; التراث في رؤية عصرية.. أيها الولد المحب | مجلة المجتمع

العنوان التراث في رؤية عصرية.. أيها الولد المحب

الكاتب محمد حسن عبدالله

تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1987

مشاهدات 73

نشر في العدد 843

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 17-نوفمبر-1987

تحاول هذه الصفحات المحدودة أن تقدم إلى القارئ ثلاثين كتابًا مختلفًا، تنتمي كلها إلى التراث العربي القديم، لثلاثين من المؤلفين: المفكرين والأدباء والعلماء والفلاسفة، والمتصوفة، والمؤرخين وغيرهم. وبقدر ما يدل هذا العدد (وهناك أضعاف أضعافه لمن يبحث وبتوسع) على غزارة التراث، وتنوعه، وخصبه وعمقه، بقدر ما يشير إلى حجم الحيف والظلم الذي تلحق به حين تنظر إليه من زاوية أنه تاريخ مضى زمانه وحياة منقضية، وأن أهميته الباقية تخص أولئك الذين يعنون بدراسة الماضي وحده، وأن هذا التراث لا يصح، من منطلق أنه لا يصلح- أن يوجه حياتنا الحاضرة، أو يفيد في صنع المستقبل وترشيده.

إن الحضارة ليست تراكمًا كميًّا، كما أنها ليست مجرد امتداد زمني بقدر ما أن التقدم لا يعني الهروب المستمر من الماضي، والتوغل العصبي الانفعالي نحو الجديد، مهما كان هذا الجديد.. إن أعظم ما تصنعه الشعوب العريقة ذات الحضارة الممتدة، أن تظل حفية بماضيها، فتنتقي من هذا الماضي كل ما يصلح لأن ينمو فيصنع مستقبلها الخاص المميز لشخصيتها المقوي لأركان وجودها جذورًا وفروعًا، ماضيا ومستقبلًا. في هذه الكتب الثلاثين، التي اختبرت بقدر متوازن من التلقائية والتعمد، توجه الجهد إلى اختيار قضية واحدة، مما يثير كل كتاب على حدة، كي توضع تحت ضوء الفكر المعاصر، لتكتسب في أذهاننا قدرًا من الفهم الجديد يساعدنا أن نحسن الوعي بأهمية هذه الكتب في موقعها التاريخي بالنسبة لعصرها، وفي أهميتها بالنسبة لقضية دائمة، هي صناعة الواقع والمستقبل على أساس من الوعي بالماضي.

وإنا لنرجو أن تكون هذه الغاية ماثلة فيما استطاعت أن تحمله هذه الصفحات..

أما الكتاب القديم، فهو رسالة مختصرة، وجهها الفيلسوف المتصوف حجة الإسلام، أبو حامد الغزالي إلى أحد تلاميذه، واختار لرسالته هذه عنوانًا قوي الدلالة، هو «أيها الولد المحب». أما القضية الحاضرة، التي نستعرضها من خلال هذا الكتاب، فإنها تتعلق بمعنى العلم، وحدود العلم المطلوب لنجاة الإنسان في هذه الحياة الدنيا، ولن تنفك هذه القضية عن مطالب الحياة العامة حياة الأغيار أو الآخرين، أو بتعبير أكثر عصرية وتمشِّيا مع المنهج العلمي، الحياة الاجتماعية.

والإمام الغزالي غني عن التعريف فهو أحد الفلاسفة العِظام في تاريخ الإسلام، وأهم فلاسفة القرن الخامس الهجري، ذلك القرن الذي شهد أعلى درجات النضج للحضارة العربية الإسلامية، وبداية عصر الانحدار والهبوط.

والغزالي صاحب كتاب «إحياء علوم الدين» الذي يعتبر موسوعة علمية شاملة لأحوال القلوب، وأنواع الفرائض، وأهداف الآداب الدينية، له موقف من التصوف، هو بدوره ذو صلة وثيقة برفضه للفلسفة وعلومها جميعًا، وارتفاع نجم الفقهاء ورجال الدين من الأشعرية بصفة خاصة، وهم معروفون بعدائهم الشديد للعلوم الفلسفية، ولهذا، ولأسباب أخرى، نجد معنى التصوف عند الغزالي بعيدًا عن الطابع التأملي، والفكري، الذي يقترب به من الفلسفة، وقريبًا من العمل، حتى عرف الغزالي بأنه مؤسس التصوف العلمي، إذ التصوف عنده يعرف بأنه عمل مبني على العلم، وأنه قطع عقبات النفس، والتنزه عن أخلاقها المذمومة، وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير الله، وتحليته بذكر الله، هذا التحديد للتصوف، ورسالته العملية في إطار العبادة وأداء الفرائض، يبرز أمامنا الأساس الفكري الذي تستند إليه رسالة «أيها الولد المحب».

أما مناسبة الرسالة، فإنها كانت جوابًا على سؤال من أحد تلاميذ الإمام، وهذا التلميذ كما يقول في رسالته إلى شيخه، قرأ أنواعًا من العلوم، وصرف ريعان عمره في تعلُّمها وجمعها، ثم يقول في سؤاله إلى شيخه الغزالي: «فالآن، ينبغي أن أعلم أي نوع ينفعني غدًا، ويؤانسني في قبري». انتهى كلام التلميذ.

وأرى قبل أن نستخلص من الرسالة معنى العلم، كما يراه الغزالي، أن نظل على ذكر المناسبة السؤال وصيغته، بل أن نظل على ذكر لحياة الغزالي نفسه، ونوع النشاط العلمي الذي قام به في مراحل مختلفة من حياته.

بالنسبة للمسألة الأولى، فإن التلميذ يذكر في رسالته أنه تعلم أنواعًا من العلوم وجمعها، وقضى فيها ريعان عمره، إنه لم يحدد هذه الأنواع، مما يسمح لنا بالتوسع في دلالة هذه الإشارة ويكمل ذلك بتحديد الاستفهام أو طلب الفتوى، لقد أصبح التلميذ يشعر بزحف الزمن، وباقتراب الأجل بعد أن انقضى أكثر العمر في طلب وتحصيل أنواع من العلوم.. ولهذا انصبَّ السؤال على العلم الذي ينفع في الآخرة ويؤنس في وحشة القبر!

إن مخاطبة التلميذ السائل، بنداء رقيق مثل: «أيها الولد المحب» يتضمن ما في قلب الإمام الغزالي من إعزاز لتلاميذه، واعتزاز بأستاذيته ورغبته في نقل تجربته الخاصة العملية والعلمية إلى هؤلاء التلاميذ؛ ولهذا فإن إجابته لهذا الولد المحب، تتخطى- أحيانا على الأقل- حدود المطلوب للآخرة، إلى ما ينبغي أن يكون عليه السلوك العالم في أي مجال كان نشاطه العلمي، ومن هنا تأتي حملته على العلم المجرد، أي العلم المعزول عن العمل، فيقرر أن العلم في ذاته لا ينجي صاحبه، وأن الخلاص إنما يكون بالعمل يقول الإمام الغزالي: «وتيقن أن العلم المجرد لا يأخذ اليد، مثاله لو كان على رجل في برِّية عشرة أسياف هندية، مع أسلحة أخرى، وكان الرجل شجاعًا وأهل حرب فحمل عليه أسد عظيم مهيب فما ظنك؟ هل تدفع الأسلحة شره عنه بلا استعمالها وضربها؟ ومن المعلوم أنها لا تدفع إلا بالتحريك والضرب، فكذا لو قرأ رجل مائة ألف مسألة علمية وتعلمها ولم يعمل بها، لا تفيده إلا بالعمل».

السؤال الخطير هنا يتعلق بما يقصده الغزالي من العمل.. هل هو العمل في حدود الشرع وإطار ما يبيحه؟ أو العمل بعلوم الشرع ذاتها، من دون العلوم الدنيوية الأخرى؟! ومن الواضح أن الفرق شاسع جدًّا بين العلمين. وقد نجد في كلام الغزالي، في هذه الرسالة ما يدل على كلا الاحتمالين، مع ترجيح سنشير اليه.

ففي مكان يقول مُنكِرًا على تلميذه أن يهتم بغير العلوم الشرعية صراحة: «أي شيء حاصل لك من تحصيل علم الكلام، والخلاف، والطب والدواوين، والأشعار والنجوم والعروض والنحو، والتصريف، غير تضييع العمر بخلاف ذي الجلال». وهذا كلام خطير حقًّا من الإمام الغزالي، وإذا كانت نزعته الأشعرية تدفعه إلى استنكار علم الكلام القريب الصلة بالمنطق والفلسفة، والذي توكأ عليه المعتزلة خصوم الأشاعرة، فأي حجة يملكها الغزالي في التهوين من شأن الاشتغال بالطب؟ وهو يعرف أنه لا غنى للناس عنه، ولا صلاح لحياتهم إلا به؟! بل كيف يرى الاشتغال بالنحو والصرف مضيعة للعمر، وعليهما، وعلى المعرفة بالأساليب عامة، تتوقف المعرفة بالشرع، والفقه لكتاب الله، وعلى قول القدماء، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب!

غير أنه يقول في مكان آخر من نفس الرسالة: «أيها الولد المحب». «ينبغي لك أن يكون قولك وفعلك موافقًا للشرع، إذ العلم والعمل بلا اقتداء الشرع ضلالة». في هذا الاقتباس نجد توسيعًا للمعنى لا يحول بين المسلم الطائع العامل بمقتضى الشرع، والاشتغال بالعلوم الدنيوية التي تتم بها مصالح العباد، فليس في الطب، أو الهندسة أو الشعر، أو الفلك في ذاته ما يجعل العلم به حرامًا أو مكروهًا أو ما يحول بين العمل به والنجاة في الآخرة وإنما الانحراف بهذه العلوم كالانحراف بعلوم الشرع ذاتها هو الذي يؤدي إلى التهلكة. وفي مكان آخر من الرسالة ينبه الغزالي إلى ما ذكره في أحياء العلوم، فيقول إنه قد وجب على السالك أربعة أمور أولها: اعتقاد صحيح لا يكون فيه بدعة، وثانيها: توبة نصوح لا يرجع بعدها إلى الذلة، وثالثها: استرضاء الخصوم حتى لا يبقى لأحد عليك حق، ورابعها: تحصيل علم الشريعة قدر ما تؤدى به أوامر الله تعالى.

إن هذا الاقتباس غاية في الروعة حقًّا، والدقة أيضًا، من حيث يربط العلم بمعناه الواسع بالسلوك الأخلاقي للعالم، ويربطهما معًا بالقدْر الضروري من الوعي بالشريعة، التي توجه العلم والسلوك معًا، دون أن تحجر على نوع من العلوم، إلا ما أدى إلى معصية، أو الحرف به صاحبه عن رسالته في خدمة الخلق وحماية الحياة العامة أن الحياة الشخصية للإمام الغزالي تعطي هذا الانطباع ذاته، فقد اشتغل بإلقاء الدروس في المدرسة النظامية ببغداد، وبمسجد دمشق الجامع، ثم ببيت المقدس وزار مصر، وتجول في بلاد فارس ذهابًا وعودة، فكانت له حياة عاملة متجددة، وخبرات متنوعة، ولا ينفى زهده وانقطاعه للعيادة في المرحلة الأخيرة من رحلة عمره أنه كان صاحب رسالة علمية أداها على وجه صحيح.

الرابط المختصر :