العنوان التعليق الأسبوعي.. موافقون!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-ديسمبر-1974
مشاهدات 77
نشر في العدد 230
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 17-ديسمبر-1974
التعليق الأسبوعي
موافقون!
هل من حق الحكام العرب إذا عجزوا عن تحرير فلسطين والأراضي العربية الأخرى أن ينهوا القضية بأي شكل كان، وأن يصفوا الحساب لمصلحة اليهود؟
وهل من حق منظمة التحرير الفلسطينية أن تأخذ جزءًا من وطنها مقابل التفريط في أجزاء أخرى؟
ومن الذي كلف هؤلاء -الحكام والمنظمة- بأن يقوموا بمثل هذا العمل في هذه المرحلة التاريخية بالذات؟
الإجابة الأمينة الصريحة تقول: لا، ليس من حق الذين عجزوا عن بلوغ الهدف أن يحشدوا الأمة في ساحة التوقيع على وثائق باطلة تقر وجود الكيان الصهيوني في فلسطين، وتصفي القضية لمصلحة الغزاة اليهود.
- إسلاميًّا ليس من حقهم أن يفعلوا ذلك؛ لأن الباطل مهما طال عمره لا يمكن أن يتحول إلى حق. وتقادم الزمن على السرقة لا يعطيها صفة الحلال أبدًا.. حتى وإن تزينت وظهرت في صيغ: قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢، أو مؤتمر جنيف.. أو دعاوى النفاق الدولي في السلام والأمن.
إن الباطل هو الباطل أمس واليوم وغدًا... والذين يقرون وجوده مبطلون، وما كان الإسلام ليقر عمل المبطلين، وما كان الله ليصلح عمل المفسدين.
والغريب أن هؤلاء الحكام لا يتسامحون أبدًا ولا يتنازلون مقدار ذرة واحدة عن سلطاتهم، ولا يطيقون قط أن ينتقص أحد من مساحة حكمهم وصولجانهم.. فإذا حدث وتقدم رجل شجاع وطالبهم -بحق- بأن يجعلوا للأمة مكانًا في الرأي والقرار.. هاجوا واستعملوا أسلوب التخويف والاعتقال، وما هو أشد من ذلك.
وفي نفس الوقت يجيزون أو يطلبون من الأمة أن تتنازل وتخوض في الباطل لتعطي اليهود ما ليس لهم.
- من الجانب الإنساني -نعني الحقوق الطبيعية للإنسان- ليس من حق هؤلاء الحكام أن ينهوا القضية بالطريقة التي تريحهم هم.
فميثاق حقوق الإنسان الذي احتفلت به العواصم العربية في الأسبوع الماضي.. يمنع الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة.
- تاريخيًّا.. ليس من حق هؤلاء الحكام أن يباركوا وعد بلفور وأن يدعموه بحجة الأمر الواقع.
●فالبشرية تمر بمرحلة الكفاح من أجل التحرر والانعتاق من قيود الاستعمار والاحتلال في كافة قارات الأرض. وإقرار الاحتلال اليهودي في فلسطين ردة مفزعة إلى الوراء بالمنطق البشري العادي.
وهذه وصمة لأمتنا ألصقها بها حكامها.
فالأمة الإسلامية التي كانت طليعة الشعوب في التحرر ومقاومة الطغيان والباطل، والتي ينبغي أن تكون كذلك اليوم.. يحاول نفر من الناس في هذه الأيام دفعها إلى مؤخرة الصف البشري، حتى تظهر وكأنها أقل الناس عزة وأوغلهم في المذلة والهوان.
●من جانب آخر فإن الحكام يضعون أمام الأجيال القادمة متاريس ضخمة حين يقرون الوجود الصهيوني في فلسطين.. فهم لم يكتفوا بالعجز عن التحرير؛ وإنما أضافوا إلى ذلك قيودًا وأغلالًا تلتف حول أعناق وأيدي الأجيال القادمة لتحول بينها وبين مهمة التحرير.
فالاعتراف بالعدو قيد.
ومحاولات فرض التعايش مع العدو قید.
وتكبيل الأجيال المقبلة بمواثيق علنية وسرية تستهدف تأمين الوجود الصهيوني.. قيد، وأي قيد!
●وليس من حق منظمة التحرير الفلسطينية أن تأخذ جزءًا من فلسطين مقابل التفريط في باقي الوطن..
ومن السذاجة أن يقال لنا: إنه من الممكن أن يأخذ الفلسطينيون جزءًا من وطنهم.. مجانًا.. أي بدون مقابل، فليس في السياسة مكاسب مجانية.. ولا تبرعات مثالية.
والمعادلة واضحة جدًّا.. وتتمثل في أن يعترف صاحب الحق -أبناء فلسطين- بسرقة السارق.. وهو اليهودي.
وهذا باطل.
ونحن كما رفضنا باطل الحكام العرب نرفض باطل منظمة التحرير على القضية الفلسطينية.
صحيح أن أمريكا وروسيا تتآمران؛ فأمريكا تلوح بتأييدها لقيام الدولة الفلسطينية، وهي دولة تتراوح أهدافها بين تجميع الفلسطينيين في رقعة واحدة ضعيفة الدفاع.. ثم إبادتها في مجزرة جماعية؛ لأن خطة الإبادة هذه هي الخطة المثلى التي صممها خبراء الصهيونية للتخلص نهائيًّا من وجود الشعب الفلسطيني.. والهدف الثاني: تحويل أبناء فلسطين -كما يحدث الآن تمامًا- إلى عمال لدى المرابين اليهود.. حتى يتفرغ الشباب اليهودي للتدريب العسكري وللتعليم العالي.
موافقون!
هذا ما تريده بعض الأجهزة في الإدارة الأمريكية. أما مجلس الشيوخ فقد رفض -في الأسبوع الماضي- بأغلبية الثلثين التعامل مع منظمة التحرير واعتبارها خطرًا على سياسة أمريكا الخارجية. وأقرت هذه الأغلبية كذلك دعم العدو بالسلاح.. بلا حدود ولا قيود.
ولنفترض أن أمريكا وعدت منظمة التحرير بمثل ما وعدت به بعض الأنظمة العربية الحاكمة.. فماذا ستكون النتيجة؟
النتيجة معروفة.. وهي: الخداع والسراب. فقد وعدت أمريكا بالضغط على العدو.. ولكنها ساعدته وضغطت على العرب الموعودين أنفسهم.
ووعدت بمفاعلات نووية؛ فنفذت وعدها بالنسبة لليهود. وجمدته، بل وألغته، بالنسبة للعرب. ووعدت بأموال طائلة تفيضها على العـرب، ونشر المتأمركون هذه الأنباء -بنشوة وهيام- ولكنها أدارت ظهرها للساذجين من العرب، وأقبلت تمد العدو -وخلال عام واحد- بثمانية آلاف مليون دولار.
وإذا كانت هناك وعود أمريكية للمنظمة فيجب أن تتخلص من أوهام هذه الوعود بسرعة ووعي، حتى لا تتكرر المأساة ويكثر عدد الساذجين.
وروسيا تضع منظمة التحرير بين خيارين اثنين.. الذهاب إلى مؤتمر جنيف أو الحرب!!
ويبدو أن الغرائب تلد بعضها في هذه اللعبة السياسية الفريدة في العالم.
مؤتمر جنيف الذي هو مفاوضة مباشرة مع العدو؛ بمعنى أنه يعبر عن تنازل عربي مروع لصالح اليهود. هذا المؤتمر يصور للشعوب العربية الإسلامية وكأنه انتصار.. بل كأنه هزيمة ماحقة لليهود.
إنها لعبة الترويض السياسي لضمير الأمة.
وروسيا ترمي بثقلها في لعبة الترويض وتخير المنظمة بين هذين الخيارين.
وتجعل الحرب بدلًا لمؤتمر جنيف. ليكن الأمر كذلك. لتكن الحرب. وليكن القتال. وليكن الجهاد.
أما جر منظمة التحرير الفلسطينية -تحت ضغوط التخويف بالحرب- إلى مؤتمر جنيف، فهذه مكيدة روسية لتصفية القضية الفلسطينية بإشراف الاستعمار العالمي الروسي- الأمريكي.
وهذه المحاولات الشريرة من روسيا تدل على سقوط الثورية الشيوعية، أو تعبر عن استغفال الروس لأمتنا ولمنظمة التحرير بالتالي.
إن الروس اختلفوا مع الصين الشيوعية وهي رفيقتهم في العقيدة والمذهب، حين تعلق الأمر بالخلاف على مساحات الأرض على حدود البلدين.
وحشد الروس في وجه الصين جيوشًا ضخمة تجاوزت عشرات المرات الجيوش الروسية المحشودة في وجه «الإمبريالية الرأسمالية الغربية». بل إن أحفاد القياصرة وتلاميذه لينين وستالين سحبوا فيالق كبيرة من قواتهم في ألمانيا الشرقية ودفعوها إلى الحدود المشتركة مع الصين.
فلماذا يغارون على أرضهم وحدودهم ولا يفرطون في شبر منها، ثم يدعون أبناء فلسطين للتي هي أسوأ، والتي هى أذل وأسفل؟!
وإذا هم فعلوا ذلك فلماذا يوافق أصحاب القضية على ما يفعلون؟
إن روسيا تريد اليوم إقامة «إسرائيل أخرى» عن طريق أفواج متلاحقة من المهاجرين الروس إلى فلسطين المحتلة.
فهل من الوعي السياسي أن يقبل الفلسطينيون استراتيجية دولة هذا موقفها.. وهذه أعمالها العدائية؟
العزل والتفتيت
وتمضي الأمور ويتحرك الخصوم، وكأنما يتحركون في فراغ؛ فقد طرح كيسنجر خطة جديدة تقع في نطاق استراتيجيته الطويلة الأمد، والنقاط الرئيسية في هذه الخطة هي:
1- إبرام صلح منفرد بين مصر والعدو.
2- استغلال النفط المصري في سيناء بواسطة تعاون مشترك بين مصر.. والكيان الصهيوني.
3- انسحاب العدو من أجزاء من الأراضي المصرية.
4- تجميد هذا الوضع لمدة تتراوح بين عشرة.. وخمسة عشر عامًا.
يتضح من هذه الخطة الهدف القديم الجديد الذي يحاول الخصوم الوصول إليه بدأب وإصرار.. وصيغ شتی.
وهو عزل مصر عن الوطن العربي؛ أي حرمان مصر من إمكانات الأمة العربية.. وحرمان الأمة العربية من إمكانات مصر.
وهم يعتمدون في هذه الخطة على دعوات وخلفيات صنعوها وبثوها.. كالزعم بأن مصر جزء من حضارة البحر الأبيض المتوسط ولا علاقة لها بالأمة العربية. وكالفرعونية الوثنية والنعرات الطائفية المتسترة بهذه الفرعونية.
وينبغي أن ننظر إلى ما يجري بيقظة وجد، محتفظين بسكينة أنفسنا وعقولنا، ففي دوامة الخطة الكيسنجرية هذه.. فاجأ موسى صبري -وهو أحد رؤساء جريدة الأخبار المصرية- فاجأ الناس في الأسبوع الماضي بمقال يحمل هجومًا عنيفًا على دول النفط، وأنها لم تقم بواجبها نحو مصر.. إلخ.. فهل من الممكن فصل هذا الكلام المحزب عن خطة كيسنجر في عزل مصر عن العالم العربي؟
بمنطق العبط.. نعم.. أما بمنطق الوعي.. فلا.. ذلك أن هذا المقال من شأنه أن يثير دول النفط وأن يستفزها نظرًا لأنها لم تبخل بشيء. ومع الإثارة يتوتر الجو.. وفي مناخ التوتر تمضي خطة العزل إلى أهدافها، خاصة إذا كان المقال قد ارتبط -زمنيًّا- بأخبار مهولة عن دعم عظيم من البنك الدولي.. لمصر.. وأن العدو اليهودي صوت إلى جانب مصر في هذا الدعم!
إن هؤلاء الصحفيين غير المسئولين يعينون الخصوم على بلوغ أهدافهم تحت شعار الوطنية، والحماس الإقليمي.
موافقون؟!
والحق يقتضي منا عدم الإسراف في تحميل الخصوم كل شيء. فهذا
●موافقون على الاعتراف بالعدو!
● موافقون على كل خطة أعدت للكيد لأمتنا، والتنكيل بديننا، ووضعت ضد مصالح شعوبنا وأهدافها في الحاضر والمستقبل.
ولا سبيل إلى الخروج من هذا الواقع السيئ.. إلا بوجود رجال شجعان يجيدون استعمال كلمة... «لا» ويستمدون كلمة «لا» هذه من النفي الأول في كلمة التوحيد: «لا إله إلا الله». فهذا النفي يعني -مباشرة- رفض كل الأصنام والأوثان الموجودة في موسكو وواشنطن وفي فلسطين المحتلة.
يعني التحرر من المخاوف جميعًا؛ يعني رفض الباطل في مختلف صوره وأشكاله، ويعني -بالتالي- الاعتماد على الله الحق وحده، فإنه نعم المولى ونعم النصير.
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَام﴾ (الزمر: 36، 37).
اتجاه يخدع النفس ويغمض العين عن عيوبنا الخاصة، ونواقصنا الذاتية.. وقصورنا الداخلي.
فهؤلاء الخصوم لم يتوغلوا في أعماقنا الجغرافية والسياسية والإعلامية والنفسية.. إلا بموافقة أناس هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، اتخذوا لهم شعارًا عجيبًا يرددونه في كل موقف، وهو شعار: «موافقون»!!
●موافقون على قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢.
●موافقون على الذهاب إلى جنيف!
●موافقون على هجرة اليهود إلى فلسطين المحتلة!
●موافقون على مساعدة بريطانيا رغم موقفها العدائي.
●موافقون على دعم أمريكا ماليًّا، رغم أن هذا المال يتحول إلى العدو في شكل قروض وهبات وأسلحة ومفاعلات نووية.
●موافقون على إقصاء الإسلام من الحكم والحياة؛ رغم أن هذه هي رغبة الأعداء.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل