العنوان التعددية أو البديل السياسي في العالم العربي
الكاتب محمد امين العباس
تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1988
مشاهدات 61
نشر في العدد 895
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 13-ديسمبر-1988
- خيار الحرب مع الكيان الصهيوني انتهى بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد.
- صدام حسين.
- معمر القذافي.
- زين العابدين بن على.
- الشاذلي بن جديد.
أعلن الرئيس العراقي صدام حسين، في السابع والعشرين من نوفمبر المنصرم، بأن العراق يسعى إلى «توسيع المشاركة في المجالس التمثيلية للشعب، وذلك على مستوى السماح لأحزاب جديدة، بأن تدلي بدلوها غير الأحزاب المؤتلفة في الجبهة الوطنية...»، وأضاف قائلًا: «أي تعددية، وقد أقرت التعددية في منهج حزبنا، وأقرت بدقة وعمق».
وكان الرئيس العراقي يتكلم لدى استقباله أعضاء المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب، وبهذا التصريح تكتمل دائرة واسعة تصل أحداث المنطقة بالتطورات التي اكتنفت انقشاع سحابة الحرب العراقية الإيرانية... ويجسد العراق في تلازم الأحداث العربية بالتطورات نحو السلام الصيغة الأكمل... فقد بدأت بوادر التوجه نحو التعددية الحزبية في كثير من الدول العربية خلال هذا العام، بدءً بالانتخابات التي شهدتها جمهورية اليمن العربية في أبريل الماضي، والتي أقرت بصورة عملية نظام الانتخاب ضمن التوجهات الفكرية «الاتجاهات»، وفي تونس أصدرت القيادة الجديدة برئاسة ابن علي تعليمات نسخت بموجبها الحاكمية المطلقة للحزب الدستوري، وفتح بالتالي الطريق واسعًا أمام التعددية الحزبية، وتأتي في هذا الإطار الإجراءات التي أعقبت الأحداث الجزائرية، في مطلع الشهر الماضي، حيث أصبح حزب الجبهة لا يغالي في أن ينفرد بالسلطة المطلقة، وأطلق الحوار بين الاتجاهات، وصعدت قيادات متعددة كان أبرزها اتخاذ التعددية الحزبية، وإن كان الواقع العملي ما زال يشهد سيطرة جبهة التحرير الوطني إلا أن بوادر التغيير أوضح من أن يشار إليها... وفي ليبيا أعلن العقيد معمر القذافي بأن اللجان الثورية لا بد أن تخضع للنقد الذاتي، وأنها قد مثلت بعض صور القصور في أدائها مما أدى إلى حل قياداتها في إشارة واضحة نحو الخروج على المركزية السياسية.
بذلك تؤكد الأحداث العربية قمة تطوراتها في المجال السياسي، وتغدو ظاهرة التعددية السياسية أبرز نتائجها المفرزة في أواخر الثمانينات... فما هي الدوافع وراء تصاعد ظاهرة التعددية السياسية في المنطقة؟
الحزب الحاكم
في مطلع الستينيات شهدت كثير من دول المنطقة ثورات عسكرية، فيما بعد خضعت هذه الأنظمة لمركزية التوجيه السياسي خاصةً وأن كثيرًا منها قد تبنى الدعوة للاشتراكية، وبذلك عمت ظاهرة الحزب الحاكم... ربما كانت هذه الظاهرة منطقية نوعًا ما لفترة ما بعد الاستقلال، لا سيما وأن الحكم العسكري كان أقرب في كثير من توجهاته إلى تدعيم الوحدة الوطنية وخلق تماسك سياسي بعيد عن النعرات العرقية والانقسامات الإقليمية... وقد أبدت الأنظمة وحيدة الحزب شعارات سياسية وخاطبت الجماهير العربية بمفردات الوحدة والحرية والتنمية وإقامة مجتمع الكفاية والعدل، وكانت شرعية النظام السياسي ترتكز على التفاعل من أجل تحقيق تلك الشعارات، وفي الوقت نفسه ركزت سياسة الحزب الحاكم على إظهار مساوئ النظام التعددي وافتقاده لمبررات الانتهاج في البيئة العربية التي تكاد تتناقض تمامًا مع البيئة الغربية التي نشأت فيها أنظمة التعددية السياسية...
وساعد على تبغيض نظام التعددية السياسية أن الجماهير العربية كانت قريبة العهد بمآسي الاستعمار والذي هو الآخر نابع من البيئة الغربية، ولذلك وجدت أنظمة الحزب الحاكم أرضية صالحة لازدهار نهجهًا... غير أن الزمن لم يسعف نظام الحزب الواحد بتعميق جذوره داخل النفسية العربية، فما أن أطلت السبعينات حتى بدأ الملل في الأوساط الشعبية، وتنامت ظاهرة الاحتجاجات والصدام والتظاهرات ضد سيطرة الحزب الحاكم، فقد منيت الجماهير بتصاعد السيطرة السياسية للحزب، وبرز مصطلح أهل الثقة في مقابل أصحاب الخبرة، وكانت الأفضيلة تعطي دومًا لأهل الشقة واختل ميزان المعادلة السياسية، وساعد في ملل الجماهير من الأنظمة الوحيدة الحزب انكشاف مصداقيتها الواهنة بعد هزيمة 1967، التي عرفت فيما بعد بالنكسة، فقد دللت الهزيمة على مدى الضعف الذي تسرب للجيوش عندما انشغلت بالإدارة السياسية وتركت واجباتها الدفاعية.
وفي الجانب الإنمائي انكشفت أيضًا مصداقية التنمية حيث انقلبت موازين الكفاية والعدل إلى تبعية مطلقة للغرب وانخفاض مروع في مستويات الإنتاج ومن ثم تضخمت الديون الخارجية... وحتى في مجال الوحدة الوطنية فإن الحزب الحاكم في كثير من الدول العربية لم يستطع أن يحافظ على الوحدة الوطنية بالصورة المرجوة بل ذهب يوقظ النعرات العرقية والتعصبات الإقليمية، وليست الحال في النطاق القومي بأحسن مما هي عليه في النطاق الداخلي فقد اشتدت الخصومات العربية - العربية، وكانت سياسة «شد الحبل» بين دول المنطقة أبرز سمات السبعينات وقسطًا من الثمانينات، وقد وصل الحال في بعض الحالات أن حمل العربي السلاح في وجه أخيه.
وهكذا توالت إخفاقات نظام الحزب الواحد مما حتم ضرورة إعادة النظر في مستقبله وهكذا فعلت تونس - اليمن - ليبيا - الجزائر - العراق.
انحسار التوتر
بتوقيع السادات لمعاهدة «كامب ديفيد» يعتبر عمليًا بأن خيار الحرب مع الكيان الصهيوني قد استبعد تمامًا خاصة على شكله السابق بترك الجيوش العربية تحت القيادة العسكرية الموحدة، وقد فطن السادات إلى ضرورة إقامة تعددية حزبية «وإن كانت شكلية» لضرورة ملء الفراغ السياسي، وتوجيه التعبئة الإعلامية والسياسية نحو وحدات أصغر مما يضفي بعض الشرعية لاستمرارية النظام... وقد ساعدت معاهدات «كامب ديفيد» على خلق حالة من التبريد البطيء في تيار المواجهة مع الكيان الصهيوني مما أدى إلى انحسار كبير لاتجاه التعبئة العسكرية، وطغت من ثم أصوات فوق صوت المعركة مما أفقد الأنظمة العسكرية وأحزابها الشمولية من مبررات الشرعية في الوجود وفي القيادة... ومن هنا برزت التوجهات نحو تعديل الأوضاع السياسية بما يتماشى والمرحلة.
الوعي الجماهيري
إن الإحباط الذي منيت به الجماهير العربية نتيجة لإخفاقات الأنظمة ذات الحاكمية الواحدية قد ولد للجماهير ردة فعل مناوئة لكل ما هو شمولي، وبذلك انتفضت ضد المركزية الاقتصادية ودعاوي الاشتراكية العربية، كما أنها تجافت تمامًا مع المركزية السياسية وحزبها الحاكم، وقطعًا أن الفترة الماضية قد أورثت المنطقة وعيًا متطورًا لذلك أرادت كثير من الدول العربية أن تعبر عن ذلك برفع درجة المشاركة في القرار السياسي وتطوير نظامها حتى يتناسب ومبررات شرعية أكثر التصاقًا بالجماهير.
مستقبل التعددية
إن تطور الأحداث في المنطقة العربية يوحي بضرورة التغيير وإيجاد بدائل عدة في التوجيهات لكثير من الأنظمة... وبإنهاء حالة الحرب بين العراق وإيران فإن مرحلة فاصلة قد أطلت بعناصرها للوجود فالوضع السياسي المتوتر قد تلاشت أسبابه ولا بد أن تنعم الأنظمة في المنطقة بالاستقرار السياسي، وإن كانت صور الاستقرار لا تقاس بشكل النظام وإنما بمضامينه، فإن التعددية السياسية ربما تبرز في العقد القادم كأحد أبرز سمات المنطقة، كما يشير إلى ذلك كثير من المراقبين، وبالرغم من قناعتنا بأن التعددية الحزبية لیست الشكل الأمثل في كل الأحوال إلا أنها بالحتم أفضل من نظام «الحزب الحاكم»، وأن صورتها تتحسن كلما ازداد الوعي لدى الجماهير وارتفعت نسبة التعليم وكانت الظروف المعيشية أكثر استقرارًا، أما في حالة انتشار الفقر والأمية وازدياد اللامبالاة في الدولة فإن التعددية السياسية لا تملك أن تتخطى تلك العقبات وربما تساعد في تفاقم الإشكالات وتزيد في تعقيدها بخلق أوضاع سياسية أقرب للفوضى... وكلما التزمت التعددية السياسية بأخلاق الأمة واعتصمت بالعقيدة الإسلامية كلما كانت أقرب إلى نفوس الجماهير والعبرة كما أسلفنا بالمضمون، وإن تعددت الأشكال واختلفت.