع الداخلين في الإسلام كانوا على يقين أن وراء ذلك النظام شيئا يتصل بقلوبهم، يتصل بأعماق نفوسهم وأحاسيسهم، يتصل بمشاعرهم، يربط بينهم وبين خالقهم برباط قوي متين أقوى من المادة ومن الدنيا كلها، يعيد إليهم فقراء وأغنياء إنسانيتهم التي سحقتها الجاهليات وقضت عليها وحولتهم إلى وحوش وذئاب وحيات يفترس بعضهم بعضًا، هذا الأمر جعلهم يعلنون الدخول في دين الله ويرضون عن طيب خاطر أن يكونوا إخوانا مع أفقر الفقراء ويتنازلون عن مالهم في سبيل الله، بل ويموتون أكثرهم وهم فقراء لا يملكون شيئًا من حطام الدنيا.

إن الرسول صلى الله عليه وسلم عاش مأساة الاستغلال منذ صغره، وكان يرى العبيد وهم في هذا الضياع، ويرى السادة وهم يذلون هؤلاء العبيد، فإذا كان هذا دوره كما يزعم البعض، فلم لم يصدر منه أي استنكار لهذه الأوضاع في مكة ولم لم يدعو للقضاء على هذا الظلم في شبابه ولم تأخر ذلك عنده إلى أن بلغ الأربعين أمر آخر لماذا لم يقم قبل الأربعين بتحطيم الأوثان والأصنام من أول الأمر وهو يراها في كل مكان حول الكعبة؟ لماذا لم تظهر منه صلى الله عليه وسلم مقدمات قبل الأربعين تعبر عن موقفه من هذه الأوضاع؟

إن الإجابة عن كل هذه التساؤلات وغيرها ليدل على وجه القطع واليقين ان ما جاء به صلى الله عليه وسلم كان وحيًا إلهيا ومنهجا شاملًا لكل أفاق الحياة الإنسانية جاء ليخرج الناس جميعا من الظلمات إلى النور ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، وصدق الله العظيم؛ إذ يقول: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 27]. ويقول: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1] ويقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. 

إن ظروف العرب المحلية يومها لم تكن تكفي أبدًا لولادة قائد محلي فجأة وبدون مقدمات بحيث يوقظ أمته من نومها، وينفخ في جميع جوانبها روح الحياة. 

يقول الفيلسوف ويلز:

«ولو أن مؤرخًا جاء قبل الإسلام، فدرس أحوال العرب يومئذ، وما كانوا عليه من تأخر وفرقة وضياع، ثم قال إن هؤلاء سيتوحدون في أُمَّةٍ، ويحطمون أكبر إمبراطوريتين في مدة قياسية قصيرة، ويصلون إلى حدود الصين شرقًا، وتخوم فرنسا غربًا، لكان جديرًا أن يتهم بالجنون». 

إن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لم تنحصر أبدًا في نطاق محلي ضيق، وإنما كانت من أول يوم عالمية عامة شاملة تخاطب ساكن الكوخ وساكن ناطحات السحاب، تخاطب الإنسان في البر والبحر والجو، تخاطب ضمير الإنسان أينما كان، وتضع الأساس السليم لعقله، وفطرته ولحياته كلها على أساس النظام الإلهي الشامل.

نعم.. لم تكن الدعوة الإسلامية والداعي إليها صلى الله عليه وسلم يومًا من الأيام تهدف إلى زعامة أو بطولة لقوم ولا إلى رئاسة وتسلط ولا إلى ملك وسلطان، ولا إلى تجميع القبائل العربية ضد الفرس والروم، لم تكن لشيء من ذلك أبدا، ولقد عرضت قريش كل هذا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوقات الشدة والعذاب والضيق والعنت والآلام، فماذا كان جاء ف سيرة ابن هشام ﺟ1:

أرسلت قريش «عتبة بن ربيعة» فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا بن أخي إنك منا حيث قَدْ علمت من المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم فاسمع مني أعرض عليك أمورًا لعلك تقبل بعضها:

 إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد شرفًا سودناك علينا، فلا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رَدُّهَ عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ فلما انتهى من قوله، قال صلى الله عليه وسلم أفرغت يا أبا الوليد؟ قال نعم، قال اسمع مني وقرأ صلى الله عليه وسلم صدر سورة فصلت: ﴿حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُ ونَقُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إلى أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: 7]. 

لقد عاد عتبة إلى قريش يقترح عليها أن تترك محمدًا وشأنه.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ليضع البشرية على الطريق الصحيح يضع البشرية كلها، وليقول للناس، أنتم أصحاب رسالة، ولكم خالق يدعوكم إلى طاعته وعبادته، فلم يكن صلى الله عليه وسلم وحاشاه، ثائرًا اقتصاديًا، ولا بطلًا قوميا، ولا مصلحا اجتماعيًا بالمعنى المحدود بل كان رحمة للعالمين، ورسولًا للإنسانية، وكان منقذًا للمستضعفين والمظلومين، ومحررًا لهم في كل مكان وكان هذا جانبًا من رسالته العظمى الخاتمة لجميع الرسالات.

والإسلام ليس فيه سلطة مقدسة تملك رقاب الناس في الدنيا والآخرة، وتصدر قرارات الحرمان، وتتحكم في مشاعر الناس، وتحجر على أفكارهم كما أن الإسلام لا كهانة فيه ولا وساطة بين الخلق والخالق، وكل مسلم في أطراف الأرض أو فجاج البحر، أو حتى الصاروخ المنطلق إلى الأقمار والكواكب يستطيع بمفرده أن يتصل بربه بلا كاهن ولا قسيس ولا عالم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186] ...

ولقد أضاف الحق تبارك وتعالى العباد إليه في هذه الآية إضافة تشريف ورد مباشرة عليهم منه، وتولى ذلك الرد بذاته العلية، بمجرد السؤال «إني قريب» ولم يقل لرسوله صلى الله عليه وسلم فقل لهم إني قريب، كل ذلك يؤكد ما قلنا من نفي الوساطة بين الله وعباده.

ونؤكد أنه ليس في الإسلام على الإطلاق رجل دين بالمعنى المفهوم في الديانات التي لا تصح مزاولة الشعائر التعبدية فيها إلا بحضور رجل الدين إنما في الإسلام علماء بالدين يفسرونه ويبينونه للناس أحكامه وآدابه، وليس لهم أي حق خاص في رقاب المسلمين والجميع مصيرهم إلى الله: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 95]. 

فلا حق في الإسلام لعلماء الشريعة الإسلامية ولا لغيرهم على رقاب العباد، ولا على أموالهم وليست هناك سلطة روحية، وأخرى زمنية في الإسلام، والتفريق بين اصطلاح رجال الدين وعلماء الدين يجب أن يكون واضحًا ومعلومًا، ففي كثير من العهود يحاول أصحاب السلطان أن يقيموا في الإسلام هيئة دينية، تستخدم لأغراض تفسير وتأويل الكلم وتحريفه أحيانًا عن مواضعه والإفتاء أحيانًا بما يوافق هؤلاء، وهي هيئات لا يعرفها الإسلام أبدأ بهذا المفهوم.

 أما علماء الدين حملة الشريعة، فلقد حفظ لنا التاريخ الإسلامي نماذج منهم مشرفة، لم تأخذهم في الحق لومة لائم، لقد أدوا الواجب عليهم ووقفوا أمام السلاطين، وأصحاب المال وذكروهم بحق الله، وتحملوا في سبيل الله الكثير والكثير من العنت فقابلوه بالصبر الجميل. 

 وسيرة الإمام العز بن عبد السلام والإمام أحمد بن حنبل، والإمام ابن تيمية ليست منا ببعيد كما أن غيرهم على مدار تاريخ المسلمين لا حصر لهم همن ساروا على الدرب وعملوا لنصرة هذا الحق.

ومن ألوان الحروب الدائمة الرمي بالشبهات والقول بأن جماعة ما هي جماعة المسلمين وهذه دعوى باطلة مزيفة وحرب، ظالمة وجائرة. 

فالعاملون للإسلام بحق يفهمون جيدًا أن جماعة المسلمين هي التي يمكن الله لها في الأرض ويكون لها إمام هو إمام المسلمين جميعا، وقبل ذلك لا يجوز ولا يصح هذا، والمطلوب ممن أطلق هذه القرية أن يدلنا على قائلها، أو من صدرت عنه حتى تبين له ونصحح مفاهيمه، لأن القول بهذا من الأمور الخطيرة، لما يترتب عليها من نظرات إلى المجتمع غير صحيحة.

وهذه التهمة تتردد كثيرًا على بعض الألسنة، وهي من الخطأ البين، أو الجهل الفاضح، فليس الإسلام حكرًا على أحد، أو جماعة بعينها، يجعلها تصل إلى درجة أن تعلن أنها جماعة المسلمين أو أنها تمتلك الحق الخالص وغيرها يعيش على الباطل الخالص ومن هنا يبدأ الانحراف وتتسع زواياه، ويبدأ التعسف في إصدار الأحكام على الناس إلى درجة قد تصل إلى تكفير من لا يسير في طريقها، أو لا يرى رأيها.

كما أن الإسلام ليس حكرًا على طائفة أو حزب أو جنس بشري وإنما هو دين الله الذي ختم به الرسالات للبشرية جمعاء، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو وحده محل القدوة والأسوة، ومصدر التلقي والإتباع والطاعة: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ﴾ [آل عمران: 31]. ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].

إن أي إنسان أو طائفة أو جماعة أو جنس بشري، لا يمتلك ذلك مهما علا شأنه، فإنه يبقى دائمًا متبعا وليس مبتدعًا، ويبقى الإسلام وحده هو الموجه والقائد ويبقى الإسلام وحده هو الحاكم المسيطر على سلوكنا جميعا، ويبقى الإسلام وحده هو الميزان الثابت لأعمالنا: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: 138]. 

ولا يصح أبدًا أن يكون سلوك فرد أو جماعة أو هيئة هو المنهج والمقياس، وإن نصيب المسلمين أفرادا وجماعات من نصرة الإسلام لا يكون متفاوتا إلا بمقدار ما يقدمون لدينهم، وبمقدار إخلاصهم وتجردهم، وبمقدار صدقهم وعطائهم، وبمقدار ما يقتربون بسلوكهم من المثل الكامل المثل الأعلى المعصوم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. 

والإسلام دين جماهير هذه الأمة، وهو أمل هذه الجماهير وهدفها، بل وحياتها، ومن هنا نستطيع أن نقول:

إن الجماعات أو الجمعيات التي تدعو للإسلام ليست مراكز احتكار له ليست بعيدة عن جماهير الأمة أو منفصلة عنها، أو غريبة على كيانها وحقيقتها، وإنما هي مجموعات من العاملين للإسلام، ترجو أن تكون أكثر ثوابًا عند الله، وأكثر اهتمامًا بقضايا الإسلام والأمه هي مراكز تعمل للإسلام وتتمثل الإسلام الحق في واقعها، وتعطي نموذجًا عمليًا حسنًا طيبا للحياة الإسلامية في تسامحها وعدلها وافقها الواسع وفهمها العميق للإسلام. 

ويجب أن تدرب نفسها على تقديم خدمات في جميع جوانب الحياة لتجذب بسلوكها الطيب والحسن، الذين يجهلون الإسلام وتقربهم منه وتكون لهم دليلًا إلى الخير ومرشدا للتعاون على البر والتقوى، لا تحتكر الخير لنفسها، أو توظف الإسلام لمأرب شخصية من شأنه أن يقيم جدارًا نفسيا يحول دون وصول دعوة الله واستنقاذ الناس مما هم فيه مجتمع الدعوة مجتمع عطاء وإيثار وبذل وليس مجتمع أخذ مجتمع واجبات قبل أن يكون مجتمع حقوق، مجتمع هداية وليس مجتمع جباية مجتمع الإيثار وليس مجتمع الأثرة، وكل هذه الفضائل التي لا تتحقق برفع شعار أو كتابة مقال، بل لا بد من ممارسة حقيقية من الداعين ليصبح ذلك خلقا ثابتا، وهذا منهج دعوة وليس وسيلة دعاة.

والحذر من خروج العمل الإسلامي عن هدف الاحتساب، وطلب مرضاة الله وحده، ويوم أن يخرج عن خطه الصحيح، فإن أعداء أقدر على احتوائه ودفع الثمن، مادامت القضية تحولت إلى مستغلين ومنتفعين قال الله تعالى في بيان شعار الأنبياء جميعًا: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 109]. 

 وقال جَلَّ شأنه: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]. 

ورحم اللهُ ورضيَّ على من قال: «نحنُ دعاةُ ولسْنَا قُضَاَةً».

الرابط المختصر :