; التربية الحركية للقاعدة الصلبة.. نحو أفراح الآخرة (36) | مجلة المجتمع

العنوان التربية الحركية للقاعدة الصلبة.. نحو أفراح الآخرة (36)

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1973

مشاهدات 11

نشر في العدد 137

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 13-فبراير-1973

بالنية الحرة يحملها دعاة الدين القيم، وبالهمة المتوقدة يردفونها النية، يميزهم الله تعالى عن الخبيث، ويجعل الخبيث والكفر بعضه على بعض، أحزابًا وأئمة وأفرادًا، فيركمه جميعاً، فيجعله هباءً منبثًا، ويشفي صدور قوم مؤمنين.

وآية بدء هذا التمييز: أن يطلب جمعنا الاستدراك حثيثًا، فقد وصف الصالحون لنا سمات الابتداء لنأخذ بأحسنها، ولئن كان بعضنا قد نسي في ظروف غفلة فإن الله خير الغافرين، وليس له أن يقعد بعد الذكرى مع القوم الغافلين، وإن عنده لـذخيرة من فقه الأولين تعينه على سلوك سبل الرشد الفجاح الواضحة الموصلة إلى رب العالمين.

وقد انتهت بنا دراسة «الابتداء» إلى «أن العبد إنما يتطلع منازل السير إلى الله بقلبه وهمته، لا ببدنه».

والتقوى في الحقيقة: تقوى القلوب، لا تقوى الجوارح. قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32)، وقال: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ (الحج: 37)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «التقوى هاهنا» وأشار إلى صدره.

فالكيْس يقطع من المسافة بصحة العزيمة وعلو الهمة، وتجريد القصد وصحة النية، مع العمل القليل، أضعاف أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك، مع النصب الكثير والسفر الشاق، فإن العزيمة والمحبة تذهب المشقة وتطيب السير، والتقدم والسبق إلى الله سبحانه إنما هو بالهمم وصدق الرغبة والعزيمة، فيتقدم صاحب الهمة، مع سكونه، صاحب العمل الكثير بمراحل(1).

استعلاء تبغضه النَصَبُ

وإنما أرشدك الصالحون طريق الاستعلاء والسيادة بالنية والهمة، وعليك تعبه وركوب مصاعبه، وذلك:

أن السيادة نهج واضح الوعر(2)

وليس أمرها بالهين، وإنما هي قول ثقيل ألقاه الله على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى أتباعه، يجب أن يسودوا.

﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (التغابن: 11).

وتخففه النية، فيتعاظم تأثير التعب القليل بصلاحها، كما أشار ابن القيم آنفًا، وكما أشار الذين وصفوا الابتداء من قبله.

ولكن هداية القلب، وإضاءة النفس، ونهضات الهمة، إنما يذكيها الجد، فإن أرادهن دائمة: أدام جده، وهو معنى قولهم: «استجلب نور القلب بدوام الجد»(3).

فلابد من الجد الدائم، لأن خواطر الفكر دائمة، وحركات الجوارح دائمة، فإن لم يكن الجد معهن دائمًا شغلهن بما هو دونه أو ضده، فيكون الهبوط من بعد الاستعلاء، يحذرك إياه عبد الوهاب عزام، وينبهك أن:

الفكر لا يحد واللسان لا يصمت، والجوارح لا تسكن.

فإن لم تشغلها بالعظائم: شغلتها الصغائر.

وإن لم تعملها في الخير: عملت في الشر.

إن في النفوس ركونًا إلى اللذيذ والهين، ونفورًا من المكروه والشاق، فارْفَع نفسك ما استطعت إلى النافع الشاق، ورضها وسقها على المكروه الأحمد، حتى تألف جلال الأمور وتطمح إلى معاليها، وحتى تنفر من كل دنية وتبرأ من كل صغيرة.

عليها التحقيق: تكره الإسفاف.

عزفها العز: تنفر من الذل.

وأذقها اللذات الروحية العظيمة: تحقر اللذات الحسية الصغيرة(4).

وأنت صاحب إيمان.

و«حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان، لأنه يجاهد نفسه كذلك في أثناء مجاهدته للناس، وتتفتح له في الإيمان آفاق لم تكن لتتفتح له أبداً وهو قاعد آسن ساكن، وتتبين له حقائق في الناس وفي الحياة لم تكن لتتبين له أبداً بغير هذه الوسيلة، ويبلغ هو بنفسه وبمشاعره وتصوراته، وبعباداته وطباعه وانفعالاته واستجاباته، ما لم يكن ليبلغه أبداً بدون هذه التجربة الشاقة العسيرة.

وهذا بعض ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة: 251)، وأول ما تفسد: فساد النفوس بالركود الذي تأسن معه الروح، وتسترخي معه الهمة، ويغلفها الرخاء والطراوة، ثم تأسن الحياة كلها بالركود، أو بالحركة في مجال الشهوات وحدها، كما يقع للأمم حين تبتلى بالرخاء(5).

وأتعب الناس من جلت مطالبه(6)

وأنت حر كريم.

ولا يرضى الحر الكريم إلا أن يبلغ الأمد الأبعد في كل ما يحاوله، فلا يألو أن يبذل جهده إلى غاية الطاقة ومبلغ القدرة، مستمدًا قوة من بعد قوة، محققًا السحر القادر الذي في نفسه، متلقيًا منه وسائل الإعجاز في أعماله، مرسلًا في نبوغه من وهج دمه أضواء كأضواء النجم ثبتت لكل ذي عينين أنه النجم لا شيء آخر(7).

وأنت صاحب غاية.

وإنما يوصل الداعية إلى غايته: شغفه بدعوته وإيمانه، واقتناعه بها، وتفانيه فيها، وانتظامه إليها بجميع مواهبه وطاقاته ووسائله، وذلك هو الشرط الأساسي والسمة الرئيسية للدعاة(8).

وأنت طالب نفوذ إلى الله.

و«طالب النفوذ إلى الله والدار الآخرة، بل وإلى كل علم وصناعة ورئاسة، بحيث يكون رأسًا في ذلك يقتدى به فيه، يحتاج أن يكون شجاعًا مقدامًا، حاكمًا على وهمه، غير مقهور تحت سلطان تخيله، زاهدًا في كل ما سوى مطلوبه، عاشقًا لما توجه إليه، عارفًا بطريق الوصول إليه، والطريق القواطع منه، مقدام الهمة، ثابت الجأش، لا يثنيه عن مطلوبه لوم لائم ولا عذل عاذل، كثير السكون، دائم الفكر، غير مائل مع لذة المدح ولا ألم الذم، قائمًا بما يحتاج إليه من أسباب معونته، لا تستفزه العارضات، شعاره الصبر، وراحته التعب»(9).

محنة الفراغ والغفلة

ويجتمع كل هذا الكلام الحق ليقرر أن محنة الداعية المسلم لا تكون في معارضة الكفر له، ولا في سجنه، وتعذيبه وتجويعه، بقدر ما تكون في استرخاء همته والتذاذه بالراحة.

ما محنة الداعية إلا لهوه وغفلته وجلوسه فارغًا، وربما زاد فينتج له باب من اللغو بعد اللغو.

تلك هي المحنة الحقيقية التي تفتعلها الجاهلية للدعاة بما تعرض للناس من مغريات وأسباب لهو وتلفت أنظارهم إليها.

وما انتصار الداعية إلا في أن تعاف نفسه ما لا يؤثر في تقدم دعوته.

إن غفلة الداعية محنة، لأنها سرقته من نصر ممكن يحققه له الجد والعمل الدائب، وعن أجر وثواب أخروي ليس له من مقدمة إلا هذا الجد.

وسيشهد اسمنا مكتوبًا في سجل الغافلين الفارغين ما دمنا لا نعطي للدعوة إلا فضول أوقاتنا، وما دمنا لا نشغفها حبًا ولا نتخذها حرفة.

إن الداعية المسلم لا يملك نفسه حتى يسوغ له أن يمنح نفسه إجازة، وإنما هو -كما شَبَّهَهُ بعض الفاضلين: »وقف لله تعالى».

تمامًا كنسخة القرآن الكريم حين توقف لله تعالى وتوضع في مسجد من مساجد الله. لكل داعية موقوف لله، في جزء من أجزاء دعوة الله.

وإن فضول الأوقات ليست قليلة ومحدودة فحسب، وإنما هي أردأ ساعات اليوم، حيث يكون فيها الذهن والجسم متعبين أشد التعب.

وما تجاوز الأستاذ المودودي إعراب أجيال الدعاة حين صارحنا في تذكرته القيمة وقال:

«إنه من الواجب أن تكون في قلوبكم نار متقدة تكون في ضرامها على الأقل مثل النار التي تتوقد في قلوب أحدكم عندما يجد ابنًا له مريضًا ولا تدعه حتى تجره إلى الطبيب، أو عندما لا يجد في بيته شيئًا يسد به رمق حياة أولاده ولا تزال تقلقه وتضطره إلى بذل الجهد والسعي.

إنه من الواجب أن تكون في صدوركم عاطفة صادقة تشغلكم في كل حين من أحوالكم بالسعي في سبيل غايتكم وتدمر قلوبكم بالطمأنينة وتكسب لعقولكم الإخلاص والتجرد والحنيفة وتركز عليها جهودكم وأفكاركم بحيث أن شؤونكم الشخصية وقضاياكم العائلية إذا استدعت اهتمامكم فلا تلتفتون إليها إلا مكرهين. وعليكم بالسعي أن لا تنفقوا لمصالحكم وشؤونكم الشخصية إلا أقل ما يمكن من أوقاتكم وجهودكم، لتكون معظمها منصرفة لما اتخذتم لأنفسكم من الغاية في الحياة. وهذه العاطفة ما لم تكن راسخة في أذهانكم، ملتحمة مع أرواحكم ودمائكم، آخذة عليكم ألبابكم وأفكاركم، فإنكم لا تقدرون أن تحركوا ساكنًا بمجرد أقوالكم»(10).

ولم يتجاوز حين كرر وقال ثانية إن:

«اسمحوا لي أن أقول لكم إنكم إذا خطوتم على طريق هذه الدعوة بعاطفة أبرد من تلك العاطفة القلبية التي تجدونها في قلوبكم نحو أزواجكم وأبنائكم وآبائكم وأمهاتكم فإنكم لابد أن تبوءوا بالفشل الذريع، بفشل لا تتجرأ بعده أجيالنا القادمة على أن تتفكر في القيام بحركة مثل هذه إلى مدة غير وجيزة من الزمان.

عليكم أن تستعرضوا قوتكم القلبية والأخلاقية قبل أن تهموا بالخطوات الكبيرة»(11).

إن من يطالب الدعاة الآن بإلغاء الراحة فإنه إنما يستند إلى مادة واضحة في قانون الدعوة والدعاة سنها عمر الفاروق رضي الله عنه تنطق بصراحة أن: «الراحة للرجال: غفلة»(12).

وجددها إمام المحدثين شعبة بن الحجاج البصري فقال: «لا تقعدوا فراغًا فإن الموت يطلبكم»(13).

وعنه نقلها معاصره حبيب العجمي إلى بغداد، وضمنها بعض تعريض يستحقه كل قاعد، فقال: «لا تقعدوا فراغًا فإن الموت يلذكم»(14).

فإن من أراد الراحة والسكون فإن الموت والقبر يزودانه منهما حتى يشبع.

وكأننا - والله - أهل لهذا الاستهزاء، فقد أسرفنا في الغفلة، ولا بد من عزيمة نفطم بها نفوسنا عن اللهو.

إننا حين نثبت جواز التمتع بالمباحات فلكي يعلم من نخاطبه أننا لا ندعو إلى مثل الطريقة المبتدعة التي كان عليها بعض الزهاد من الجوع والعري والرهبانية، وإلا فلا يزال جواب ابن الجوزي يصلح جوابًا لنا حين سأله سائل: «أيجوز أن أفسح لنفسي في مباح الملاهي؟» فقال: «عند نفسك من الغفلة ما يكفيها»(15).

كلمة ما أصدقها توقف المتطاول منا عند حده.

عندنا من الغفلة ما يكفينا.

فإن اعترض ملتذ براحته وقال: «ائتوني بكلام صريح فقهي بعيد عن المثاليات ومجازات البلغاء»؛ أجبناه بجواب ابن القيم، فإن فيه ما يبقي حجتنا، فكأنه رحمه الله جوبه بمثل هذا الاعتراض فقال: «لا بد من سنة الغفلة ورقاد الغفلة، ولكن كن خفيف النوم.» (16)

فنحن لا ننكر ما في المعنى الحرفي لإطلاقات من عاب الراحة من إرهاق، وإنما نريد - كما أرادوا - تقليلها إلى أدنى ما يكفي الجسم، كل حسب صحته وظروفه، خاصة وأن المؤمن في هذا الزمان أشد حاجة للانتباه ومعالجة قلبه وتفتيشه مما كان عليه المسلمون في العصور الماضية، ذلك أنهم كانوا يعيشون في محيط إسلامي عام، تسوده الفضائل، ويسوده التواصي بالحق، والرذائل تجهد نفسها في التستر والتواري عن أعين العلماء وسيوف الأمراء، أما الآن، فإن المدنية الحديثة جعلت كفر جميع مذاهب الكفار مسموعًا مبصرًا بواسطة الإذاعات والتلفزة والصحف، وجعلت إلقاءات جميع أجناس الشياطين قريبة من القلوب، وبذلك زاد احتمال تأثر المؤمن من حيث لا يريد ولا يشعر بهذا المسموع والمنظور، فضلاً عن ارتفاع حكم الإسلام عن الأرض الإسلامية التي يعيش فيها، فوجب عليه شيء من المجاهدة والمراقبة لوقته أكثر مما كان يجب على السلف.

ويا لله ما أصدق تصوير إمام تركيا بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله لهذه الحقيقة حين يقول: «إن هذه المدنية السفيهة، المصيرة للأرض كبلدة واحدة، يتعارف أهلها ويتناجون بالإثم وما لا يعني، بالجرائد صباحًا ومساءً، غلظ بسببها وتكاثف بملاهيها حجاب الغفلة، بحيث لا يخرق إلا بصرف همة عظيمة»(17).

فكن خفيف النوم أيها الداعية المسلم لتحصل لك هذه الهمة العظيمة.

وانتبه من رقدة الغفـــ                                     ـــــلة، فالعمر قليل

واطرح ســــــــوف وحتــــــ                                       ـــــى، فهما داء دخيل(18)

وهذا خطيب الجمعة ما برح يختم خطبته الأولى لك بقوله: «نبهني الله وإياكم من رقدة الغافلين» يأخذها لاحق من سالف، يعنون ما نعني.

وعبر الصالحون عن هذه المعاني أحياناً بلفظ آخر سموه: «حفظ الوقت»، أو: «تحصيل الوقت»، أو: «مراعاة الوقت».

فالحارث المحاسبي ينادي أن: «حصل الأوقات، واعرف ما يذهب به ليلك ونهارك»(19).

ويرى الإمام البنا أن: «من عرف حق الوقت فقد أدرك قيمة الحياة، فالوقت هو الحياة»(20).

أو كما قال في خطبة المؤتمر الخامس: «إنما الوقت هو الحياة» (21).. يخالف بذلك قول الماديين: «الوقت من ذهب».

وكان رحمه الله يحب أن يتجاوز الداعية معرفة حق وقت يومه إلى التخطيط لصرف وقت غده، فينوي لكل ساعة نوع خير، و: «ينام على أفضل العزائم»(22).

وترك الفراغ، والاستيقاظ من رقدة الغفلة، معناهما التعب، ثم التعب، واستفراغ الوسع في العمل لله. نطق بذلك الإمام الشافعي، ونفى أن تصح مروءة داعية يطلب الراحة، فقال:

«طلب الراحة في الدنيا لا يصح لأهل المروءات، فإن أحدهم لم يزل تعبان في كل زمان»(23).

ولما سئل أحد الزهاد عن سبيل المسلم ليكون من صفوة الله قال: «إذا خلع الراحة، وأعطى المجهود في الطاعة»(24).

فالداعية الصادق يخلع الراحة، ويعود لا يعرفها، وتصبح عنده ذكريات شبابه الأول وصباه فحسب.

وأما الإمام أحمد بن حنبل فقد ترجمت سيرته في المحنة هذه الأوصاف عمليًا، حتى قال لابنه:

«يا بني: لقد أعطيت المجهود من نفسي. (يعني: في المحنة)»(25).

وبذلك حدّ حدًا لا يسع الداعية النقصان فيه ولا التخلف عنه، فعلى الداعية بذل المجهود من نفسه، واستفراغ كل طاقته في خدمة الدعوة.

طريق رسمه الإمام أحمد لا يسعنا أن نحيد عنه، ومقدار قدره للدعاة ليس لهم أن ينفقوا دونه، نصيبًا مفروضًا، هو المجهود من النفس، وعلامته حين المحن: الصبر على الأذى حتى الموت، وعلامته في حياتك اليومية: إنك إن جئت إلى فراشك ليلًا لتنام وجدت لركبتيك أنينًا، وفي عضلاتك تشنجًا، لكثرة ما تحركت في نهارك.

وإنما نسميه التعب، والأنين، والتشنج، لغرض تفهيم الداعية الجديد، لأن هذه الاصطلاحات هي لغة أهله وعموم الناس الذين تركهم من قريب، وأما في لغة الدعاة فهو محض اللهو الذي تهفو إليه نفوسهم، وعنهم نقله البحتري في وصفه لممدوحه حين يقول:

قلبٌ يطلُ على أفكاره، ويدٌ                           تمضي الأمورَ، ونفسٌ لهوُها التعبُ(26)

ومن لا يعلم موازين المؤمنين يظن ذلك حرمانًا من لذة، وخداع ألفاظ، وغواية اتباع الشعراء، ولكن من أوتي علم الكتاب يعرف أن الراحة الحقيقية: راحة الآخرة، لا راحة الحياة الدنيا، ولذلك لما قيل للإمام أحمد:

«متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: عند أول قدم يضعها في الجنة»(27).

ولما تعجب غافل من متعب وقال له: «إلى كم تتعب نفسك؟»

كان جواب المتعب سريعًا حاسمًا: «راحتها أريد»(28).

«فالطالب الصادق في طلبه كلما خرب شيء من ذاته: جعله عمارة لقلبه وروحه. وكلما نقص شيء من دنياه: جعله زيادة في آخرته. وكلما منع شيئًا من لذات دنياه: جعله زيادة في لذات آخرته. وكلما ناله همّ أو حزن أو غمّ: جعله في أفراح آخرته»(29).

فهذا هو ميزان المؤمنين، وعلى دكة جامع الخلفاء المطلة على دجلة ببغداد كان ابن الجوزي يجهر به في مواعظه مذكرًا، ويرفع صوته:

«ما وصل القوم إلى المنزل إلا بعد طول السرى.. ما نالوا حلاوة الراحة إلا بعد مرارة التعب..

ما حظي الدينار بالنقش حتى صبرت سبيكته على التردد إلى النار: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ (المجادلة: 22).

من طلب الأنفس: هجر الألذ.

تلمّح فجر الأجر: يهن ظلام التكليف»(30).

ولعمرو الله ما هي بمرارة، ولا هو بظلام، ولكنها لغة اضطر لها كما اضطررنا ليعقل مراده الراقدون.

الهوامش

(1) الفوائد لابن القيم / 140.

(2) المختارات الشعرية المسماة بنزهة الأبصار 2/ 881.

(3) طبقات الشعراني 1/ 132.

(4) مجلة «المسلمون» 1/ 595.

(5) هذا الدين لسيد قطب / 10.

(6) نزهة الأبصار 2/ 876.

(7) وحي القلم للرافعي 1/ 65.

(8) للندوي في مقدمته لمذكرات الدعوة والداعية.

(9) الفوائد لابن القيم / 19.

(10)، (11) تذكرة دعاة الإسلام / 57، 59.

(12) أدب الدنيا والدين للماوردي / 82.

(13) طبقات الشعراني 1/ 49.

(14) ميزان الاعتدال للذهبي 1/ 212.

(15) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 422.

(16) الفوائد لابن القيم.

(17) المثنوي العربي للنورسي / 168.

(18) المدهش لابن الجوزي / 558.

(19) رسالة المسترشدين للمحاسبي / 144.

(20) مجلة «الدعوة» المصرية / العدد الخاص.

(21)، (22) المجموعة / 241، 498.

(23) تنبيه الغافلين للشعراني.

(24) تاريخ بغداد 3/ 75.

(25) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي / 339.

(26) ديوان البحتري 1/ 172.

(27) طبقات الحنابلة 1/ 293.

(28)، (29) الفوائد / 42، 189.

(30) المدهش / 154 مع بعض حذف.

الرابط المختصر :