; التدين في المجتمع الأوروبي | مجلة المجتمع

العنوان التدين في المجتمع الأوروبي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 03-أغسطس-2002

مشاهدات 77

نشر في العدد 1512

نشر في الصفحة 34

السبت 03-أغسطس-2002

  • د. آن صوفي الأمين: ثلاثة أرباع الأوروبيين متمسكون بالدين في أهم محطات حياتهم: التعميد والزواج والدفن.

  • منير شفيق: الصراع في أوروبا لم يكن بين دين وإلحاد.. وإنما بين كنيسة وأخرى.

د. طه جابر علواني: المتدين يسقط القدسية أحيانًا على تدينه هو.. في حين أن الدين أمر إلهي معصوم والتدين جهد بشري.

عقدت بمقر اتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا مؤخرًا ندوة حول «التدين في المجتمع الأوروبي»، شارك في تنظيمها كل من لجنة البحوث التابعة للمجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء والمعهد العالمي للفكر الإسلامي. 

الندوة كانت محاولة لتقديم رؤية أوضح في الحوار وتبصير أفضل للوجود الإسلامي داخل الغرب، والتفاعل مع الواقع، ومعرفة المكونات الثقافية والدينية للمجتمع، ذلك أن الشهادة على الناس تستلزم العلم أولًا ثم التبليغ.

 الدين أمر إلهي والتدين جهد بشري:

وتناولت الجلسة الأولى واقع التدين الأوروبي والتصور الإسلامي، وتحدث خلالها د. طه جابر العلواني رئيس جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية عن واقع التدين بين التوجهات المنهجية والتطلعات الروحية، وأثار في معرض حديثه عن الواقع الديني في الولايات المتحدة مسألة التأييد البروتستانتي لليهود وأثر الأصولية المسيحية في السياسة الأمريكية، معتبرًا أن ما ينعكس على أوروبا ليس موقفًا طارئًا، وإنما موقف تدين له جذوره وأعماقه. وتطرق إلى الخلط في الحديث عن الفرقة الناجية مشيرًا إلى أن المتدين يسقط أحيانًا القدسية الدينية على تدينه هو، في حين أن الدين أمر إلهي معصوم وأمر مطلق والتدين جهد بشري نسبي. 

ويرى أن القرآن هو المرجعية العليا للبشرية بما يتضمن من قيم مشتركة في ثلاثة محاور: توحيد في العلاقة مع الله سبحانه، تزكية في العلاقة مع الإنسان، عمران في العلاقة مع الخلق والكون. 

من ناحيته، تساءل د. محمد الفاضل اللَّافي- الباحث في علوم الشريعة عن طبيعة المجتمعات الأوروبية، هل هي مجتمعات أهل كتاب حقًّا أم هي مجتمعات منغلقة ولها مظاهر دينية فلكلورية؟ وقام بنقد الخطاب الديني في الغرب الذي يغلب عليه التبرير والعدائية للآخر أحيانًا، واستعرض مظاهر الإحباط واليأس والفراغ الديني، والتخلي عن الدين واعتباره أسطورة، وانتشار الإلحاد، وانغلاق اليهودية على فئة معينة، والاتجاه نحو الروحانية في التدين.

تأليه الإنسان والتدين الثقافي

هذه المسألة الأخيرة كانت محور مداخلة د. محمد المستيري مدير مكتب المعهد العالمي للفكر الإسلامي بفرنسا، وتناول فيها طغيان القيمة الاستهلاكية وفلسفة عولمة الاقتصاد والسوق الحر مقابل التراجع في الإيمان بالقيمة الإنسانية، وتزايد حالات الاكتئاب والانتحار في مرحلة أسئلة ما بعد الحداثة، وانتشار ظاهرة التدين المدني والروحانية العلمانية الملحدة، وهذه الروحانية الجديدة ليست مشروعًا إحيائيًّا دينيًّا، بل هي مشروع وضعي، وهي روحانية حسية، من خصائصها تأليه جديد للإنسان، ومصادمة الروحانية الغيبية، وهي نسق جديد يدعي التدين الثقافي. ويعتبر المحاضر هذا الشكل الجديد من الروحانية أشد خطورة من الإلحاد، على عكس الروحانية الصوفية التي يلتزم بها أغلب معتنقي الإسلام.

تحديات أمام التدين

أما الجلسة الثانية فكان محورها المشهد الديني بين أوروبا وأمريكا، وتحدث فيها كل من د. جمال البرزنجي حول المشهد الديني في أمريكا، ود. كمال الهلباوي حول حالة التدين في بريطانيا وأثرها على الدعوة، وحسام شاكر رئيس الرابطة الأوروبية للإعلاميين حول «النزعة الدينية في أوروبا: أي واقع وأي مستقبل؟ ود. عبد الحليم هربير أستاذ أنثروبولوجيا بفرنسا حول الهوية المسيحية للأوروبيين.

وفي حين تحدث البرزنجي عن التأثير القوي للكنيسة (التي تبلغ ميزانيتها ١٥بليون دولار) في المجتمع الأمريكي، وتوجه النشاط الكنسي نحو البعد الاجتماعي، تطرق الهلباوي إلى التحول من المقدس إلى العلمانية في المجتمع البريطاني، وقدم شاكر قراءة للمشهد الراهن للحالة الدينية في أوروبا تقول بانتعاش الظاهرة الدينية، وبنوع من الحراك في الواقع الاجتماعي ردًّا على هجمة الحداثة، مصحوبة بانتعاش الفرق الهامشية وظاهرة التدين الروحاني خارج إطار الكنيسة التي تواجه تحديات، منها الموقف من الشذوذ، والإجهاض، وهندسة الموروثات، والاستنساخ، ويرى احتمال أن ترضخ الكنيسة أو أن تتصلب أو أن تقوم بدور التغيير الاجتماعي بالتعويل على المجتمع المدني. 

وانتقد د. هربير مصطلح المجتمع اليهودي - المسيحي السائد بهدف التأثير القسري على الذاكرة الأوروبية، وأشار إلى وجود الروحانية العلمانية التي لیست بالضرورة مادية، مقابل التيار الروحي الفكري الموجود في العالم، والذي يؤمن بالتعددية القطبية ويرفض الأحادية.

مظاهر تدين جديدة

وكانت الجلسة الثالثة حول صورة التدين في المجتمع الأوروبي، وتحدث فيها ضو مسكين- مدير مدرسة النجاح في فرنسا عن «ظاهرة التدين المسيحي بين العقيدة والتقليد»، وتطرقت د. آن صوفي الأمين- الباحثة في علم الاجتماع إلى علاقة الأوروبيين مع الديانة المسيحية، واعتبرت أن تراجع بعض مظاهر التطبيق الديني لا يعني أن المجتمعات الأوروبية غير مبالية بالجانب العقدي، فقد أكدت عمليات الاستطلاع أن ثلاثة أرباع الأوروبيين متمسكون بالدين في أهم محطات حياتهم «68% في التعميد، و ٧١% في الزواج، و77% في الدفن»، وأن نسبة الملحدين لا تتجاوز 5%،  بينما يرى ۲۰% أن الدين ليس له أهمية، وأن الإيرلنديين والإيطاليين هم الأكثر تدينًا في أوروبا، على عكس الإنجليز والفرنسيين والسويديين. وتشدد الباحثة على التحول في طريقة الاعتقاد التي لا تعني الالتزام بتطبيق الشعائر الدينية، وهناك مؤشرات لعودة الحيوية إلى التدين منها حلقات الصلاة الجماعية والحج إلى مدينة لورد، أما طرق الارتباط بالدين فهي تمر عادة عبر المجموعة والعاطفة والثقافة والأخلاقيات.

وفي مداخلة عن الإعلام والتدين في أوروبا أوضح د. محمد الغمقي كيف يتحول الإعلام من شاهد على مظاهر التدين وآلية مهمة لفهمها ومعالجتها، إلى صانع وموجه ومؤثر. وقدم أمثلة للقضايا التي تتطرق إليها وسائل الإعلام الدينية من خلال نموذج صحيفة لاكروا المسيحية الفرنسية، وعلى رأسها المسألة الأخلاقية، خاصة فيما يتعلق بالتطورات العلمية والطبية، وقضايا الشباب، ومآسي المجتمع والعلمانية والعلاقة مع الدولة وواقع المسلمين، مشيرًا إلى دور الإنترنت المتصاعد في التأثير سلبًا وإيجابًا على التدين.

صراع مع الكنيسة.. لا محاربة للدين 

أما الجلسة الرابعة فكان موضوعها التدين وتحديات الحداثة، شارك فيها منير شفيق بمداخلة حول التدين والعلمانية، دعا فيها إلى عدم الاقتصار في قراءة العلاقة بين الدين والعلمانية على الرؤية الفرنسية، وأشار إلى أن الصراع في الغرب لم يكن بين دين وإلحاد وإنما بين كنيسة وكنيسة، ولم تتم محاربة الدين، وهناك جهود لاختراق الكنيسة الأرثوذكسية بعد النجاح في اختراق الكنيسة الكاثوليكية، وشدد على تواصل الثقافة الدينية في الغرب، وإن كان هناك في الظاهر عدم اهتمام بالدين. ونبه إلى دور المسلمين بصفتهم مواطنين داخل المجتمعات الغربية، إذ يمكنهم المشاركة في حركات مناهضة العولمة والنضال من أجل مجتمعات تعددية، داعيًا إلى فهم دوافع اعتناق الإسلام. 

من جهته، تطرق د. رضا الشايبي إلى «الخلفية الفلسفية التاريخية للموقف الأوروبي من الدين»، متفقًا مع منير شفيق حول بقاء التدين المسيحي كامنًا، مما يفسر ردة الفعل على مظاهر التدين الإسلامي «الحجاب/ المساجد». واستعرض التأثيرات الفلسفية على الموقف الديني، بداية من الأفلاطونية مرورًا بعصر التنوير. وكانت مداخلة د. مولود عويمر حول «فكرة الموت في الفكر الغربي الحديث»، مشيرًا إلى أن الموت يفسر بالمعنى المأسوي للحياة، والقلق الذي يكشف فيه اللاوجود عن نفسه، ونهاية الحياة، ما يجعل البعض يعتقد أنه قادر على أن يختار إنهاء حياته إذا لم يختر بدايتها. ودلت كتابات المفكرين الغربيين على خوفهم وضعفهم أمام الموت بقدر ما كانوا أقوياء أمام الكنيسة.

الإسلام ليس طارئًا

وتناولت الجلسة الخامسة موضوع «العلاقة بين الأديان: تجاذب أم تعارف؟» شارك فيها كل من د. عبد المجيد النجار -مدير لجنة البحوث للمجلس الأوروبي للإفتاء- بمداخلة حول «استشراف مستقبلي للتعارف الديني في أوروبا»، ود. العربي كشاط -عميد المسجد والمركز الثقافي والدعوة- بمداخلة حول «التدين المشع»، ود. شيماء الصراف بمداخلة حول «التكاملية بين الأديان التوحيدية».

وذكر د. النجار أن أهمية الإسلام لا تأتي من حيث الحجم العددي للمسلمين في أوروبا، وإنما من حيث كونه عنصرًا أساسيًّا من مكونات المجتمعات الأوروبية وليس طارئًا، بما له من عطاء حضاري لمدة ثمانية قرون.

نشر ثقافة السلم وحب الخير للآخر

 وخصصت آخر جلسة لمداخلات العلماء والمشايخ حول الرؤية الفقهية للتدين في أوروبا، فتحدث الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي عن الحاجة إلى التمحيص والتدقيق حتى يذهب الزبد جفاء خاصة في هذا الظرف العصيب بين الغلو والتفريط.

وقال: «صحيح أنه حصل انحراف لدى المسيحيين منذ أن التقوا في مؤتمر خلال القرن الثاني عشر وقرروا فيه الألوهية المسيحية، لكنهم يظلون أهل كتاب بنص القرآن، وهم أناس لهم حقوق الأخوَّة القومية والأخوة الإنسانية، والمودة لأهل الكتاب مطلوبة والولاء والبراء يحتاجان إلى تأصيل، والولاء الممنوع هو الذي يكون للجماعة غير المسلمة على حساب الجماعة المسلمة، والقاعدة الفقهية تقول بأن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان، وهناك من ينظر إلى ظاهر النص وهناك من ينظر إلى مقصده، ومن شروط المفتي إلى جانب علمه الشرعي معرفة الناس والواقع وفقه المآلات». وأضاف: «نحن مأمورون دينيًّا بالحوار مع الآخرين، فلا نستطيع أن نعيش في عزلة عن العالم، والإسلام يرحب بالسلم لأن الإسلام لو كان يحارب الكفر لحارب الرهبان، ولو كان يريد الحرب مع أهل الكتاب لم يسمح بالزواج من الكتابية، والإسلام لا يتعطش إلى الحرب والنصوص الدالة على ذلك كثيرة، منها: «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية». و «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأقبح الأسماء حرب ومرة». نحن في حاجة لإشاعة هذا الفقه وهذه الثقافة، فنحن دعاة خير للإنسانية جمعاء ونريد هداية العالم». 

أما الشيخ فيصل مولوي فقد بين الأسس الشرعية التي تحكم علاقة المسلم بغير المسلم وهي: 

أولًا: الاعتراف بالآخر، بإنسانيته انطلاقًا من تكريم بني آدم وحقه في الاختلاف.

وثانيًا: التعارف. 

وثالثًا: التعايش على أساس البر والقسط.

ورابعًا: التعاون. 

وخامسًا: اندماج المسلم مع مجتمع غير مسلم. 

وتترجم هذه الأسس في أمرين: عاطفيًّا، بتبادل مشاعر الحب الفطري الإنساني وكسب القلوب، لأن مشاعر الحقد تعطل الدعوة. وفكريًّا من خلال نزع فكرة الحرب، لأنه ليس كل كافر حربيًّا، والأصل في العلاقة مع الناس هو السلم وليس الحرب.

أهمية معرفة فقه المآلات

من جهته، دعا الشيخ الدكتور عبد الله بن بيَّة إلى اعتماد فقه التيسير والتسهيل وليس التساهل، وتحرير الفتيا في ديار الغرب على أساس اجتهاد انتقائي وتحقيق المناط، وفقه أقليات يشجع على الاندماج والمشاركة السياسية.

واعتبر د. عجيل النشمي أن الدين هو الأصل والتدين هو الدخول في الدين، وأن المتدين في أوروبا يسعه من الرخص ما لا يسع غيره في البلاد الإسلامية، والتوسع في الرخص في أوروبا ناتج عن أجواء الفتن السائدة وبمقتضى فقه الواقع. أما فيما يتعلق بالعلاقة مع الآخر، فإن الأخوة بين الناس من أسس الترابط، والتميز مطلوب، لكن ليس بمعنى التكبر.

أما د. طه جابر العلواني فقد دعا الفقهاء والعلماء إلى الانتباه عند إصدار الفتوى لأنها أصبحت معلنة في عصر الزخم الإعلامي والفضائيات، وأي خطأ تكون مضاعفاته كبيرة. كما دعا إلى صياغة السؤال الفقهي بما يتكيف مع الواقع، والبحث عن النص الذي يمكن الاستناد إليه لتقييم هذه الواقعة أو تلك، واعتماد مجالس خبراء من اختصاصات متعددة تسند الفقهاء وتساعدهم في فتواهم حتى لا تكون الفتوى مغايرة لفقه المآلات. وميز بين مجالس الفتوى التي مهمتها حل القضايا الكبرى وبين أئمة المساجد الذين يمكنهم الفتوى في المجريات اليومية. 

وأما زكريا صديقي فقد نبه إلى بعض الإشكالات أمام التكيف الفقهي مع الواقع الأوروبي، ومنها عدم وضوح المعيار والانتباه من المقاربة الاستقرائية الناقصة لعلم الاجتماع التي توقع الفقيه في الخطأ، والتأكيد على فقه الواقع بدل الحضور في مكان الفتوى، وأخطاء الترجمة خاصة ما يتعلق بالمصطلحات وأهمية معرفة المفتي باللغة وظلالها الدلالية.

واختتمت الندوة بتوصيات تحث على نشر أعمال الندوة وترجمتها، وبكلمة ختامية لخصت نتائج الندوة ومنها توضيح صورة التدين في أوروبا في اتجاه تعميق الحوار وضرورة تأسيس العمل الإسلامي على علم دقيق بالواقع الأوروبي، والتأكيد على أن الشرع يأمر بالتعامل بالحسنى وربط الجسور والتعاون مع غير المسلمين بما فيه صالح الإنسان والإنسانية.

 

الرابط المختصر :