العنوان الترف والمادية. عواقب وخيمة
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2013
مشاهدات 72
نشر في العدد 2055
نشر في الصفحة 54
السبت 01-يونيو-2013
الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء بقدر، فقسم الناس إلى أغنياء وفقراء وأمم ترفل بالنعم والخيرات، وأخرى تعيش في مشقة وكبد، وجعل الدنيا دار اختبار ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾(سورة الملك: أيه رقم2)، وفي واقعنا المعاصر هناك شعوب تعاني الحاجة، كالشعب السوري المشرد والشعب الصومالي الجائع، والشعب البورمي المسلم المضطهد، وفي المقابل نرى أمما تتقلب في الترف وإنفاق الأموال في غير مواضعها.
إن ترف الأمم، وطغيان ماديتها، آفة قاتلة ومدمرة، ونذير خطر وشؤم، وسبب رئيس من أسباب العذاب، والحرمان من نصر الله وعونه، قال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66)﴾(سورة المؤمنون: آية رقم 64:66)، ﴿ وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13)﴾(سورة الأنبياء: أيه رقم11:13)
وعبر التاريخ كان المترفون يتمرغون في الوحل والطين حتى تترهل نفوسهم وتأسن، وترتع في الفسق والمجون، وتستهتر بالقيم والمقدسات والكرامات، وتنهش في الأعراض والحرمات، وهم مصدر هلاك ودمار، وخراب وبوار. عموا وصموا. ولم يجد فيهم نصح ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴾(سورة الإسراء: آية رقم16)، حين يطغى الترف تتعاظم الشقوة في الدنيا والآخرة، وتكون جهنم عياذا بالله من نصيب المترفين، بما فيها من دخان لافح وخانق، لا روح فيه ولا راحة، ولا يمنح وارده ريا ولا إنعاشًا، قال تعالى: ﴿ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) ﴾(سورة الواقعة: أيه رقم41:48)
ولا شك أن الشخص المادي يستنفد نشاطه في الاستلذاذ بمتع الحياة المادية ويستغرق فيها، دون أن يعرف حدا لمتعه، ومن ثم يستوي في انطلاقه فيها مع الحيوان ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾(سورة محمد: أيه رقم12)، والماديون، «يَتَمَتَّعُونَ ويأكلون كما تأكل الأنعام»، وهذا تصوير مزر يذهب بكل سمات الإنسان ومعالمه، ويلقي ظلال الأكل الحيواني الشره، والمتاع الحيواني الغليظ بلا تذوق ولا تعفف عن جميل أو قبيح، إنه المتاع الذي لا ضابط له من إرادة، ولا من اختيار، ولا حارس عليه من تقوى، ولا رادع عنه من ضمير.
أما الإنسان الذي يملك نفسه وإرادته، فهو يختار الطيب عند الله عن إرادة لا يخضعها ضغط الشهوة، ولا يضعفها هتاف اللذة ولا تحسب الحياة كلها مائدة طعام، وفرصة متاع بلا هدف بعد ذلك ولا تقوى، فيما يباح وما لا يباح.
إن الفارق هنا بين الإنسان والحيوان أن للإنسان إرادة وهدفا وتصورا خاصا للحياة يقوم على أصولها الصحيحة، المتلقاة من الله خالق الحياة، فإذا فقد هذا كله فقد أهم خصائص الإنسان المميزة لجنسه، وأهم المزايا التي من أجلها كرمه الله تعالى.
وينتهي هذا التصور المزري بالوقوف أمام الحقيقة التي يجب أن تعلم، وهي نهاية مطاف الماديين، إنهم يستهدفون الحيوانية في دنياهم، والنار تنتظرهم في أخراهم والنار متوى لهم، إنهم هؤلاء الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، ويصدون عن سبيل الله بكفرهم وعنادهم، ويحاولون طمسه وتشويهه ﴿ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴾(سورة ابراهيم: أيه رقم2:3).
إن استحباب الدنيا على الآخرة يصطدم بمنهج الحق، وليس الأمر كذلك حين تستحب الآخرة؛ لأنه حينئذ تصلح الدنيا، ويصبح المتاع بها معتدلا، ويراعى فيه وجه الحق فلا تعارض بين استحباب الآخرة ومتاع هذه الحياة، والذين يوجهون قلوبهم للآخرة، لا يخسرون متاع الحياة الدنيا-كما يقوم في الأخيلة المنحرفة-فصلاح الآخرة في الدين القيم يقتضي صلاح الدنيا، والإيمان بالله يقتضي حسن الخلافة في الأرض، وحسن الخلافة في الأرض هو استعمارها والتمتع بطيباتها.
إنه لا تعطيل للحياة في الإسلام انتظارًا للآخرة، وإنما تعمير للحياة بالحق والعدل والاستقامة ابتغاء رضوان الله تعالى وتمهيدا للآخرة، أما الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة فهم يصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجا، ويعيشون في دائرة الأنانية، ولا يخرجون منها.
إن هذه النزعة المزعومة هي الأخرى طريق للتنازع، لأنها توجه أهداف الأفراد المتلاقين نحو الغاية المادية وحدها، ونحو قصر الاستمتاع بنتائج النشاط الإنساني على المتع المادية دون سواها، وهنا تختفي معاني الأخوة والتسامح والتعاون، وكل ما يدخل في دائرة العلاقات الإنسانية. وتتوارد بدلا منها دوافع النفاق والانتهازية والمنفعية، كما يقوى الحقد، وتلعب أساليبه الخفية في الفرقة والخصومة النفسية المستترة، أو التي قد تبرز عندما يخف أمر الضوابط التي تحكم علاقات الناس.
وحسبنا أن ندرك أن الفكر المادي يقوم على مبدأ المادة وحدها في حياة الإنسان ومن ثم نشأ نوع من الفكر عرف باسم الفكر المادي التاريخي، وانتهى الأمر إلى الانحراف في التصور، والخداع في الإدراك، والكذب على حقيقة الإنسان، والتيه الذي لا دليل فيه، ولا هدى ولا نور، وختاما ندعو الله أن يجعل الدنيا في أيدينا ولا يجعلها في قلوبنا، وأن يرزقنا الحس المرهف تجاه الفقراء والمحتاجين والمنكوبين، لنؤدي واجبنا تجاههم.