; التراث في رؤية عصرية (5).. تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب | مجلة المجتمع

العنوان التراث في رؤية عصرية (5).. تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب

الكاتب محمد حسن عبدالله

تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1987

مشاهدات 58

نشر في العدد 847

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 15-ديسمبر-1987

منذ عدة أعوام احتفل العالم الإسلامي باستهلال القرن الخامس عشر الهجري، والمسلمون- في كافة أنحاء الأرض- في عصر نهضة وطموح لتأكيد دورهم التاريخي الذي قاموا به من قبل، تجاه الإنسانية جمعاء، ولهذا تخلت احتفالاتهم بالقرن الجديد عن الإثارة الخطابية، إلى الدعوة العلمية، وتنظيم الجهد لتنوير الفكر المعاصر، عند المسلمين وغير المسلمين، فيما يتعلق بروح الإسلام وأثره العظيم في توجيه الحضارة الإنسانية، وتنقيتها، لتكون خالصة لله سبحانه ولصالح البشر كلهم، حين كانت هذه الحضارة الإسلامية القمة والقيادة الفاعلة في العالم القديم.

وقد كان من نصيب الكويت أن احتضنت فكرة العناية بالطب الإسلامي، فأقيم له أكثر من مؤتمر، نشرت أبحاثها مع إيضاح للفكرة والإطار الواسع الذي تشمله.. وهو توجه موفق، فللطب في الإسلام تاريخ عريق، وكتاب ابن أبي أصيبعة المسمى «طبقات الأطباء» يدل على ما كان للطبيب العربي المسلم أو غير المسلم، في ظل الحضارة العربية الإسلامية، من اطلاع واسع على أسرار الطب في الحضارات السابقة، وبخاصة عند اليونان والرومان، وما كان له من مبتكرات في مجال العلاج بالعقاقير، وبالجراحة أيضًا، وما تمتع به من مقدرة على اكتشاف المرض وتشخيصه.

في الكتاب التذكاري الذي أصدرته وزارة الصحة العامة بالكويت، متعاونة مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، نجد عددًا من البحوث يحاول أن يحدد مفهوم الطب الإسلامي.. من ذلك ما حاوله بعضهم من الإجابة على تساؤل متوقع: ما هو الطب الإسلامي؟ هل هو الطب القديم الذي لا يزال يمارس في الشرق على أيدي من يطلق الناس عليهم لقب حكيم؟ هل هو الطب الطبيعي الذي يعتمد أكثر ما يعتمد على الأعشاب، واتباع النظم الغذائية وتكييف أسلوب الحياة؟ هل هو الطب الذي يقتصر على التعاليم الدينية، المتصلة بالصحة، التي نجدها في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة؟ هل هو شفاء المرضى عن طريق الإيمان والدعاء وحسب؟

بعد طرح هذه السلسلة من الاحتمالات يأتي الجواب، فالطب الإسلامي يشمل كل هذه الجوانب، وهو طب رائد، لأنه موجه وهادف، ولأنه يرتكز على الإيمان والأخلاقيات السماوية، ولأنه طب شامل، يهتم بالجسد والروح، ويهتم بالفرد والمجتمع، ولأنه- أخيرًا- طب كوني، يمتد إلى كل المصادر النافعة يطلب عونها ويتقدم إلى كل البشر يؤدي خدماته لصالحهم، ولصالح العلم.

هذا إذن هو الإطار العام للطب الإسلامي وقد لا يختلف في شيء عن إطار الطب الذي لم يطلق على نفسه صفة الإسلامية، وهنا يكون الفرق في إعلان المبدأ، والعمل على تحقيقه من منطلق إيماني.

هذه توطئة ضرورية، أثارها كتاب قديم، يحظى بقدر كبير من الشهرة عند المشتغلين بالتراث، والمهتمين بالتاريخ العلمي للعرب، والمعالجين بالوصفات الشعبية التي تعتمد على ما يبيع العطار من نبات الأرض، ومستخلصات الحيوان والمعادن، ويرونه أكثر أمانًا من المركبات الكيميائية، التي بدت- في رأي هذا الفريق- أقوى حسمًا للداء، فإنها لا تخلو من خطر، يسمى علميًّا: الآثار الجانبية.

الكتاب الذي نعني عنوانه: «تذكرة أولي الألباب، والجامع للعجب العجاب» من تأليف داود الأنطاكي، والاسم الشائع للكتاب هو: تذكرة داود! لقد أسبغت التراجم القديمة على دواد أعظم الألقاب، تقديرًا لعلمه وفنه في الطب، فهو الحكيم الماهر الفريد، الطبيب الحاذق الوحيد، أبقراط زمانه وجالينوس أوانه. ولا تنم هذه الأوصاف على شيء من المبالغة، فكتاب التذكرة يدل على احتواء هذا الشيخ الأنطاكي، لعلوم سابقيه من عظماء الأطباء، من اليونان، والرومان، والسريان، والفرس، والعرب، ولديه من أمانة العلم ما يجعله يسند كل رأي أو ابتكار إلى صاحبه. وقد كان داود صاحب التذكرة، يملك عقلية علمية منظمة، ومعرفة واسعة تتجاوز ما نطلب من الطبيب أن يعرفه في أيامنا، فهو خبير بأنواع النبات، أو لنقل النبات الطبي بخاصة، ومثل ذلك يقال عن الحيوان، وعن المعادن أيضًا، وخبرته تشمل هذه الأنواع مفردة، ومركبة، كما تشمل كل ما يتعلق بها.

فيقول مثلًا عن «الأطريال»: تعريبه: رِجْل الطير، ويسمى أيضًا جزر الأرض، وهو كالشبت ساقًا، والخلة صفة، لكنه مفرق وزهره أبيض يخلف بذرًا على الغبرة، حاد حريف حر الطعم ثقيل الرائحة، إلى طول مشرف للأوراق، يقطف من نصف أيار، إلى نصف حزيران، ويغش بالخلة، ويعرف بالحب، وبالبقدونس، ويعرف بنقص المرارة، ويستأصل شأفة البلغم، وينقي الكلى والمثانة، ويفتت الحصى شربًا مع العسل، ويجفف الجرح ضمادًا، أما نفعه من البرص، فأمر يقيني كما تقرر.

بمثل هذه الإحاطة المركزة يعرض داود الأنطاكي في تذكرته لعشرات من أنواع النبات، والحيوان، وأكاسيد المعادن، مبديًا اهتمامًا إلى الصفة والصورة، والأثر والغاية، وهذا ينبع من منهج علمي له نصيب واضح من الدقة يزاول بوعي، إذ يقرر في إحدى قواعده أن لكل موجود أربعة جوانب: مادية وهي الأصل، صورية وهي العين أو الماهية، فاعلية وهي المؤثرة، وغائية وهي لجواب: لمَ وُجِدَ؟

في هذا الكتاب الطبي علم غزير ومعرفة تنتمي إلى عصرها، وما قبل عصرها، وهو يعطي صورة مشرقة عن الطب الإسلامي، في مكانته العلمية وانفتاحه وإفادته من تجارب السابقين من غير المسلمين، وفي عنايته بالمبدأ الأخلاقي للطبيب ولعملية التطبيب ذاتها، وفي اهتمامه بالجوانب النفسية المعنوية للمريض، ويكفي أن نذكر من كلماته في مقدمة كتابه «التذكرة»: ينبغي لهذه الصناعة الإجلال والتعظيم والخضوع لمتعاطيها لينصح في بذلها، وينبغي تنزيهه عن الأراذل، والضن به- أي بالطب كعلم ومهنة- على ساقطي الهمة، لئلا تدركهم الرذالة عند واقع في التلف فيمتنعون، أو فقير عاجز، يكلفونه ما ليس في قدرته». ويردد عهد أبقراط على تلاميذه وما يدعو إليه من التزام خلقي، ونزاهة عملية.

في كتاب تذكرة داود ملاحظات علمية دقيقة وتعاريف واصطلاحات وأساليب في المعالجة تحتاج إلى مراجعة، بل فيه خرافات تسربت إليه من خلال الرأي الشائع بين الناس. وهذا كله في حاجة إلى جهد جديد، نحدده في كلمات: إننا لا نستطيع أن ندعو إلى تغيير في التراث الذي انحدر إلينا من أجدادنا، فالتغيير يعني التزييف، ولكن هذا التراث- إذا شئنا له الحياة والاستمرار- لابد أن يخضع لعملية انتقاء، وتمحيص، وتعليق تحدد مكانه التاريخي، ومكانته في عصرنا، وما يمكن أن يستمر من إنجازاته في عصره الذي انقضى.

والطب الإسلامي كقضية حاضرة، ينبغي أن تستمر العناية به بالأسلوب العلمي الذي كان البداية، ومن هنا تكون العودة واجبة إلى تراثنا الطبي، بعرضه على محك المعرفة العصرية، ليس لتنوير فكرتنا عن التاريخ العلمي للعرب والمسلمين وحسب، وإنما لاستبقاء العناصر الصالحة من هذا العلم، وبخاصة أن العلم الحديث لم يتمكن إلى الآن من حل معضلات الوجود الإنساني، روحًا وجسدًا، وهذا يعني أن البحث عن بعض الحل في ماضي التجربة الإنسانية ليس بالضرورة رجوعًا إلى الوراء.

الرابط المختصر :