; التصور العام للشريعة الإسلامية_ ومصادر الشريعة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان التصور العام للشريعة الإسلامية_ ومصادر الشريعة الإسلامية

الكاتب محمد علي الحركان

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1977

مشاهدات 63

نشر في العدد 363

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 16-أغسطس-1977

القرآن هو الدستور الخالد لهذه الأمة الإسلامية.. 

عز المسلمين وشرفهم بتمسكهم بكتاب الله ورجوعهم إلى تحكيم شرعه

 فرمى رأسها فنضح الدم على وجه خالد فسبها، فسمع النبي -صلى الله عليه وسلم- سبه إياها فقال: «مهلًا يا خالد لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له، ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت»، وفي رواية «لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم».

 فانظروا أيها الإخوة إلى أي مدى تؤثر ربانية الإسلام في النفوس المؤمنة، حتى تجعل هذه المرأة تستسلم لحكم الله تعالى بطوعها ومحض إرادتها، وتتردد على رسول الله ملحة في طلب إقامة حد الله تعالى عليها، لاعتقادها الجازم بأن إقامة حد الله عليها طهرة لها من الإثم الذي ألمت به، وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، مع أنها لو ذهبت أو ذهب ماعز عندما ردهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما لاحقهما أحد، ثم انظروا إلى هذه الشهادة العظيمة التي شهد بها رسول الله لها، بأنها تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، فأين المسلمون اليوم من ربانية الإسلام وأين نحن من أولئك المؤمنين الصادقين؟!

جريمة الزنا والشروط المشددة في إقامة الحد على مرتكبها

 أيها الإخوة.. 

 إن هذه الجريمة النكراء وهي جريمة الزنى التي يعاقب الإسلام عليها ذكرًا كان أو أنثى، وهو الذي لم يتزوج من قبل ارتكاب هذه الفاحشة، بجلده مائة جلدة، ويعاقب عليها الثيب وهو الذي تزوج من قبل ارتكاب هذه الفاحشة ذكرًا كان أو أنثى، برجمه بالحجارة حتى يموت، فإن الإسلام لا يعاقب عليها بهذه العقوبة القاسية إلا بشروط مشددة جدًا، ومنها ثبوت ارتكابها ثبوتًا شرعيًا إما بإقرار المرء على نفسه أربع مرات إقرارًا صريحًا بأنه ارتكب هذه الفاحشة، وأنه أتى من المزني بها حرامًا مثلما يلقى الرجل من امرأته حلالًا، وذلك كما فعل ماعز بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإما بأن يشهد على ذلك أربعة شهود عدول شهادة صريحة بأنهم رأوه وهو يفعل هذه الفاحشة النكراء فعلًا صريحًا، مثل المرود في المكحلة، أو الرشاء في البئر، ولا يكفي في الشهادة أنهم رأوهما وهمها عاريان أو هما متضاجعان، أو وهما ملتصقان، كما أنه لا يكفي في ذلك شهادة أقل من أربعة شهود عدول، بل متى كان الشهود أقل من أربعة عدول فإنهم يعتبرون شرعًا كاذبين في شهادتهم، وتنزل بهم عقوبة حد القذف عملًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 4).

 وقال في الآية الأخرى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (النور: 13).

حرص الشريعة الإسلامية على ستر الأعراض ودرء الحدود 

 فانظروا أيها الإخوة إلى أي مدى تحرص الشريعة الإسلامية على ستر الأعراض ودرء الحدود.. يقول رسول الهدى -عليه الصلاة والسلام- في خطبته المشهورة في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا...».

 ويقول في حديث آخر: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه»... ومن هنا نعلم أنه متى فعل المجرم هذه الفاحشة النكراء علنًا، بحيث يستطيع أن يشهد عليه أربعة شهود عدول، ويرونه يأتي هذا الفعل حرامًا مثلما يأتي الرجل لم امرأته حلالًا، فإنه حينئذ يعتبر مستهترًا وخارقًا للنظام ومعتديًا على الآداب العامة، فلا يستحق الرأفة، بل يستحق أن ينزل به أشد العقوبة، حفظًا للنظام ومحافظة على الأنساب ودرءًا للفساد، لأن الله تعالى لا يحب المفسدين، ولذلك جاءت الشريعة الإسلامية بهذه العقوبة القاسية الرادعة، قال تعالى: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ (النور: 2)، وحكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ماعز وعلى الغامدية بالرجم لأنهما محصنان، فرجما بالحجارة حتى الموت.

لم يقع في الإسلام إقامة حد الرجم إلا نادرًا

أيها الإخوة..

 إنه لم يقع في الإسلام إقامة حد الرجم على الزاني إلا نادرًا جدًا، وذلك لعدم توفر شروطه المعتبرة شرعًا، وما حصل في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لماعز والغامدية، إنما كان بالاعتراف المحض رغبة في التطهر من دنس هذا الجرم في الدنيا قبل الآخرة، وهكذا بقية الحدود الأخرى من قتل القاتل، وقطع يد السارق، وإقامة الحد على المحاربين، فإن جميع شروطها المعتبرة شرعًا قطعًا لدابر الفساد في الأرض، وحفظًا على الأمن والنظام، قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: 179)، وقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة: 38).

 وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة: 33).

شريعة الإسلام هي شريعة الله الخالدة

 أيها الإخوة..

 إن شريعة الإسلام هي شريعة الله الخالدة التي بعث الله بها نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- إلى الناس كافة، وجعله خاتم النبيين، وجعل رسالته خاتمة الرسالات، فلا نبي بعده، ولا رسالة بعد رسالته إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء: 192 - 195)، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: 158).

 وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: 40).

 ولقد مضى الآن -بحمد الله تعالى- على هذه الشريعة الإسلامية أربعة عشر قرنًا، وهي لا تزال ثابتة الأركان قوية البنيان، محفوظة بحفظ الله تعالى، ويقيض الله تعالى لها في كل زمان ومكان من العلماء العاملين والأئمة والمهتدين، من يرد عنهم كيد الكائدين، وانتحال المبطلين، ويحارب المذاهب الهدامة، ويدحض الشبهات التي يحاول بها أعداء الإسلام فتنة المسلمين عن دينهم، وتمزيق شملهم، وتفريق كلمتهم، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)... وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تعالى».

بقاء الشريعة الإسلامية وثباتها راجع إلى ثبات مصادرها

 أيها الإخوة.. 

 إن بقاء هذه الشريعة الإسلامية طيلة هذه القرون، وثباتها الدائم راجع إلى ثبات مصادرها التي تكفل الله بحفظها إلى يوم القيامة، وراجع إلى ما حوته من قواعد أساسية صالحة لكل زمان ومكان، وراجع إلى أن هذه الشريعة تنزيل من حكيم حميد يعلم ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، ولذلك كانت هذه الشريعة شاملة وكفيلة بمصالح العباد، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (الأنعام: 115).

 بخلاف القوانين والدساتير التي هي من وضع البشر، فإنها خاضعة للتغيير والتبديل والنقصان ما بين حين وآخر، يقول تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 82).

مصادر الشريعة

 مصادر الشريعة الإسلامية التي لا تزال ثابتة القواعد، قوية الجذور على كر الأيام ومر العصور هي كما يلي:

«1» المصدر الأول: القرآن

 وهو الكتاب الكريم الذي نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين، وهو المصدر الأول الذي تتفرع عنه بقية المصادر الأخرى، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ  نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء: 192 - 195)، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ﴾ (ص: 29). 

وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (النحل: 102 - 103).

 قال الإمام الشافعي -رحمه الله- في كتاب الرسالة: فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة، إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم: 1)، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: 44)، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89)... إلى أن قال: والبيان اسم جامع لمعانٍ مجتمعة الأصول، متشعبة الفروع، فمنها ما أبانه لخلقه نصًّا مثل جمل فرائضه، في أن عليهم صلاة وزكاة وحجًا وصومًا، وإنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وحرم الزنى والخمر وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وبين لهم كيف فرض الوضوء مع غير ذلك مما بينه نصًا، ومنها ما أحكم فرضه بكتابه، وبين كيف هو على لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم- مثل عدد الصلاة والزكاة ووقتها، وغير ذلك من فرائضه التي أنزل في كتابه، ومنها ما سن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مما ليس فيه نص حكم، وقد فرض في كتابه طاعة رسوله والانتهاء إلى حكمه، فمن قبل عن رسول الله فبفرض الله قبل، ومنه ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض عليهم، فإنه يقول تبارك وتعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد: 31).

يتبع 

الرابط المختصر :