العنوان التربية الحركية للقاعدة الصلبة (33)- ميزان التصاحب
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-1973
مشاهدات 5
نشر في العدد 134
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 23-يناير-1973
لم يكن بد للحركة الإسلامية من الاستعلاء على
المشاعر القومية والتربية على معاني الأخوة الإسلامية وهي ترى الأيام النحسات
تتوالى على أقوام الأمة الإسلامية حين أطاعت الذين برزوا فيها من الغلاة المسرفين،
فإنه ليس من قوم إلا وظهر فيهم متخبط، تعاطى سهم القومية، فعثر، وتولى بركنه يتهم
دعوة الإسلام ويماريها على ما ترى، ويهذر شططا، ويكون لها عدوا، ويبسط لها يده
ولسانه بالسوء.
و(أخوة المجتمعين) في التجمع الحركي هي- من
بعد- للتعالي على القوميات، وما من جزء من الحركة الإسلامية يقذف بنفسه في ميدان
العمل العام قبل إحلال معاني الأخوة الإيمانية في أعضائه إلا ذاق وبال تساهله
وتفريطه، ولا مناص من تدرج بدايته الإيمان والتسبيح واستغلال دقائق الليل الغالية،
ويكتفي فيه (أدب الأخوة) مترجمًا في تناصح وتكافل وتحابّ يجمع القلوب ويعلمها
التحالم- إن لم يكن الحلم- عند إبطاء المقصر، وتجاوز الملحاح، مثلما يعلمها
المكافأة والوفاء والشكر عند إسراع المبادرة وعدل الخفيض الجناح.
لقد أحب الإمام البنا هذا الأدب للدعاة، ووضع
له منهجا بحيث «يرفع أخوتهم من مستوى الكلام والنظريات إلى مستوى الأفعال
والعمليات»(1)، ورأى رحمه الله من تآخي الرعيل الأول ما أقرّ عينه حيًا، وبرهان
وفاء محبيه من بعده أن يكونوا دومًا عند محاسن هذا الأدب، وأن يفيئوا إليه عند أول
انتباهة إذا أنستهم الغفلات..
إنها نعمة الأخوة.. يجعلها عمر بن الخطاب رضي
الله عنه أثمن منحة ربانية للعبد من بعد نعمة الإسلام فيقول: «ما أعطي عبد بعد
الإسلام خيرًا من أخ صالح، فإذا رأى أحدكم ودًا من أخيه فليتمسك به»(2).
ويسميها التابعي مالك بن دينار: روح الدنيا،
فيقول: «لم يبق من روح الدنيا إلا ثلاثة: لقاء الإخوان، والتهجد بالقرآن، وبيت خال
يذكر الله فيه»(3).
ويحكر لها الشاعر صفة الذخيرة، فيقول:
لعمرك ما
مال الفتى بذخيرة ولكن
إخوان الثقات الذخائر (4)
ولهذا
كثرت توصية السلف بإتقان انتقاء الأخ الصاحب، لتصاب الذخيرة الحقة، والروح الحقة،
فكان من وصايا الحسن البصري سيد التابعين: «إن لك من خليلك نصيبا، وإن لك نصيبا من
ذكر من أحببت، فانتقوا الإخوان والأصحاب والمجالس»(5).
فأما
أولا: فقد عمموا صفة الخيرية بإطلاق تحكم الانتقاء، وعبروا عن ذلك بقولهم:
أنت في
الناس تقاس بالذي
اخترت خليلا
فاصحب
الأخيار تعلو وتنل
ذكرًا جميلًا (6)
ثم
خصصوا، ففسروا الخير بالتقوى، وقالوا:
نافس،
إذا نافست، في حكمة آخ،
إذا آخيت، أهل التقى
ما خير
من لا يرتجي نفعه يومًا،
ولا يؤمن منه الأذى (7)
ثم زادوا
وذهبوا أبعد، وعددوا صفاتهم، يعينونك على دقة الاختيار.
أعلى
صفاتهم: طيبة القول، ذكرها عمر رضي الله عنه فقال:
«لولا أن
أسير في سبيل الله، أو أضع جبيني لله في التراب، أو أجالس قومًا يلتقطون طيب القول
كما يلتقط طيب الثمر، لأحببت أن أكون لحقت بالله»(8).
ومن
صفاتهم: أن أحدهم يرفع عنك ثقل التكلف، وتسقط بينك وبينه مؤنة التحفظ. وكان جعفر
بن محمد الصادق رضي الله عنهما يقول: «أثقل إخواني عليّ من يتكلف لي وأتحفظ منه،
وأخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي»(9).
ومن
صفاتهم: ترك حضيض الدينار والدرهم، والسمو إلى العلا، وضربوا لذلك الإمام أحمد بن
حنبل في انتقائه الأصحاب مثلا، وذلك حين يقول الذي يطريه:
ويحسن في
ذات الإله إذا رأى مضيمًا
لأهل الحق لا يسأم البلا
وإخوانه
الأدنون كل موفق بصير
بأمر الله يسمو إلى العلا (10)
ومن
صفاتهم: مذاكرة الآخرة، كما قال الحسن البصري:
«إخواننا
أحب إلينا من أهلنا وأولادنا، لأن أهلنا يذكروننا بالدنيا، وإخواننا يذكروننا
بالآخرة»(11).
ومن
صفاتهم: الإيثار، وهو أحد أركان بيعة الشاعر صالح حياوي لهم حين يقول:
أبدا أظل مع التقاة، مع الدعاة العاملين
الناشرين لواء أحمد عاليا في العالمين
المنصفين المؤثرين على النفوس الآخرين
معهم أظل، مع التقاة، الدعاة مع المسلمين (12)
ومن
صفاتهم: بذل النصح، فأحدهم: «صالحٌ يعاونك في دين الله، وينصحك في الله»(13).
ويجمع كل
هذه الصفات: النفع في الدين فإنها الكلمة الجامعة المانعة، والمادة الموجزة في
قانون التآخي، يضعها زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم، فيقول: «إنما
يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه»(14).
فشأن كل
داعية ناشئ أن يرتاد لنفسه المجالس التي يزيد فيها إيمانه وعلمه، وأن يقصد المجالس
التي تنفع دينه، ولا يعرف مجالس اللغو واللهو وقتل الفراغ.
وشرح ذلك
إقبال بشطر حاسم، يريد لنا ألا نطيل القول بعده، فقال يدعو الله عز وجل:
هب نجيًّا
يا ولي النعمة محرما
يدرك ما في فطرتي
هب نجيا
لقنا إذا جنة ليس
بالدنيا له من صلة (15)
فهذا
جماع القول:
إن صاحب
الداعية المسلم: داعية آخر ليس بالدنيا له من صلة.
صلته
بالآخرة، وشوقه إلى الجنة.
بينه
وبين الدنيا انقطاع وجفاء.
إن تحريت
عنه وجدته.
إنه هو
صاحبك.
آخه،
وأحببه، واصحبه، وأعطه مثل الذي يعطيك، وإلا فإنك أنت العاجز، فإنه كان يقال:
«أعجز
الناس من فرط في طلب الإخوان وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم»(16)
فاطلب
الإخوان، ترفع عنك صفة العجز هدانا الله وإياك.
الهوامش:
(1)
المجموعة- رسالة التعاليم 28.
(2) علم
القلوب للمكي 225.
(3)
طبقات الشعراني 1/ 32.
(4) عيون
الأخبار لابن قتيبة.
(5) كتاب
الزهد لابن المبارك 232.
(6) نفح
الطيب للمقري 8/ 67.
(7) لأبي
العتاهية في ديوانه 25.
(8)
الزهد لابن المبارك 416، طبقات ابن سعد 3/ 290.
(9)
إحياء علوم الدين 2/ 188.
(10)
مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي 114.
(11)
إحياء علوم الدين 2/ 176.
(12)
مجلة التربية الإسلامية ببغداد 7/ 55.
(13) علم
القلوب 38.
(14)
تهذيب التهذيب لابن حجر 3/ 396.
(15)
ديوان الأسرار والرموز 71.
(16)
عيون الأخبار لابن قتيبة 3/ 1.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل