; التحول إلى الدين.. وكيف يتم؟ | مجلة المجتمع

العنوان التحول إلى الدين.. وكيف يتم؟

الكاتب عبد الله الحارث

تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

مشاهدات 121

نشر في العدد 28

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

خواطر وسوانح

التحول إلى الدين.. وكيف يتم؟

 

ألمانيا: من عبد الله الحارث

من وحي المؤتمر الصيفي للطلاب المسلمين في ألمانيا، المنعقد في هانوفر، في الفترة من 30/ ٧/70 إلى 2/ ۸ /1970م

 لقاء في هانوفر

نزلت في مطار «هانوفر» فلقيني عزيزان كريمان، أحدهما أعرفه لأول مرة يتكلم بغير لغتي الأصلية، لكن لغة أخرى أَلَّفَتْ بين قلبي وقلبه، وجمعت بين روحي وروحه، ولعلها أقوى اللغات التي تملك أعمق المشاعر. أتعرف ما هي؟ إنها لغة الإيمان وعاطفة الإسلام، وأتعرف من أين كان هذا العزيز الكريم؟ إنه أخ تركي جاء مندوبًا من اتحاد الطلبة الأتراك، كان يحاول أن يتكلم العربية ويجتهد في التعبير عن نفسه وعن إخوانه الذين خلفهم، وكم حزنت وتألمت أننا نحن المسلمين لا نعنى العناية الواجبة بنشر لغة الإسلام: العربية، فكم من قلوب متعطشة وعقول ظمأى لأن ترتوي بنبع الإسلام الأصيل من منابعه الأصيلة بلغته العربية لغة الوحي والقرآن: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: 1-2)

وقد كانت جريمة «أتاتورك» وجنايته عظمى حين حَرَّمَ استعمال الحروف العربية، واستبدلها بالحروف اللاتينية، كان هدفه هو تحويل مجرى الثقافة الإسلامية في تركيا وجعلها ملتصقة بالثقافة الغربية، والابتعاد من البداية عن الثقافة الإسلامية، ولكن جذور الإسلام أعمق، وعراقة الأمة التركية في الإسلام أبقى -إن شاء الله- ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: ٣٢).

إنني أقترح على حكوماتنا وجمعياتنا أن تحاول تشجيع التبادل الثقافي والزيارات بين الشباب التركي والشباب المسلم؛ بإقامة مؤتمرات التبادل الثقافي والتعارف، وتشجع المتعلمين للعربية من الأتراك على قضاء فترات طويلة للدراسة أو السياحة؛ لإنماء حصيلتهم العربية؛ ولمساعدتهم على قدرة التحدث بالعربية.

 

إن هذا العمل المقدس واجب؛ لتعميق الأخوة بين المسلمين؛ ولإثراء التفقه في دين الله، وإذا كان كلا الأمرين من فرائض الإسلام، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وسوف لا أنسى اليوم الذي قام فيه أخ عزيز بعد صلاة الجمعة في مدينة كامبردج دفعته غيرته وحماسته وألمه حين رأى الجميع يتكلم الإنجليزية في المسجد؛ لكونها اللغة التي يفهمها الجميع من باكستانيين وماليزيين وعرب، وقص على الجميع كيف أن اليهود حينما يأتيهم المهاجر إلى إسرائيل من أي بلد في العالم يجهزونه للانضمام إلى مجتمع إسرائيل بشيئين:

1- تغيير اسمه إلى اسم يهودي.

2- وضعه في مدرسة لتعلم اللغة العبرية.

فهل نقدر العربية حقها، ونبذل جهدًا في تيسيرها وتحبيبها للمسلمين؟

إنه جهد أصيل، ومن ورائه الأجر الكبير، وصدق المختار -صلى الله عليه وسلم- حين قال: «تعلموا العربية وعلموها الناس».

ويا حبذا أيضًا لو دخلت اللغة التركية والأردية والإندونيسية والهوسا مدارسنا ومعاهدنا كلغات ثانوية خاصة في المعاهد الإسلامية إنها خطوة بالغة الأهمية، فستعين على التقارب الثقافي بيننا وبين شعوب تمثل 5/4 أربعة أخماس العالم الإسلامي، ثم نقل ما عندهم من كنوز الثقافة الإسلامية التي كتبت بهذه اللغات إلى العربية خاصة ما كتب بالأردية، فكما حدثت لا يوجد مثيل له بالعربية.

وكان لقاء حاشدًا وعامرًا جاء له الشباب من كل فج وحدب، وتصور أن المبنى هو عبارة عن بيت للشباب يفد له المحبون للسباحة والتجوال فيبيتون ويطعمون بأجر رخيص؛ لذا فهو قبلة من هب ودب من هؤلاء المنطلقين والمتصادقين الذين يهدفون إشباع الغريزة وقضاء الوطر ومتعة النفس ليس إلا.

ماذا حدث حينما أتى عباد الله ووفودهم إلى هذا المكان؟

تغير المكان من متعة رخيصة إلى جد مثير، فهذه حجرة كبيرة تحولت إلى مسجد وكتبت عليها لافتة المسجد، وإذا بجناح أصبح خصيصًا لزوجات المؤمنين وأطفالهم، وإذا بمنضدة وضعت عليها الكتب والمجلات الإسلامية، وإذا بالوفود تتصافح وتتعانق، وإذ الألماني المسلم، والتركي، والإفريقي، والعربي، الكل في رحاب الإسلام والتآخي فيه جسم واحد وروح واحدة، وإذا صوت المؤذن يلعلع في المكان فيهرع الجميع إليه، وإذ القاعة تكتظ، الرجال في الصفوف الأمامية والنساء في الصفوف الخلفية.

يا الله! يا لروعة الإيمان! ويا لسحره الآخاذ!

وإذا الإمام يسترسل بآيات الله، فيغذي القلوب الخاشعة، ويروي الأرواح الظامئة، وإذا عملية الغسيل التي علمناها من رسولنا عند افتتاح الصلاة تأخذ مجراها في النفوس والقلوب، فترى على الوجوه إشعاع الإيمان وبين الحنايا دفؤه وطمأنينته، وإذا الراحة بادية، والمغفرة مأمولة.

وبعد الفراغ منها كان ابتغاء فضل الله في التمشي زرافات على النهر المجاور؛ للترفيه عن النفس ولمتعة العين بالخضرة اليانعة، وروعة آيات الله البادية وكانت أحاديث شتى، فهذا يسأل أخاه عن حاله وعن دراسته، وذلك يتكلم عن الصعوبات التي تقابل المسلمين الجدد في هذه الديار، وآخر يستفتى واحدًا من أهل الذكر عن مشكلة تواجهه ويريد أن يهتدي فيها برأي الإسلام.

وبينما القوم في هذه المتعة الغامرة، إذ صوت النظام ينادي: الطعام الطعام، والسرعة السرعة، فإن لكم موعدًا مع المحاضرات.

حرية هنا، وظلام هناك

وسرح خاطري وأنا أعيش في هذه البحبوحَةِ الوارفة في ظلال ذلك الجمع المؤمن إلى مرابع ومنتديات في عالمنا الإسلامي الرحب، وقد حُرِمَت تلك الحرية فصُفِّدَت أرجلها عن الحركة، وكُمِّمَت أفواهها عن القول، ومُنِعَت من الدعوة إلى الله، وأُبِيحَ القول فيها لكل سفيه ودجَّال، فَكَبُرَ الصغار وتعاظم الأقزام، وغُيِّبَ الأحرار والمجاهدون في غياهب السجون، ففقد المجتمع مُثُلَهُ الصالحة النافعة، وهل المُثُلُ المؤثرة في المجتمع إلا رجال وشباب يخشى ربه فيتقنن عمله ويتفانى في خدمة أمته؟ فهو في السلم رجل بناء، وفي الحرب مقاتل مغوار.

وحين يفقد المجتمع حريته، بفقد رواده والمصلحين فيه، يفقد شجاعته في أن يقول الحق، وحينذاك تطفح على سطحه أمراض الأنانية والرياء والجاسوسية والاستذلال، كما يطفح الجدري على وجه المريض، ويظل يلح عليه حتى يصيبه بالعمى، فيفقده حاسة الإبصار والرؤية الواضحة، فكذلك مجتمع المستبدين يخاله الإنسان صحيحًا إذا نظر إليه في مظهره وحركته، فإذا تأمله وجده مجتمعًا فقد الإحساس البصير، ومن ثم يُقادُ إلى مهاوي الذل والضياع.

وأفقتُ من خاطري وأنا أردد قول شوقي:

أحرام على بلَابِلِهِ الدَّوح *** حلال للطير من كل جنس؟!

ورأيتُني أرددُ قول العلي الكبير: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ۚ أُولَٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ أُولَٰئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ۘ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ (هود: 17-20).

 

إن معركة الحرية معركة مقدسة إنها أم المعارك كلها، فلا تحرير ولا تحضر ولا إيمان ولا كرامة من غيرها إنها المعركة الأصلية التي ركزها الإسلام في قلوب أبنائه وأتباعه حين علمهم ورباهم على الشهادتين، وجعل إحرامهم التكبير، ومفارقتهم بالتسليم، فكانوا أحرار النفوس، فاستعصى على المستبدين إطفاء شعلة الحرية فيهم.

ومعركة الحرية اليوم تخوض أقسى معاركها وأقدسها، فهل نثبت لها ونعيد حدَاءَهَا الحلو ونشيدها الأصيل؟!

هنيئًا لشهدائها المؤمنين، وتحية لأبطالها الصابرين الثابتين من خلف الأسوار، ومرحى برجالها الصادقين العاملين.

أسلوب جديد في العمل

وظفر المؤتمر بمجموعة جيدة من أهل الفقه والحديث والتاريخ وأصحاب النظرة الصائبة المبصرة في واقع المسلمين وطريق النهوض بهم، ورأيت المجتمعين يخرجون من درس إلى محاضرة، ومن محاضرة إلى طعام، لا يكادون يلتقطون أنفاسهم إلا وينادي المنظمون: «هلموا إلى قاعة المحاضرات أو إلى المسجد»، وأحسست إحساسًا عميقًا أن ما قُدِّمَ أكثر من أن تهضمه عقولهم، وتستوعبه أفكارهم، وتذكرت حكمة القرآن حينما استعملت للفظة «التذكير» في ذلك المقام في قول الله -عز وجل- ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات: ٥٥)، وواضح من معنى الآية الكريمة أن المُذَكِّر لا بد له أن يراعي حالة المستمعين، ويعطيهم على قدر الاستعداد، أو ما به يتذكرون، فقديمًا قيل: «كثرة الكلام يُنْسِى بعضه بعضًا»، وصدق ابن مسعود حين قال: «كان رسول الله يتخولنا «يتعهدنا» بالموعظة مخافة السآمة علينا»، ثم إن هذه الكثرة تقلل من فرص المدارسة والتركيز. والحاجة ماسة اليوم أكثر من أي وقت مضى لمعرفة ما يدور في أذهان شبابنا من شبهات وأسئلة وطرحها في مثل هذه اللقاءات العامرة، فيرد عليها من أهل الذكر والفقه فتكون المنفعة شاملة والخير عميمًا.

وإني لأنصح هنا بعدة نصائح لعلها تعين فيما نستقبل من مؤتمرات ولقاءات:

1- الاكتفاء بمحاضرتين في اليوم، واحدة في فترة الصباح، والأخرى في فترة المساء، ويُعْطَى الوقت الباقي في كلتا الفترتين للتدارس.

2- العناية بالتحضير المسبق؛ حتى يتسنى الترجمة بشكل جيد للغة البلد المنعقد فيها المؤتمر.

 3- إعطاء عناية أكبر للجوانب العملية الأساسية من: تجويد للقرآن، ومن شرح للكيفية المأثورة للصلاة، والآداب العملية، والأخلاق الإسلامية، وجعل فرصة المؤتمر ميدانًا؛ للأخذ بها والتمرين عليها.

4- إعطاء بعض الوقت لشرح التطورات التي تحيط بمشكلات العالم الإسلامي السياسية والثقافية، ويجب أن نحتفظ بالتوازن فيها وبين الموضوعات الأصلية المتعلقة بزيادة التفقه في دين الله، وألا نغفل الحديث عنها؛ لأن واقع الإسلام والمسلمين مرتبط بها، ومن الآلام والآمال يكون طريقنا لإيقاظ أمتنا وإيقاد الشعلة بين جوانحها.

٥ - إعطاء فترات حرة يمكن فيها زيادة التآلف والتآخي بجلسات التعارف العفوية وتبادل المعلومات، فإن البرنامج الحاشد لا يعطي فرصة لذلك.

هذا وأسأل الله أن يُبَصِّرَنَا، ويأخذ بيدنا، فهو نعم المولى ونعم النصير.

الرابط المختصر :