; التعاون الاستراتيجي التونسي التركي يدخل مرحلة جني المكاسب | مجلة المجتمع

العنوان التعاون الاستراتيجي التونسي التركي يدخل مرحلة جني المكاسب

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 22-يونيو-2013

مشاهدات 70

نشر في العدد 2058

نشر في الصفحة 20

السبت 22-يونيو-2013

أردوغان: جئت بمشاركة ٢١٥ رجل أعمال لبحث سبل التنمية والاستثمار في تونس

رفع التبادل التجاري من مليار إلى ثلاثة مليارات وفي انتظار سقف المليارات الخمسة

دشنت الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان» إلى تونس، بصحبة عدد من الوزراء، من بينهم وزير الخارجية «أحمد داود أوغلو»، وأكثر من ۲۰۰ رجل أعمال، مرحلة جديدة من التعاون الإستراتيجي بين تونس وتركيا، لا سيما بعد الثورة. 

وتحفز الحكومة التي تقود التغيير في تركيا منذ ١٠ سنوات تقريبا بلادها لأداء دور إيجابي في محيطها الإقليمي والدولي لم تكن تحظى به من قبل، وكان لعودة تركيا لحيزها الحضاري دور كبير في نشاط المنطقة العربية أعطاها دفعا جديدا لاسيما في أقطار الربيع العربي».

ترحيب شعبي

وعلى خلاف الزيارة التي قام بها «أردوغان» إلى المغرب والجزائر، حيث لم تحضر بعض الأطراف المعنية بالتنمية لقاءات «أردوغان» بالمسؤولين المغاربة، وإلقاء رئيس الحكومة الجزائري سلال خطابه بالفرنسية، في منحى مغربي جزائري رسمي وشبه رسمي، فإن اللقاء في تونس كان حميميا وتاريخيا، فقد حظي «أردوغان» والوفد المرافق له باستقبال رسمي وشعبي، رغم محاولة أطراف في المعارضة التشويش على الزيارة بالتظاهر أمام السفارة التركية، حيث زحف الآلاف إلى المطار مرحبين بـ «أردوغان»، وهو ما تحدث عنه «أردوغان» في كلمته التي بثها التلفزيون العمومي.

وقد أكد رئيس الوزراء التونسي علي العريض، في كلمته، أن النجاح الذي حققته زيارة «أردوغان»، والتعاون الإستراتيجي الذي بدأ بين البلدين يعكس الثقة المتبادلة بين البلدين في الحاضر والمستقبل، ويبرز الإرادة الثابتة والقوية لمسؤولي البلدين من أجل الارتقاء بسقف العلاقات المشتركة على حد قوله، كما أكد أن علاقة تونس بتركيا قائمة على الصفاء والثقة، الإرادة التي يترجمها التعاون الإستراتيجي يعكسه المستوى الرفيع للاتفاقات المبرمة والحرص على تذليل الصعوبات الماثلة والمحتملة.

أما رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان»، فقد أكد حرص تركيا على رفع مستوى التبادل التجاري بين بلاده وتونس ثلاثة أضعاف دفعة واحدة، أي من مليار إلى ثلاثة مليارات دولار، مع تحفيز الاستثمارات القائمة وإقامة استثمارات جديدة؛ مما يؤدي لإيجاد فرص عمل في تونس، كما أشاد «أردوغان» بالتحول الديمقراطي في تونس وبالاستحقاقات القادمة على هذا الصعيد.

تاريخ وأرقام

لم يكن التاريخ وحده الحاضر في زيارة «أردوغان» لتونس أو الدين والثقافة، وإنما المصالح أيضاً، فقد أشار «أردوغان» في كلمته إلى أن استثمارات رجال الأعمال الأتراك في الخارج تقدر بـ ٤٠ مليار دولار، وأنه جلب معه أكثر من ۲۰۰ رجل أعمال (٢١٥) لبحث سبل التنمية والاستثمار في تونس، وأكد أن حجم الاستثمارات التركية في تونس ستتضاعف من مليار إلى ثلاثة مليارات دولار، من خلال ٥٠ شركة تركية تعمل حاليا في تونس، لا يزيد حجم استثماراتها قبل الزيارة عن ٧٤٠ مليون دولار، وقد سبقت زيارة «أردوغان» لتونس تقديم تركيا هدية معتبرة لتونس شملت ١٦٥ سيارة و۱۰۰ دراجة نارية مخصصة للأمن، و٣٢ سيارة بلدية لتنظيف الشوارع، مع ٣٠ شاحنة متطورة لنقل النفايات، و٥٠ شاحنة ثقيلة وزعت جميعها على ٢٤ بلدية داخل تونس لقد كانت زيارة «أردوغان» إلى تونس ناجحة بامتياز، فإلى جانب الاتفاقات والبروتوكولات التي بلغت ٧٥ اتفاقا وبروتوكول تعاون، تمت توأمت ۲۷ بلدية تونسية مع بلديات تركية ليكون التعاون مباشرا بينها .

ومن بين المشاريع ما أكده الوزير المكلل لدى رئيس الوزراء التونسي رضا السعيدي بعث عقارات صناعية تحترم البيئة، ومصانع لقطع غيار المعدات الفضائية، واتفاقات في مجال التعليم العالي، واتفاقات توأمة بين المدن التونسية مع العديد من المدن التركية، علاوة على اتفاقات في ميادين السياحة والأسرة والشؤون الاجتماعية.

ترحيب سياسي

وقد أعرب العديد من الشخصيات السياسية والاجتماعية عن ترحيبها بتوسيع آفاق التعاون الإستراتيجي بين تونس وتركيا في ظل استقلال القرار السياسي في البلدين وأعربت عن تقديرها الشخصي لتركيا ولرئيس وزرائها رجب طيب أردوغان»، وقالت نائبة رئيس المجلس الوطني التأسيسي، محرزية العبيدي: «أردوغان» تكمن قوته في أنه يتكلم بكل ثقة دون غرور، وتحدث في المجلس التأسيسي (البرلمان) عن تجربة بلاده، وما يمكن أن تقدمه تركيا لتونس في هذا المجال وأقر بتقدمنا عنهم في الدستور، وأقر بحق مواطنيه في التظاهر، ولكنه أكد مسؤوليته بحكم الأغلبية في فرض القانون.

الأكاديمي والباحث البارز د. عبد الجليل التميمي، يرى أن «أردوغان» حول جيران تركيا إلى أصدقاء، وأن الدول العربية في ظل الدكتاتوريات التي كانت قائمة في دول الربيع العربي» لم تحقق عشر ما حققته تركيا، وأن تعدد المشاريع بين تونس وتركيا لم يكن قائما قبل مجيء «أردوغان»، فقد كانت هناك علاقة باهتة، لم يتجاوز حجم التبادل التجاري فيها المليار دولار، بينما يجب رفع هذا السقف الآن إلى 5 مليارات كخطوة أولى.

كانت تركيا قد قدمت ۲۰۰ مليون دولار أمريكي كقرض لتونس من أجل إصلاح عدد من الطرقات والأحياء الشعبية، ودعم القطاع الزراعي، حيث تعد تركيا سادس دولة في العالم حققت الاستقلال الغذائي بنسبة ١٠٠%.

ترسيخ الجانب الثقافي

عندما تحدث «أردوغان» عن دور التونسيين في الحروب العثمانية، في استحضار الأعظم ما يجمع شعبي البلدين، حيث كان البعد الثقافي حاضرا في وعي التونسيين الذين قاتلوا وبنوا وشيدوا مع الأتراك، ومنهم الصدر الأعظم والمصلح الكبير خير الدين التونسي، وعلي باش حانبة من الجانب التونسي، وخير الدين بربروس خضر بن يعقوب الذي استجاب لاستغاثة التونسيين عندما هاجمهم الإسبان على إثر سقوط الأندلس، وردهم على أعقابهم وحرر جامع الزيتونة وبقية التراب التونسي وكان من أفضل ما أنتجت الانكشارية في عصر الدولة العثمانية؛ وبالتالي فإن العلاقة بين تونس وتركيا ليست مثل أي علاقة أخرى تطغى عليها المصالح أو الذكريات السيئة في التاريخ كالعلاقة مع فرنسا مثلا.

* "منصف المرزوقي" أكد أهمية توظيف التاريخ لإعادة الروابط الأخوية بين تونس وتركيا

واليوم تدرس اللغة التركية في المدارس التونسية، وإن كان بصفة محتشمة، لكن سيكون لها مستقبل أفضل، وهي رهن بتقدم التكنولوجيا في البلدين ولا سيما تركيا، وباستمرار التعاون الأكاديمي الذي انطلق بين البلدين، ووفق اتفاقات وقعت في زيارة «أردوغان» الأخيرة والتي سبقتها، ومع توأمة البلديات التونسية مع نظيراتها التركية، وبناء متحف ثقافي مشترك يوثق أواصر التعاون بين البلدين ويمثل جذور العلاقة الحميمية، التي ستتعزز بتبادل المعرفة وترجمتها الفورية، فكل كتاب مفيد يصدر في العالم إلا ويترجم فورا إلى التركية، وهو ما نحتاجه في البلاد العربية ولا سيما دول الربيع العربي».

ويمكن "لدول الربيع العربي"، ولا سيما تونس تبادل الخبرات في مجال الإصلاح السياسي الذي بدأته تركيا، لكن دول الربيع العربي حققت قفزات يمكن وصفها بأنها متقدمة، لا سيما إبعاد الجيش عن الشأن السياسي، واقتصار دوره على حماية الحدود وهو ما يجب أن تصل إليه تركيا، حيث يؤدي الجيش دورا لا يخول لأي جيش في العالم دون استثناء، وهو وضع يجب أن تتخلص منه تركيا كما يجب عليها أن تتخلص من الأفكار المعلبة عن شكل الدولة، وعن وضع العلمانية التي اتخذت في بعض الدول الإسلامية كشكل من أشكال محاربة الإسلام. ومع ذلك فإن العقبات العلمانية في تركيا لا تمنع من تواصل العلاقات وتحسنها، واتخاذها بعدا إستراتيجيا كما هي الحال الآن.

ورغم الخلفية العلمانية للرئيس التونسي فإنه أقر في زيارته الأخيرة لتركيا على أهمية توظيف التاريخ لإعادة الروابط الأخوية بين تونس وتركيا، وهي روابط تخدم مصالح البلدين، لا سيما وأن تركيا تقوم بتوظيف تكنولوجيتها كدولة متقدمة تزاحم بضائعها البضائع الأوروبية في عقر دارها ومن ذلك الثلاجات والغسالات والأفران المنزلية وأفران الخبز، وآلات الزراعة والحصاد من جرارات وآلات حصاد وغيرها، علاوة على الصناعة العسكرية التركية، كما تعد جامعة أنقرة من أكبر الجامعات (خاصة) مرتبطة بجامعات عالمية مثل بروكلن، وأكسفورد وبوسطن، وهارفارد، وغيرها.

الرابط المختصر :