العنوان التحليل الماركسي للتاريخ الإسلامي
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1986
مشاهدات 57
نشر في العدد 771
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 17-يونيو-1986
بدأ الماركسيون العرب -خلال السبعينيات- يشعرون فعلًا بالهوة الكبيرة التي تفصلهم عن الجماهير العربية الإسلامية «١»، ولذا بدءوا يهتمون بقضية الدين والتراث لتأصيل موقفهم من قضية لطالما كانت الشغل الشاغل للأمة العربية الإسلامية. لذلك بدأ أقطاب الفكر الماركسي في الوطن العربي يكتبون الكتب التي تعالج هذه القضية من منظور ماركسي؛ فكتب «طيب نيزيني» كتابه الشهير «من التراث إلى الثورة» وكتب د. عابد الجابري «نحو رؤية تقدمية» وكتب د. عبد الله العروي «العرب والفكر التاريخي»، وأخيرًا وليس آخرًا كتب د. حسين مروة «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية». وكانت كل هذه الكتابات تعالج قضية الدين الإسلامي وظهوره والتراث وتطوره من زاوية محددة وواضحة بحيث نستطيع القول بأن هذه الكتابات يجمعها قاسم مشترك وهوة إخضاع مادة الدين الإسلامي والتراث العربي والتاريخ الإسلامي لنظرية التفسير المادي للتاريخ الذي طرحها هيجل HEGEL وتبناها من بعده ماركس MARX أي تفسير التاريخ العربي الإسلامي -بما فيه الدين الإسلامي- وفق المنظور الرسمي التاريخي للأحزاب الشيوعية بما أنها أحزاب أممية.
• وفي الحقيقة يبرز من هذه الكتب التي ألفها أعمدة الفكر الماركسي في الوطن العربي كتاب د. حسين مروة الذي ذكر آنفًا.
والكتاب من حيث هو ارتداد على الذات، ومن مفكر ماركسي ومنظر حزبي كمروة، لا شك كان خطوة ضرورية فكريًّا وسياسيًّا لتحديد العلاقة الثقافية والتاريخية بين الماركسيين العرب من جهة، والدين الإسلامي والتراث العربي من جهة أخرى.
الكتاب يقع في جزئين ويشتمل على ۱۷۹۹ صفحة. في المقدمة الطويلة يؤكد د. مروة أنه: «يقدم طريقة في التعامل مع التراث الفكري العربي الإسلامي» «ص٥» إذ -كما يقول-: «من عبر الممكن أن نكون ثوريين في موقفنا من قضايا الحاضر ونكون مع ذلك غير ثوريين في موقفنا من تراث الماضي» «ص١٦». وبعد أن يقدم لنا بعض الأفكار حول ثورية المنهج الذي يتبعه في تفسير التراث والتاريخ والدين، يمضي في فصول الكتاب العديدة. وفي تصوري أن أخطر الفصول في كتاب د. مروة هو الفصل الثاني والثالث من الجزء الأول، والتي تبحث في ظهور الإسلام ونظرية د. مروة في ذلك وعهد الخلفاء الراشدين ما بين صفحات «۳۳۱- ٤٥٠». وسوف أحدد للقارئ بعض الخلاصات والنتائج التي توصل إليها د. مروة فيما يخص الموضوعين المطروحين في الفصلين المذكورين:
١- الإسلام كان مجرد استجابة موضوعية لما كان يقتضيه مجتمع الجاهلية آنذاك من تغيير تاريخي لما كان يعانيه من تناقضات مادية حادة «ص٣٨٠».
۲- عقيدة القيامة واليوم الآخر -في رأي الماركسي- د. مروة هي عمليًّا إحالة للعدالة إلى الآخرة، وهذه العقيدة تستفيد منها قوى الاضطهاد الاجتماعي والفقراء، يقول د. مروة: محتاجين إلى حل مشاكلهم المادية بمعالجة مادية عاجلة، وعقيدة القيامة واليوم الآخر لا تقدم هذه المعالجة. «ص۳۸۱».
3- يكمن وراء حركة الفتح الإسلامي دوافع اجتماعية ومادية أكثر منها دينية، وحتى التسامح الديني الذي اتبعه الفاتحون مع المسيحيين كانت له قاعدته المادية، وهي التقليل من عدد المسيحيين الذين يدخلون في الإسلام كيلا تقل موارد ضريبة «الجزية» التي فرضت على غير السلمين. «ص٤٤٩».
٤- معظم تشريعات الإسلام الاقتصادية «تحريم الربا والاحتكار، وفرض الزكاة وغيره» كان الغرض منها تخفيف حدة الشثاء المادي عن الفقراء، لا حل مشكلة الفقر، ولا تعنى هذه التشريعات -في رأي د. مروة- أن الإسلام ضد التمايز الطبقي أو أنه لا يقر التمايز الطبقي. «ص٤٥٨».
هذه هي الخلاصات والنتائج التي توصل إليها د. مروة في كتابه، وسوف نناقشها في الأسبوع القادم بإذن الله.
«۱» انظر على سبيل المثال: د. عابد الجابري «نحو رؤية تقدمية» ص۱۰٥. كذلك د. عبد الله العروي «العرب والفكر التاريخي» ص١٧.