العنوان التضحية في سبيل العقيدة.. معنويات ينبغي استلهامها
الكاتب شاكر محمود عبدالمنعم
تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1979
مشاهدات 56
نشر في العدد 446
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 22-مايو-1979
التاريخ رصيد ضخم من التجارب الإنسانية، فيه من التجارب الفاشلة والأساليب الملتوية بقدر ما فيه من التجارب الغنية والأساليب المستقيمة الشريفة، فيه العبر والعظات وفيه الانهيارات ودروس الشر أيضًا، فهو لذلك سلاح ذو حدين، وبناء على ذلك، فمن الممكن أن نصنف دارسي التاريخ إلي صنفين.
الأول: هو الذي يدرس التاريخ لينتزع منه العبر لدفع عجلة الإنسانية نحو الوصول إلي هدفها وتحقيق التطور المنشود.
والثاني: هو الذي يدرس التاريخ لينتفع من الالتواءات والانحرافات بغية ممارستها بكل ما فيها من الشر، مشيحًا بوجهه عن مقاصد التاريخ النبيلة، للوصول إلى غايات أنانية ميممًا وجهه شطر أمجاد كاذبة زائلة. وعلى هذا الأساس فإنه يتشبث بتفسير حوادث التاريخ وفقًا لمذاهب كثيرة مستبعدًا الجانب الروحي المهم في تفسير أحداث التاريخ. وربما انطبق على هذا الصنف قول القائل: «إن الدرس الوحيد الذي يستفيده الناس من التاريخ أن لا أحد يستفيد من التاريخ» ذلك لأنهم ذوبوا وعن عمد وسبق إصرار معاني الخير في التاريخ في خضم مطامع أنانية بائسة. مضيفين إلى الأخطاء أخطاء وإلى الالتواءات التواء بل وأحيانًا «انكسارات مدمرة»!
وفي حالات كهذه يفقد التاريخ معانيه الخيرة ودون أدنى شك.
على أن دارس التاريخ الإسلامي يجد نفسه منساقًا نحو استلهام العبر والدروس والاستفادة منها لأنها تمثل ضربًا من ضروب الكفاح الإنساني نحو أمجاد حقيقية تستهدف صلاح البشرية بأسرها، ولكن هذه الرؤيا لا يمكن أن تتضح، كما لا ينبغي لها أن تتضح، إذا كانت للدارس وجهة نظر مسبقة.
ويتجلى ذلك وبوضوح في أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذين بذلوا الأرواح والمهج والأولاد والأموال وقدموها قرابين على مذابح العقيدة السمحاء، التي جاءت لإسعاد البشرية برمتها.
ويرفد التاريخ البشرية بمعنويات عالية جدًا من خلال ما حفظه لها من تراث، أن تلك المعنويات التي يحلو للبعض التقليل من أهميتها ضرورية وأساسية على الدوام.
وينبغي أن لا نقارنها مع التقدم التكنولوجي لأنه خط ضروري وأساسي أيضًا . لكنه من غير المعنويات العالية يصبح أجوفًا قليل الجدوى. فليس بالتكنولوجيا وحدها يعيش البشر، ولقد عاش الإنسان ردحًا من الزمن بأقل ما يمكن من التقدم التكنولوجي حياة أهدأ وأكثر اطمئنانًا من الحياة التي عاشها في ظل التقدم التكنولوجي الصارم.
وحينها كان الإنسان يحس تمامًا بإنسانيته من خلال معنوياته. وقد يعيش الإنسان بغير معنويات، لكنها حياة خائبة ومخيبة للآمال. إنه إذن كالأنعام بل أضل، ولا مشاحة في أن انحلال وتفكك الجماعات وانهيارها وما أصاب أفرادها من أمراض عقلية ونفسية، ظهر في مجتمعات زخرت بتقدمها المادي التكنولوجي.
وأصبحت أحوال الإنسان متكهربة ديناميكية بعد أن كانت طبيعية. وعاد الإنسان فيها إلي حالة الطبيعة الأولى حيث القوي يتسلط على الضعيف.. ولذلك فالذي يبدو أن من الأصلح أن يساير التقدم التكنولوجي التقدم المعنوي.. ولابد من التكافؤ إن لم نرجح كفة التقدم المعنوي.
والمعنويات نستمدها من خلال مواقف تاريخية فردية كانت أم جماعية، وفي هذا المجال يطيب لي أن أتحدث عن بعض مواقف الصحابة رضي الله تعالى عنهم لنستلهم منها العبر والدروس علنًا نستطيع أن نغرس المعنويات في نفوس المهزومين، وما أكثرهم، رأفة بهم وبمجتمعاتهم.
إن تضحيات أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت قبل أربعة عشر قرنًا. وهذا يعني أن لها ظروفها الخاصة. وأن تقييمها يجب أن يكون وفقًا لتلك الظروف.
وإنها كانت تمثل اندفاعًا ذاتيًا غير مدفوع بعوامل خارجية في أغلب الأحوال. ويعبر هذا عن إيمان رصين بالأفكار التي حملوها والرسالة التي بشروا بها معتقدين جازمين بجدواها للإنسانية المعذبة. وهي قبل وبعد ذلك إرادة الله تعالى.
لقد صبر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على التعذيب في سبيل الله مثل بلال الحبشي وصهيب الرومي وآل ياسر. وكان المشركون يلبسون المسلمين أدراع الحديد ثم يوضعون في الشمس المحرقة. وأصيب سعد بن معاذ يوم أحد فوجد به بضعًا وثمانين ضربة، ومثل به المشركون حتى تغيرت معالم جسمه فلم تعرفه سوى أخته ببنانه. وحمل سالم مولى أبي حذيفة لواء المهاجرين فانقطعت يمينه ثم يساره فاعتنق اللواء إلى أن صرع.
وساق المشركون زيد بن الدثنة بن معاوية لينفذوا فيه حكمهم الجائر ويقتلوه بسبب إيمانه. وسئل أتحب أن محمدًا مكانك تضرب عنقه وأنت في أهلك. فقال: والله ما أحب أن محمدًا في مكانه تصيبه شوكة تؤذيه وأني في أهلي: فقال أبو سفيان -قبل أن يسلم: ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا ثم قتل سنة ٣ هجرية.
وقال النعمان بن مالك بن ثعلبة للنبي صلى الله عليه وسلم بلغة الواثق المطمئن من كلامه «لأدخلن الجنة» فسأله صلى الله عليه وسلم بم؟ فأجابه: بنطق الشهادة وعدم الفرار من الزحف. فقال له صدقت ومضى شهيدًا.
وقال معاذ بن عمرو الجموح أنه ضرب في اشتباك مع المشركين فطرحت يده لكنها تعلقت بجلده في جنبه وأجهضه القتال بعد أن قاتل عامة نهاره وظل يسحبها خلفه فلما آذته وضع قدمه عليها ثم تمطى بها حتى طرحها.
وقاتل عمرو بن الجموح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد وهو أعرج قد عذره الله عن القتال. وكان يدعو الله أن يرزقه بالشهادة حتى استشهد وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده أن منكم من لو أقسم على الله لأبره».
وكانت هند بنت عمرو بن حرام زوج عمرو بن الجموح قد وضعت أخاها وزوجها اللذين استشهدا في عدلين (حملين على الجمل) ولما سئلت ما الخبر؟ قالت خيرًا «دفع الله عن رسوله وعن المؤمنين واتخذ الله من المؤمنين شهداء» «ورد الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا» وحبس (أوقف) عبد العزيز بن زرارة ماله وأهله في سبيل الله وبايع الصحابة رضي الله عنهم النبي صلى الله عليه وسلم على الموت في أحد ومنهم أبو بكر وعمر وطلحة والزبير وسهل بن حنيف وأبو دجانة وكانوا يخرجون مع النبي صلى الله عليه وسلم للغزو وليس لهم طعام إلا ورق الشجر.
وعندما وقع عبد الله بن حذافة السهمي في الأسر من قبل الروم طلب منه ملكهم أن يتنصر ويشركه في ملكه فأبى فأمر به فصلب.
وأصيب عوف بن أبي حية البجلي وهو صائم في قتال الفرس فاحتمل وبه رمق فأبى أن يشرب حتى مات.
ورد معاوية بن ثور ما وهب له النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة قائلًا ضعها حيث ترى في مكايدة العدو.
هذه نماذج قليلة من التضحيات التي قدمها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يخامرني شك في أنها نماذج رائعة ولكنها كانت على مستويات وعلى درجات، تجلت فيها معاني الإيمان بأجلى صورها، وبغير المعنويات العالية يصعب تفسير وتحليل ما قدمنا من نماذج.
بعبارة أوضح بغير الإيمان بالله تعالى يصعب تحليل وتفسير هذه النماذج تاريخيًا.
ونحن عندما ندرس تلك النماذج وغيرها يجب أن نثبت مبدأ أساسيًا وهو: أن العقيدة الإسلامية تفرض التضحيات وأن التضحيات هي المقياس لدرجة الإيمان ومدى رسوخه.
وعندما ندرس تلك النماذج ينبغي أن نستلهم منها العبر فالجود بالنفس أسمى غاية الجود. فما بال أناس لم يطالبوا بأن يجودوا بأنفسهم ولكن الإسلام يطالبهم بحد أدنى وهو أن يصونوا أنفسهم ويترفعوا عما يشينها ملتزمين الآداب ومتمسكين بالقيم الروحية التي ضحى الكثيرون من سلفنا الصالح من أجلها؟!