; التراث في رؤية عصرية.. الفرج بعد الشدة (2) | مجلة المجتمع

العنوان التراث في رؤية عصرية.. الفرج بعد الشدة (2)

الكاتب محمد حسن عبدالله

تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1987

مشاهدات 59

نشر في العدد 844

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 24-نوفمبر-1987

من القضايا الفكرية، التي درجنا في مستوى الدراسة الجامعية، على تلقيها بالصمت، أو القبول، قضية الخيال عند العرب، وما يترتب عليه من علاقة العرب وأدبهم بالفن القصصي، أو عدم علاقتهم به. فقد روج فريق من المفكرين الغربيين، مستشرقين وغير مستشرقين أن القدرة على التفلسف والاختراع والخيال المركب، قاصرة على الجنس الأوروبي وحده، أو الآري. أما الجنس السامي، ومنه العرب، فإنه عاجز عن التفلسف، لا يندهش لشيء، ومن ثم لا يخترع أيضًا، وخياله جزئي، أقصى امتداد له أن يبتكر استعارة أو كناية أو تشبيها، لكنه لا يستطيع أن يضع تصميمًا لعمل مركب كمسرحية أو قصة، تتعدد فيها المواقف، وتتفاعل الشخصيات، وتمضي فيها الحوادث المتنامية بين بداية ونهاية، وفق مخطط مدروس بدقة. هكذا تلقينا الحكم الصارم بأننا أمة محدودة الخيال. رغم أننا أصحاب ألف ليلة وليلة، النموذج الرائع للخيال الشرقي الزاهي، ولبلاد السحر والعجائب والرحلات الغريبة، في العصور الوسطى. وبرغم أن ساستنا ومفكرينا إذا ما تصدوا للدفاع عن بعض قضايانا في المحافل الدولية الغربية، قيل لهم: أنتم أيها العرب خیالیون، وينبغي أن تفكروا بواقعية وتعترفوا بقوة الواقع!

هكذا صرنا واقعيين عاجزين عن التخيل، حين يكون الخيال فضيلة، وصرنا -في نفس الوقت- خياليين غير قادرين على استيعاب الواقع، حين يكون الخيال نقيصة! وفي إطار الاتهام بالعجز عن الخيال المركب، عرفونا فعرفنا- أن تراثنا العربي لم يعرف الفن القصصي، وأن غاية ما نقل عن العرب مما يقارب هذا الفن، بعض الأخبار والنوادر، التي تنقل عن مجالس الكبراء والعلماء، دون أن تمر بمرحلة التأليف الأدبي، أي إعادة التشكيل، لتتحدد لها غاية جمالية وفكرية أو اجتماعية، مما ينبغي أن يكون للقصص من غايات تحمل الناس على قراءتها للمتعة والفائدة معًا.

وبعد: فإننا نتخذ من كتاب قديم منطلقًا لإعادة البحث في هذه القضية الحاضرة، والكتاب الذي نعني يسمى: كتاب «الفرج بعد الشدة» لمؤلفه المحسِّن بن علي المعروف بالقاضي التنوخي وعاش هذا القاضي في عصر بني بويه، أي العصر العباسي الثاني إبان القرن الرابع الهجري، وتولى منصب القاضي في البصرة وواسط، والأهواز، ولم تمنعه أعباء المنصب، وجلالة القضاء ورواية الحديث أن يلتفت إلى القصص الأخبار، فيجمعها، ويرتبها تحت عناوين فرعية، وفي إطار شامل بنى عليه عنوان الكتاب: «الفرج بعد الشدة».

وإننا إذ نتأمل هذا العنوان نجده قد اختير بسليقة فنية بارعة، فتركيب الحكاية داخل قصة، أو داخل المسرحية لم يضف جديدًا إلى الفرج بعد الشدة، أو لنقل حسب الترتيب المنطقي: شدة يعقبها فرج، حتى سماها النقد المعاصر: الأزمة لحل. أو أطلق عليها منظرو فن القصة القصيرة المعاصرون: الحادثة لحظة التنوير، بهذا الحس الفني الرهيف انتخب القاضي التنوخي مئات من الحكايات والأخبار والقصص المشروطة بوجود أزمة أو شدة يعقبها فرج، أو حل، أو نقطة تنوير، تكون ختامًا لها، فأمدنا بسيل زاخر من صور الواقع النفسي الاجتماعي لمختلف طبقات المجتمع العربي، في عصر المؤلف في القرن الرابع الهجري، وما سبقه من قرون وما أجدر كتاب "الفرج بعد الشدة" أن يضيف وضوحًا وعمقًا لصورة المجتمع، وحركته، في عصور لم تكن تعرف فيها مناهج الدراسة الاجتماعية أو النفسية، ولم تكن للطبقات الدنيا موضع اهتمام جدِي فهذا الكتاب يملأ ثغرة واضحة في مسار الثقافة العربية هو بصدد ما نحن فيه من مناقشة، عن صلة العرب القدماء بالفن القصصي، خير ما يقدم كوثيقة شاهدة على قيام هذه الصلة بقدر تجاوزت فيه المتاح للآداب القديمة، المناظرة في العصر، وفي الشكل، من الطبيعي ألا تكون قصص كتاب التنوخي جارية على مفهوم القصة القصيرة كما نعرفها اليوم، إننا لو طالبنا بذلك نكون في غاية التعسف، وإنكار دور الزمن وتجارب الأجيال في إنضاج التجربة، والبلوغ بها إلى غايات لم تكن معروفة في عصور سلفت. وإذا كان العرف النقدي يعتبر تشيكوف، وجي دي موباسان رائدين لفن القصة القصيرة فإن هذا يعني أن عمر هذا الفن لا يزيد على قرن إلا قليلًا، ويعني أيضًا أن ما نطالب به القاص الحديث لم يكن موجودًا في الشكل القصصي قبل هذين: الرائدين تشيكوف وموباسان. ثم علينا أن نعترف بأمر آخر، إذا أردنا أن ننصف أنفسنا وننصف الحقيقة العلمية، وهو أن لكل شعب، ولكل ثقافة تقاليد وخصائص هي مما يميزها عن غيرها. وتؤكد أصالتها وإذًا فإنه من الظلم الفادح للحقيقة أن نقول إن العرب لم يعرفوا الفن القصصي، لمجرد أنهم لم يكتبوا قصصهم على طريقة موباسان أو على طريقة تشيكوف. فقد كانت لهم طريقتهم الخاصة.

لقد كان الارتباط بالواقع سمة أساسية، من هنا جاء الحرص على ذكر السند، أو راوية القصة، وأسماء شخصياتها في حالة أن يكون لهم وجود تاريخي، كما أدى الارتباط بالواقع إلى إيثار الطبقة الوسطى والطبقة الشعبية بكم زاخر من القصص والحكايات، تكشف عن أسرار حياة تلك الطبقات، التي لم تنل حظها من العناية.

وأخيرًا نتوقف عند الجانب الفني، تشكيل المادة القصصية، وهو العامل الحاسم الذي يجعل من هذه الروايات الإخبارية عملًا فنيًا، أو مجرد سرد تاريخي. وقد أشرنا من قبل إلى أن اختيارات القاضي التنوخي جاءت مشروطة بالأزمة والحل أو الشدة ثم الفرج كما آثرنا في عنوان كتابه، ومعنى هذا أن الاختيار قام على التركيب الفني أساسًا. ولكنه تجاوزه إلى أسلوب الصياغة، وإلى التصرف في الشكل الفني، تصرفًا ينبغي أن نعرف به، لأنه من المنجزات ذات القيمة الفنية، التي تنسب إلى عصرنا، ومع هذا نجدها في مؤلفاتنا التي مضى عليها ألف عام، لقد استخدم التنوخي الوصف والحوار والتحليل، بالطريقة التي يستخدمه بها الكاتب القصصي المعاصر، ولكنه أكثر من ذلك استخدم أسلوب: القصة داخل القصة، وهذا الأسلوب لم تعرفه القصص والروايات إلا مؤخرًا، وحين ابتکر براندللو أسلوب «المسرح داخل المسرح» في أوائل هذا القرن، اعتبر علمه كشفًا غير مسبوق، كما أننا نجد القصة التي تروى على التتابع، من وجهات نظر مختلفة، فيذكر الحكاية كما رآها شخص محدد، وإلى المدى الذي رآه هذا الشخص، ثم يبدأها شخص آخر، فيكشف عن مرحلة أخرى لم يعرفها الأول، وتفسير مختلف يدعمه بما رآه، ثم يظهر ثالث، وربما رابع، على النحو الذي نهجه نجیب محفوظ في رواية واحدة من رواياته، وهي «ميرامار»، بل إن القاضي التنوخي اهتدى بغريزته الفنية إلى استخدام الرمز، وما يقرب من المعادل الموضوعي إذ نجد رجلًا بائسًا لا يملك غير طائر من نوع نادر، حبسه عنده ولا يستطيع إطعامه، وتقترب جرادة من الطائر، فيعجز لضعفه عن اصطيادها، وصاحبه يرقبه، وكأنما يرقب نفسه، ويقرأ مصيره بين الرخاء والبؤس في محاولة هذا الطائر الضعيف وبعد أكثر من محاولة فاشلة، يبتلع الطائر الجرادة، ويرضى عن نفسه، وينام، وهنا ينتعش الأمل في قلب الرجل، ويخرج من بيته يبحث عن فرصة عمل.. ويجدها.

هذه بعض ملامح سريعة، من کتاب قديم، كتاب الفرج بعد الشدة، للقاضي التنوخي، وقد هدفنا إلى التنبيه لفضله بشكل عام، وأثرنا من خلاله قضية حاضرة قضية طبيعة الخيال العربي، وعلاقة العرب بالفن القصصي، ونرى أن هذا الكتاب قمين بإنصاف تراثنا القصصي، وتنوير فكرتنا عن الخيال عند العرب.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 18

111

الثلاثاء 14-يوليو-1970

الفكر في الصليبخات

نشر في العدد 2101

940

الثلاثاء 01-نوفمبر-2016

شيء من الترويح!