; التشخيص المبكر لأمراض السرطان هو الطريق الوحيد للقضاء عليها | مجلة المجتمع

العنوان التشخيص المبكر لأمراض السرطان هو الطريق الوحيد للقضاء عليها

الكاتب د. سالم نجم

تاريخ النشر الثلاثاء 07-أبريل-1970

مشاهدات 67

نشر في العدد 4

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 07-أبريل-1970

في اليوم السابع من شهر نيسان  »أبريل«  من كل عام تحتفل الأوساط الطبية في كل بلاد العالم بيوم الصحة العالميّ، إحياءً لذكرى تأسيس منظمة الصحة العالميَّة.

وهي إذ تقفل ذلك، فإنما تقوم بواجب التذكير بأهداف المنظمة وما تسعى إليه من رفع المستوى الصحيّ لبني الإنسان جسميًّا وعقليًّا في كل بلاد الدنيا النامية منها قبل المتحضرة. وفي كل عام ترفع المنظمة شعارًاً واحدًا وتركِّز جهدها في التعريف به وتسليط الأضواء على فحواه ومغزاه، متوخية في ذلك الفَهْم السليم للثقافة الصحيَّة،  وسالكة لذلك كل سبيل من سبل الإعلام  »إذاعة- تلفزيون- صحافة- مطبوعات- لقاءات مهرجانات على كل المستويات«، وذلك معنى جميل من معاني توحيد الفكر وتكثيف المعرفة وتعميقها بين الجنس البشريّ حول موضوعٍ بذاته.

و نسوق أمثلة من الشعارات رفعتها المنظَّمة في الأعوام السابقة، ثُمَّ نأتي على شعار عامنا الحاليّ. فمن الموضوعات التي اهتَّمت بها المنظَّمة في السنين الماضية، نذكر: أثـر الضوضاء في صحة الإنسان، الصحة في عالم الغد، الإنسان والآلة. 

شعار ۱۹۷۰: التشخيص المُبكِّر لأمراض السرطان ينقذ المريض من الهلاك: تلك حقيقة واقعة وهي اللا خلاص من السرطان، إلا باكتشافه في مراحله الأولى وقبل أن يستشري في معظم الجسم.

ولكن كيف الوصول إلى ذلك؟

 ومن المسئول عن التشخيص المُبكّر؟

  أهو الطبيب؟ أهو المريض؟

 أم هي الدولة؟

 

 -1دور الطبيب

 من المسلَّم به أن مسئولية التشخيص المبكِّر- تشخيص الداء في أول نشأته، تقـع بالدرجة الأولى على الطبيب المعالج، فالواجب يقتضيه أن يضع في اعتباره احتمال وجود أورام خبيثة، وهو لذلك يأخذ بأسباب الكشف وإجراء ما يلزم من التحاليل التي تساعده على اكتشاف المرض في أوَّله.

 ولكن دون أن يكشف عن خبيئة نفسه أمام المريض أو أمام ذويه، حتى يتأكَّد لديه ما قد شَكّ فيـه، وبذلك يتجنَّب إحداث الأضرار النفسيَّة والماديَّة والصحيَّة التي قد تلحق بالمريض دون أدنى مبرر. بل يتحتَّم على الطبيب المُعالِج أن يستشير زملاءه إذا ما ساوره الشَكّ في وجود داءٍ سرطانيٍّ لدى المريض وبالصورة التي تعارف عليها أهل المهنة من الأطباء والمتخصصين.

 

 ۲  -ما دور المريض في الكشف على الداء من مبدئه؟

 لن أتعرَّض لذكر الأعراض التي تصيب المريض بالسرطان، لأنها متشابهة مع العديد من الأمراض غير السرطانيَّة، وحتى أتجنَّب إثارة الذعر والقلق في نفوس الناس، لأنني أعلم تمامًا أن الأعراض التي يشكو منها الكثير من المرضى لا تطابق تلك التي تخص الأمراض السرطانيَّة الخبيثة لدى الأطباء، ولكنها قطعًا لها وزن ثقيل لدى المرضى أنفسهم، والكثير منهم يتوهَّم وجود هذه الأمراض وهي غير واردة.

 إلا أنني أود أن أذكر بأن واجب المريض أن يُسارِع إلى طبيبه يستشيره حينما يشعر بأعراضٍ غير عاديًّة أو يحس بوجود أورامٍ في جسمه، أو تضخُّم في الأعضاء الداخليَّة،  محتويات البطن، أو في أي مكانٍ من الجسم. ولا بأس من مراجعة الطبيب في الحالات الحقيقية غير المتوهَّمة، من ارتفاعٍ دائم في درجة حرارة الجسم، مقاسًا بميزان الحرارة، أو بفقد الوزن بدرجةٍ ملحوظة، أو بآلامٍ مبرحة من أجزاءٍ من جسمه، أو بما هو حقيقي من الأعراض، دون الخيالات التي قد تُبنَى على ما يسمعه المريض من شخصٍ أصيب فعلاً بالسرطان وكان يشكو من أعراضٍ مشابهة يتخيَّلها المريض في كيانه، وهي في واقع الحال بعيدة عنه كل البعد. ومن المؤسف أن كثيرًا من الناس غير الأطباء يتطوعون بالتشخيص أو بالإشارة إلى وجود السرطان لدى مريضٍ ما، اعتمادًا على معلوماتٍ ناقصة أو مبتورة أو إشاعات مرضية لا تسمن ولا تغني من جوع.

وإني أحذر المرضى من الاستماع إلى أمثال هؤلاء المتطوعين والدخلاء على الطب وتشخيص الأمراض، وأولى بهؤلاء أن يسكتوا أو ينطقوا خيرًا، والحديث بدون علم كالفتوى بدون فقه.

3- مسؤولية الدولة في التشخيص المبكِّر.

 من الممكن أن نستعرض بعض الجوانب التي هي من صميم اختصاص الدولة ومسؤولياتها أمام شعوبها، وأبدأ فأقول:

 1 - العناية بالتوجيه الصحيّ:

 فالدولة عليها استخدام وسائل الإعلام المتنوعة من إذاعة وتلفزيون وملصقات وصحافة  وندوات، تربى في الشعب ثقافة صحيَّة سليمة بعيدة عن الإثارات والتشكيك والمبالغات، تبني ثقافتها الصحيَّة بين المواطنين على أساسٍ علميٍّ هادئ مدروس، بحيث تراعى فيه عقلية المواطن ومستواه الفكريّ والثقافيّ، وبهذا يكتسب الشعب حصانة ضِدّ الخرافات والإشاعات وهراء المتطفلين على العلوم الطبيَّة.

 

2- إعداد وسائل للتشخيص والتخصُّصات الطبيَّة:

من المعلوم في الأوساط الطبيَّة أن تشخيص الأمراض السرطانيَّة وخاصة في أوَّل حدوثها،  يعتمد على الوسائل الحديثة في أساليب التشخيص، ويعتمد كذلك على تدريب بعض أفراد الهيئة الطبيَّة تدريبًا لائقًا، كي يستطيعوا إجراء هذه الفحوصات بدرجةٍ كبيرة من الدقة والتحديد. وهذا لا يتأنى إلا إذا عَنيَت الدولة بتوفير هذه المعدات وتدريب المشتغلين عليها تدريبًا جيدًا.

 

3- توفير وسائل البحث العلمي:

 لا يمكن أن يتصور الإنسان أن يصل إلى حقيقة المرض إلا بعد التمحيص والدراسة.  كما أنه لا يمكن تصوُّر أن بالإمكان علاج مرضٍ ما إلا إذا عُرِفَ سببه وعُرِفَت الطريقة للقضاء عليه. وهذا وذاك لا يتأتى إلا بالبحث العلميّ وتكاتف التخصُّصات العلميَّة وتبادل المعلومات بين مراكز الأبحاث المشتغلة بهذه العلوم. ونحن جميعًا نعرف أن ما نطبقه الآن من وسائل التشخيص والعلاج كان منذ عشر سنوات -مثلًا- موضوعات للبحث في داخل المختبرات، بل أن البحث العلميّ الآن يدخل في كل صناعة بغية الوصول إلى الأفضل والأحسن والأسلم في كل مجالات المعرفة، علميَّة كانت أم نظريَّة، وإذا كانت الحكومات المختلفة تعني بشئون أبحاث الفضاء أو الدمار والحرب، فإن العناية بأبحاث أمراض السرطان لهي أجدر وأولى وأنفع لبني البشر.

نظرة تفاؤل:

 وإني لعلى يقينٍ من أن استمراريّة الأبحاث والدراسة والتنقيب عن أسباب الأمراض السرطانيَّة، سوف ينتهي حتمًا بالقضاء على هذه الأمراض الشرسة الخبيثة، ويخلِّص البشريَّة من شرورها وآفاتها، وما ذلك على الله بعزيز.

 

الرابط المختصر :