; التصوير لذوات الأرواح وحكمه في الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان التصوير لذوات الأرواح وحكمه في الإسلام

الكاتب عبدالرحمن عبدالله آل فريان

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يناير-1989

مشاهدات 47

نشر في العدد 901

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 24-يناير-1989

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آل وأصحابه، ومن اتبع شريعته واقتدى بهديه وأحبه وتولاه، أما بعد: فقد ساءني كثيرًا ما نشر في جريدة عكاظ، عدد 8111، وتاريخ 11\2 \1409هــ، بعنوان التصوير ليس حرامًا.

بالخط العريض فوقها: العلماء يجمعون على المصلحة في صفحة الفكر الإسلامي، أقول: أصبح الكثير من الناس يتحكمون على الشريعة الإسلامية، وصار الكثير من الجرائد منبرًا للتخريب، فمتى صحت حكاية إجماع العلماء؟ بل اختلط في هذا الزمان الحابل بالنابل.. ومن هم العلماء الذين يتعبر إجماعهم اليوم؟ يجب أن يكون عند الإنسان المسلم الخوف من الله- عز وجل- عن الكذب أو أقل شيء أن يكون عنده شيء من الحياء، وحاشا وكلا أن يتفق العلماء على مخالفة نص الرسول- صلى الله عليه وسلم- ولكن نظن أن بعض الكتاب تضايقوا من النصوص النبوية التي جاءت في تحريم التصوير عن نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم، وهو جاء بها عن ربه عز وجل كما قال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (النجم:2-4)، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه «لعن الله الصالغة والصالفة والشاقة في كتابه» فقامت امرأة فقالت: لقد قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أجد فيه: إن الله لعن الصالفة والحالقة والشاقة، قال: إن كنت قرأتِه فقد وجدتِه، قالت: لم أجده، قال: ألم تجدي فيه وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، فقالت بلى قال فهو ذلك. فيا عباد الله، إن من المصائب أن يكره الإنسان شيئًا مما جاء فيه الرسول- صلى الله عليه وسلم- أو يتحامل في رده هذا خطر عظیم، قال بعض العلماء في تعداد نواقض الإسلام العشرة؛ الخامس من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ولو عمل به كفر، فالأمر خطير كيف يتضايق المسلم من نصوص الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- ويلتمس لها التأويل والله يقول في كتابه الكريم، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (النساء:65) هذا والله مما يستغرب على أهل الإسلام

فالواجب أن نأخذ النصوص الشرعية بالاقتناع والرضا والتسليم وأن لا يبقى في أنفسنا حرج مما جاء به الرسول- صلى الله عليه وسلم- لأنه هو الحق، وما بعد الحق إلا الضلال أما نقل صاحب الجريدة عن بعض العلماء المعاصرين فليس دليلًا له، إنما الدليل ما قال الله أو قال رسوله- صلى الله عليه وسلم، ثم ذكره للشيخ العثيمين والشيخ البسام والشيخ ابن حميدة والشيخ البليهي والشيخ الفيفي والشيخ المطيري والشيخ العقلا؛ كل هؤلاء لو حاكموا صاحب الجريدة لأوقفوه عند حده لأنه نقل من كلامهم ما فيه احتمال وترك ما هو حجة عليه، وقد سأل أحد الإخوان الشيخ صالح البليهي، فقال: أنا لم أقل هكذا، وسأرد عليهم هذا الافتراء إن شاء الله، وحتى لو قدرنا أن أحدًا أباح ما حرمه الرسول- صلى الله عليه وسلم- ومنع منه لكان خطأ مردودًا عليه، وليس إباحته بحجة لأحد عند الله لأن كلًّا يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول- صلى الله عليه وسلم، كما قال مالك بن أنس رضي الله عنه: كلنا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر.

وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان والله يقول﴿لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 63)، وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وقال الشافعي رحمه الله: إذا قلت قولًا وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالفه فاضربوا بقولي الحائط، وفي رواية فاعلموا أني مجنون، وأما الواقع من الناس وفعلهم بعض الأشياء الممنوعة فليس بحجة وليس بدليل لأحد، والأحاديث الصحيحة الصريحة ظاهرة في هذا الشأن منها قول الرسول: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حبة وليخلقوا شعيرة» «متفق عليه»، وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله» (متفق عليه)

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول «كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم» «متفق عليه»، وعنه أيضًا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ» «متفق عليه»، وروي مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال قال علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته، وكذلك قصة القرام لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت عائشة ووجد خرقة على الطاقة هتك الستر بيده الشريفة، وقال ميطي عنا قرامك هذا، أما علمت يا عائشة أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة، قالت: أتوب إلى الله، فأخذتها فمزقتها وجعلت منها وسائد، وكذلك مبادرته- صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة لما وجد صورة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام على داخل جدار في الكعبة تغير وجهه وقال: قاتل الله المشركين والله ما استقسما بالأزلام قط فدعا بماء زمزم وحكها بعود ثم غسلها، هذا فعله- صلى الله عليه وسلم- في إزالة المنكر وطمس الصور، وذاك تقريره، وذاك الأول قوله، فهل يبقى للمجادل حجة، فأين التطبيق للنصوص يا عباد الله؟ 

أما يخاف العبد ربه ويتقيه ويقف حين تقف النصوص ولا يتحكم فيها ولا يتعدى حدودها؟، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة وأم حبيبة رضي الله عنهما حين ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأينها بأرض الحبشة وما فيها من الصور قال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور وفتنة الصور، لها فائدة الإنسان من تحليل ما حرم الله وفي تصوير ذوات الأرواح علتان منع التصوير من أجلهما هما مضاهات خلق الله ووسيلة للشرك كما جرى لقوم نوح لما صوروا صورة ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا، قال ابن عباس فلما هلك أولئك ونسى العلم عبدت قال الله تعالى:  ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ۖ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (نوح:23-24). 

وقد قرر العلماء المحققون المنع من التصوير سواء كان مجسدًا أو محيطًا أو مكتوبًا أو حبس ظل كالتصوير الضوئي أو بأي نوع كان، وهذا مقتضى النصوص الشرعية لأن الرسول لم يفرق بين المجسد وغيره، وقد جاء بلسان عربي مبين فلو جاء الحديث بلفظ من صور مجسدة أو منحوتة أو ذات ظل لقلنا به، أما ما دام النهي مطلقًا والعلة التي لأجلها منع التصوير موجودة والكل يسمى صورة فيبقى المنع على عمومه فلا يجوز لأحد أن يقيد ما أطلقه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يطلق ما قيده إلا بدليل من الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل مسألة جاء فيها خلاف فالمرجع الكتاب والسنة كما قال ربنا سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (النساء:59)، فما وافق النص فهو مقبول وما خالفه فهو مردود، فتصوير ما لا روح له جائز وما له روح حرام، وقد رد سماحة شيخنا مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله على من أجاز التصوير الضوئي من العصريين، وقد صنف شيخنا الشيخ عبد العزيز ابن عبدالله ابن باز، رئیس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد- سلمه الله- كتابًا سماه تحريم التصوير وذكر فيه الأدلة الشرعية أثابه الله، وأنها عامة ولم يستثن منها شيئًا وهو موجود، وطبع مرات عديدة، فكيف يسوغ تجاهل النصوص الشرعية؟، فيجب على ولاة الأمور أن يأخذوا على أيدي هؤلاء حتى يفيقوا إلى الرشد والعقل والتعقل، ولا يجوز أن يتركوا هكذا يسيئون إلى سمعة الدولة وإلى سمعة العلماء وإلى أنفسهم بمخالفة الشرع وتخطي أوامر رب العالمين ويسيئون إلى الجهال من الشعوب الإسلامية يضلونهم بغير علم، فنصيحتي لكل مسلم التمشي مع النصوص وعدم مخالفتها، أما من أجاب من العلماء بأن المكره معذور إذا كرهها بقلبه فهو صحيح أما من قال: إن تصوير طلبة حفاظ القرآن وما ينفع في الدين جائز ومباح فهو قول بلا دليل، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: من فقد الدليل ضل عن السبيل، ونسأل الله أن يهدينا وإخواننا المسلمين إلى صراطه المستقيم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قاله وكتبه/ رئيس الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم

بالرياض وتوابعها

«عبد الرحمن بن عبد الله آل فريان»

***

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 47

111

الثلاثاء 16-فبراير-1971

مع القراء (47)

نشر في العدد 481

81

الثلاثاء 20-مايو-1980

الإسلام والتصوير- ٣