; التطبيع.. اصطلاح جديد وممارسة قديمة | مجلة المجتمع

العنوان التطبيع.. اصطلاح جديد وممارسة قديمة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1980

مشاهدات 81

نشر في العدد 503

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 04-نوفمبر-1980

  • فهم حقيقة اليهود على ضوء الكتاب والسنة هو الأساس.

  • أركان المؤامرة هم اليهود والنصارى والشيوعيون يعاونهم دعاة القومية.

  • الإعلام المضلل وسيلة من وسائل «التطبيع اليهودي».

  • نشر الفساد في المجتمع يخدم عملية «التطبيع اليهودي».

  • ضرب الحركات الإسلامية جزء من خطة «التطبيع اليهودي».

  • عام 1936 نسِي ملوك العرب وعد بلفور وأشادوا بحسن نية صديقتهم بريطانيا!

جاء في لسان العرب:

الطبع: السجية، الطبيعة: السجية التي جُبل عليها الإنسان. طبعه: جعله على سجيته.

بدأنا نسمع بالتطبيع بعد البادرة المشؤومة وما تبعها من معاهدات أدت إلى الصلح بين مصر واليهود، وأعلنوا بعدها أنه ولإزالة الشعور بالعداوة بين الشعبين المصري والإسرائيلي لا بد من برمجة عملية تطبيع، أي بادعائهم العودة إلى علاقات طبيعية تحكم مستقبل العلاقات بين الشعبين على ضوء ما تم من صلح.

وكانت هذه التسمية في حد ذاتها خدعةً جديدة وتضليلًا آخر من سلسلة الخداع والأضاليل التي خططت لها اليهودية العالمية ونفذها أدواتها في المنطقة، فما حقيقة «التطبيع» وما دورنا فيه؟

من منطلق إيماني وبموازين إسلامية نجد أن العلاقة «الطبيعية» بين المؤمنين واليهود هي العداوة، لقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (المائدة: 82).

ولنرجع إلى كتاب الله تعالى: سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة النساء وسورة المائدة وغيرها من السور، ونتلو ما حكت الآيات الكريمة عن اليهود وبغيهم وعدوانهم وعصيانهم وتكذيبهم للأنبياء وقتلهم إياهم وتحريفهم كتب الله وعبادتهم للعجل.

ولنرجع إلى السنة الشريفة والسيرة النبوية ونقرأ عن بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة ويهود خيبر.

عندها نجد مفاتيح الدراسة النفسية والخلقية لليهود، أما الفصل بين الصهيونية واليهودية فهو أخطر تضليل يمارسه عملاء اليهود في منطقتنا.

وعليه فإن العلاقة «الطبيعية» التي جُبل عليها شعب مؤمن تجاه يهود هي العداوة، فيكون التطبيع الحقيقي هو إبراز عناصر العداوة بين المؤمنين واليهود بالأدلة الواضحة التي لا يأتيها الباطل، وهي آيات الله تعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وبعدها نعرف طريق النصر عليهم وهزيمتهم.

تطبيع بالإرهاب

وقد اتضح لدعاة التطبيع المعاصرين أنه إذا ما أريد أن يكون هناك عملية تطبيع بين شعب مسلم ويهود، فالأصل أن يقوم زعيم هذا الشعب بما أوتي من أدوات بفصل هذا الشعب عن إیمانه: بالإرهاب والقمع والتقتيل والتشريد، بالتضليل الإعلامي وتشويه التاريخ، بنشر الفساد الخلقي والاجتماعي وترويج الفكر المستورد، بفصل الإسلام عن السياسة.

وباختصار، بتطبيق الخطة اليهودية في فصل الإسلام عن حياة المسلمين فيصبحون أدوات طوعية موجهة نحو تهويد المنطقة فكريًّا وسياسيًّا وعسكريًّا و...

عندها لن تكون العملية تطبيعًا بالمعنى اللغوي الصحيح وكما ورد على لسان المسلم المؤمن، وإنما سيكون تطبيعًا كما ورد على لسان يهود قبوراتهم المحرفة وتلمودهم وبروتوكولاتهم.

فهو تطبيع يهودي خبيث وليس تطبيعًا عربيًّا ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (الشعراء: 195).

هذه واحدة

أما الثانية، فيخطئ من يظن أن التطبيع اليهودي بدأ بعد المعاهدة المصرية اليهودية، فلم يكن السادات إلا أداة من أدوات اليهود العالمية تظهر في هذه الفترة من التاريخ لتنفيذ مرحلة من مراحل التهويد، أو بتعبير جديد معاصر «التطبيع اليهودي».

وحتى لا نتيه في صفحات التاريخ، فلنبدأ منذ عام 1917 عندما قرر اليهود خطواتهم السياسية لإيجاد وطن قومي لهم في فلسطين، وفشلوا في إقناع السلطان عبد الحميد -رحمه الله- بأن يحقق لهم هذا الحلم، فقال زعيمهم هرتل قوْلته التي يعبر فيها عن خطة اليهود السياسية:

«إن فتح أبواب الشرق لاستقرار اليهود في فلسطين يتوقف بالدرجة الأولى على تدبير الخلافة العثمانية».

الخلافة العثمانية

وكان أعداء الخلافة العثمانية في ذلك الوقت هم: اليهود والنصارى والمنافقون بداخلها، المتمثلون في دعاة القومية العربية والعمومية الطورانية التركية.

سقطت الدولة العثمانية وانتهت الخلافة بتحالف القوميين العرب بقيادة لورنس ونصارى الغرب «الحلفاء»، وبخطة يهودية حيثية.

وكان أول الخاسرين هم القوميون العرب، واقتسم الحلفاء تركة الدولة العثمانية من البلاد العربية وأعلنوا على لسان قادتهم: اللنبي القائد الإنجليزي وغورو القائد الفرنسي إن هذه هي نهاية الحروب الصليبية.

واستمر اليهود في خطتهم لاحتلال فلسطين وإقامة وطنهم القومي وانتشروا لذلك غربًا وشرقًا نصارى وملحدين.

فمع نصارى الغرب اشتركوا بدور فعال في الحرب العالمية الأولى «1914 - 1918» ضد ألمانيا، وعندما انتصر الحلفاء كانت مكافأتهم هي وعد بلفور 1917 الذي منحهم إياه وزير خارجية بريطانيا في ذلك الوقت بإيجاد وطن لهم في فلسطين، وأيَّد هذا الوعد فرنسا وأمريكا.

ومع ملحدي الشرق سجل لينين قائد الثورة البلشفية الاشتراكية أمام حاييم وايزمن الزعيم اليهودي في زيور في عام 1917 ما يلي:

يتوقف على نجاح الثورة الاشتراكية في سوريا تحرير اليهود من كابوس ملوك أوروبا وحكامها، ورفعهم إلى أعلى المناصب في الدولة، وفرض احترامهم وشخصيتهم على العالم، وسوف تحقق الثورة للشعب اليهودي ما لم تحققه الثورة الفرنسية، وكان وعدًا من لينين بالوطن القومي اليهودي.

تطبيع إنكليزي

والتقى وعد بلفور مع وعد لينين عام 1917 على تحقيق أماني يهود العالم في إيجاد وطن قومي في فلسطين، واتفقت هذه القوى شرقيها وغربيها على اختلاف نظمها الاجتماعية ومصالحها في مواجهة الأمة المسلمة، وقد تأكد هذا التحالف اليهودي النصراني الشيوعي في:

  1. الوعد بإقامة الوطن القومي اليهودي «عام 1917».

  2. الموافقة على مشروعات التقسيم «عام 1947».

  3. الاعتراف بدولة يهود في فلسطين «عام 1948».

  4. تكريس هذا الاعتراف وضمانه بحدود آمنة ومعترف بها «قرار 242 عام 1967».

  5. تثبيت هذه الدولة بتزويدها بمقومات الدولة العصرية من دعم اقتصادي وتكنولوجي وعسكري وسياسي، وهجرة يهودية بالذات من روسيا.

وباختصار لمجمل ما مضى من حقائق، تكون أركان المؤامرة الكبرى هي:

  1. اليهودية العالمية صاحبة الخطة الرئيسة.

  2. القوميات في جسم البلاد الإسلامية.

  3. الصليبية الجديدة متمثلة في الغرب بقيادة أمريكا وبريطانيا وفرنسا.

  4. دول الكفر والإلحاد في الشرع بقيادة روسيا.

  5. عملاء هذه الأركان الأربعة المنطقة.

إن تبرئة أي ركن من هذه الأركان هو نوع من أنواع «التطبيع اليهودي».

لقد كان دور عملاء هذه الأركان مجتمعة أو متفرقة هو القيام بعملية التطبيع اليهودية لشعوب المنطقة، لتمرير الخطة واستمرارها وخطة هذا التطبيع الجديد.

  1. الإعلام المضلل لتبرئة هذه الأركان من المؤامرة أو بعضها.

  2. إفراغ الأمة من إيمانها وإسلامها بضرب الحركات الإسلامية وتشويهها ونشر الفساد في المجتمع.

  3. إبقاء الأمة في هزيمة عسكرية مستمرة ودائمة.

تطبيع الملوك

والمتتبع لتاريخ المنطقة من 1917 حتى الآن يجد أن للتطبيع اليهودي دورًا بارزًا في أهم الأحداث المصيرية.

فمنذ أن برزت معالم المؤامرة تفجرت ثورة المجاهدين في فلسطين ضد اليهود والإنجليز إلى أن كانت ذروة هذه الثورة عام 1936، وبدأت مفاوضات بين ملوك العرب في ذلك الوقت وإنجلترا.

 فأصدر ملوك العرب النداء التالي للثوار المجاهدين:

لقد تألمنا للحالة السائدة في فلسطين، فنحن بالاتفاق مع إخواننا ملوك العرب ندعوكم للإخلاد للسكينة حقنًا للدماء، معتمدين على حسن نوايا صديقتهم الحكومة البريطانية ورغبتها في تحقيق العدل، وثقوا بأننا سنواصل السعي في سبيل مساعدتكم.

وكان هذا أول تطبيع عربي إنجليزي على الطريقة اليهودية، فأي نية حسنة لدى بريطانيا وأي صداقة تلك؟!

وعند قيام الحرب 1947 – 1948 اشتركت قوافل الإخوان المسلمين في حرب فلسطين، وحتى يؤدي الملك فاروق دوره في مؤامرة التطبيع اليهودية اغتال المرشد الإمام حسن البنا -رحمه الله- وزج بأفراد الجماعة في السجون واعتقل المجاهدين العائدين من فلسطين.

حتى كان منهاج الإخوان المسلمين في مصر بالذات يتمثل في خطين:

الأول: إعلامي: تعبئة الأمة وتوعيتها لحقيقة المعركة.

الثاني: عسكري: إرسال قوافل المجاهدين من الإخوان إلى فلسطين.

فقام فاروق بتطبيع علاقاته مع اليهود بهذا الإجراء الإجرامي.

في 15\5\1948 دخلت الجيوش العربية فلسطين:

  • حوصر الجيش المصري في الفالوجة حتى نهاية الحرب.

  • دخل الجيش العراقي يقول «ماكو أوامر» إلا من تمرد منهم على أوامر بغداد.

  • وصل من وصل من الجيش المصري بأسلحته الفاسدة.

ووقفت الجيوش العربية «المطبعة» بأوامر محددة وعند خطوط معينة حسب الخطة الدولية التي تحقق آمال اليهود.

وكانت الجيوش العربية بقيادة الملك عبد الله الذي سلمها للجنرال الإنجليزي جلوب خليفة لورنس، الذي كان يُلقِي في روع جنوده أننا لن نستطيع أن نهزم اليهود لأن إنجلترا تزودهم بأسلحة ولا تزودنا نحن بشيء!

وانتهت حرب 1948 بهزيمة الجيوش العربية «المطبعة» بالخطة اليهودية وسموها النكبة، وزيادة في التضليل أطلقوا على لاجئي 1948 مهاجرين، وأطلقوا على أنفسهم أنصارًا؛ في محاولة «لتطبيع» الأمة على هذه الهزيمة لحين وقوع هزيمة أخرى.

وعندما قام الإخوان المسلمون بعملياتهم الفدائية ضد الإنجليز في قناة السويس، كانت خيوط المؤامرة تُحاك ضدهم ونفذت في عام 1954 بالهجمة الشرسة التي قادها عبد الناصر، وتعرض الإخوان المسلمون لحملة مسعورة من التصفية والتشويه «وطبع» عبد الناصر الأمة بأفكار يهودية حانقة وإنجليزية مهزومة.

وعندما وقع عدوان 1956 وصُفي العمل الفدائي الفلسطيني الذي كان ينطلق من قطاع غزة، واحتل اليهود شرم الشيخ ومضائق تيران وأصبح له منفذٌ مائي على البحر الأحمر، وقتها قاد عبد الناصر عملية «تطبيع يهودي» تُصور للناس أن ما حدث كان نصرًا مبينًا، واحتفلت الأمة بتلك الذكرى على أنها نصر أكيد وقطف اليهود ثمرة التضليل، عفوًا التطبيع، وتوقفت هجمات الفدائيين من قطاع غزة.

وقاد عبد الناصر العقل العربي مرة أخرى بعملية «تطبيع» عندما ضرب الإخوان المسلمين في مصر عام 1965 بعد أن قبض الثمن قمحًا أمريكيًّا وأسلحة روسية.

وعاشت الشعوب العربية بعدها في عملية غسيل مخ حتى «تطبعوا» على قبول كل ما يقوله عبد الناصر، فشبهه بعضهم بالرسل -عليهم السلام- واستشهدوا بفقرات من «الميثاق».

وكان من أخطر خطوات «التطبيع» التي قام بها عبد الناصر بعد ذلك هو التحول الاشتراكي الذي تنادَى به اليهود، واعتبروه نظامًا ينسجم مع آمال الجماهير اليهودية.

وفي الجبهة الشرقية كانت ممارسات الحكام لا تقل عن ممارسات عبد الناصر في تضليل الشعوب وتخويفهم وتصفية العناصر الإسلامية وكبت الحريات، بما في ذلك الانقلابات العسكرية ذات الانتماءات المشبوهة والشعارات الشيطانية، كل هذا وفق عملية «تطبيع يهودية» للعقل العربي الذي تعطلت طاقاته وقدراته وهزم في نفسه إلى أن كانت هزيمة 1967، التي سقطت فيها الإعانات والشعارات والأنظمة والولاءات، وبرزت نتيجةً لهذه الهزائم وثمرة «للتطبيع اليهودي» شعارات يهودية، كالجيش الذي لا يُقهر والأمة التي لا تغلب، وما إلى ذلك مما كان له كبير الأثر في نفوس المهزومين إيمانيًّا وإسلاميًّا.

إلا أن أخطر عملية «تطبيع» تلك التي تُمارَس الآن على الساحة الفلسطينية؛ كونها الساحة المعنية بالقضية في تصوُّر قادتها.

وفي العدد القادم بإذن الله سنتناول هذا الموضوع.

الرابط المختصر :