العنوان التعليق الأسبوعي (369)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1977
مشاهدات 67
نشر في العدد 369
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 04-أكتوبر-1977
هل يستطيع السودان تحقيق «تجربة جديدة» في العالم الثالث؟
خلال العشرين سنة الماضية -أي منذ الاستقلال عام ١٩٥6- مر السودان بتجارب يمكن وصفها بأنها -بحث مستمر عن صيغة سياسية مناسبة للبلاد-.
صحيح أنه قد جرى البحث -أحياناً- بوسيلة غير متفق عليها، كالانقلاب وإلغاء الدستور، ومصادرة الحريات -بالتالي- لكن التقويم الموضوعي لتلك الفترة يدرج -من ناحية سياسية واجتماعية- كل التغيرات في سلسلة التجارب السياسية، ويمكن -مع ذلك ومن زاوية أخرى- بحث القضية من وجهة نظر قانونية.. لمن أراد.
أعقب الاستقلال فترة من الحكم الديمقراطي -أحزاب وانتخابات وصحافة حرة ونشاط سياسي مكثف-.
ثم أنهى انقلاب ١٩٥٨ عمر هذه الفترة الديمقراطية، ولقد استمر الحكم العسكري ٦ سنوات «٥٨ - ٦٤».
ثم وثب الشعب السوداني وثبته المعروفة -أكتوبر عام ١٩٦٤- مطالبًا بالحرية واستقلال القضاء، ووضع دستور أصيل ومحترم، وإقامة حياة اجتماعية خالية من الفساد والمظالم.
كانت هذه أول تجربة في العالم الثالث الذي اكتسحته موجة الأنظمة العسكرية، أول تجربة يقدم فيها شعب بكامله على تغيير النظام العسكرى وإحلال النظام الديمقراطي محله بوسائل سلمية: الإضراب العام والمظاهرات، والمفاوضات.
ثم جاء انقلاب مايو ١٩٦٩ فألغى النظام الديمقراطي الحزبي، ورفع شعار: الحزب الواحد، وأقام بالفعل هذا الحزب ممثلًا في الاتحاد الاشتراكي السوداني.
جرب السودان إذًا في العشرين سنة الماضية- أربع صيغ سياسية:
• صيغتين من الحكم العسكري، مع اختلاف في طبيعة وأساليب النظامين .
• وصيغتين من الحكم الديمقراطي الحزبي.
من جانب آخر: شهدت الحياة السياسية في السودان، تجارب متنوعة في أساليب الحوار والجدال والمناقشة.
جرى الحوار بالمنطق، والمنشور، والخطبة السياسية، والكيد السياسي الذي اتسمت به الحياة الديمقراطية في كل بلد.
وجرى الحوار بالبندقية، والمدفع، والدم.
- حوادث أبا عام 1970 وحركة يوليو 76.
- ولقد استثنينا من هذه التجارب: تجربة حسن حسين وتجارب أخرى مماثلة، لأنها أقرب إلى الانقلاب العسكري، بينما اتسمت حوادث أبا وحركة يوليو بطابع شعبي.
في هذه الأيام ظهر في السودان شيء جديد هو العودة إلى الحوار السياسي، والاتفاق -فيما يبدو- على اجتناب وسيلة السلاح والدم .
ورغب الجميع -فيما يبدو- في الوفاق الوطني الذي يحفظ طاقات البلاد ووحدتها واستقرارها، وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة لم تظفر -في أجهزة الإعلام العالمية- بغطاء إعلامي مناسب، إلا أن هذا «التجاهل» أو هذه «الغفلة» الإعلامية لا تقلل من حجم الظاهرة، ولا من أهميتها.
تكتسب قضية «المصالحة الوطنية» في السودان أهميتها من ثلاثة اعتبارات:
• اعتبار وطني أو قومي: ويتمثل في الكف عن «التدمير المتبادل» بين النظام والمعارضة، ففي التحليل النهائي لنتائج التدمير اتضح -والتعبير بالماضي يفترض أن الطرفين أدركاً ذلك ولمساه- أن الامة السودانية هي الخاسرة، فطاقات النظام -البشرية والمادية-وطاقات المعارضة -البشرية والمادية- إنما هي طاقات سودانية قبل كل شيء .
والكف عن -التدمير المتبادل- بداية معقولة لترميم ما انهدم، والشروع في بناء جديد.
• واعتبار عربي: ويتمثل في أن يعود السودان إلى وضعه الطبيعي في أخذ زمام المبادرة المساهمة في تهدئة أو الحد من الخلافات بين الدول العربية، ساهم السودان -مثلاً- في إنهاء حرب اليمن، وساهم في التوفيق بين زعامات عربية -عصفت بها الخلافات عصفًا- في مؤتمر القمة العربي الذي عقد بالخرطوم عقيب حرب يونيو عام ١٩٦7.
ولن يتمكن السودان من القيام بهذا الدور الضروري إذا صار هو ذاته طرفًا حادًا في الخصام بين مصر وليبيا مثلًا .
النظام مع مصر، والمعارضة مع ليبيا.
ومن الواقعية أن نقول: إن للطرفين أصدقاء في العالم العربي، وكان هؤلاء الأصدقاء يواجهون حرجًا شديدًا، لأن الوفاء للصداقة يعني -في هذا الموقف- المشاركة الفعلية في تمزيق السودان.
وإذا أخذنا بالنظرية السياسية التي تقول: إن وحدة العالم العربي مقدمة طبيعية لوحدة العالم الإسلامي، فإن البداية المنطقية لهذا التسلسل هي أن وحدة كل قطر، مقدمة طبيعية لدخوله في وحدة أو اتحاد أو تنسيق أوسع وأرحب.
ولا وحدة لقطر احتكم أبناؤه إلى السلاح في حل خلافاتهم.
• واعتبار دولي أو عالمي :
يقال بإن الانقلاب الذي وقع في النيجر كان سببه: ارتفاع سعر اليورانيوم.. ومعروف أن حرب السويس كانت بسبب قناة السويس، وأن الكونجرس الأمريكي في هذه الأيام يناقش موضوع «قناة بناما» وتأثيرها على السياسة الأمريكية في المستقبل، وأن حكاية الصراع في الصحراء الغربية -بين الجزائر والمغرب- ابتدعت لاستنزاف طاقات الجزائر، وصرفها عن المضي في حركة التصنيع الشامل، وصرفها -طبعًا- عن تزويد أسواق إفريقيا بمنتوجاتها، حتى لا تنافس -في المستقبل- المصدرين الغربيين.
و... و... و...
نريد أن نقول: إنه من العسير -في هذا العصر- عزل أي بلد عن السياسة الدولية.
وللسودان أهمية إستراتيجية مرئية: حدوده المشتركة مع ثماني دول، وساحله الطويل على البحر الأحمر، ووضعه كحزام أمن لمصر بكثافتها السكانية، وحزام أمن للسعودية بوزنها الروحي وثقلها النفطي والمالي.
وللسودان أهمية اقتصادية مفعمة بالاحتمالات المبشرة: أرض واسعة جدًا صالحة للزراعة، وثروة حيوانية كبيرة -في عالم تهدد مستقبله مشكلة الغذاء-، وإرهاصات بوجود نفط بكميات تجارية، وكفاءات علمية تصلح نواة للبداية في استثمار حقيقي.
وللسودان أهمية بشرية، نعني «التركيبة البشرية» التي تجمع -في توازن عددي وحضاري- بين الانتماء العربي والانتماء الإفريقي، وهو توازن يرشح السودان للنهوض بدور متزن في المنظومتين: العربية والإفريقية.
هذا الدور لا يتم تمامه، ولا يعطي ثماره -على مستولي دولي- إلا باستقرار داخلي مكين يتفق عليه أبناء السودان أنفسهم.
من تلك الاعتبارات تستمد المصالحة الوطنية في السودان قيمتها ودورها.
والمصالحة -كأمنية- تمت، ولكن هل تتم المصالحة كميثاق، وبرنامج، وعمل؟
السؤال بصيغة أخرى: هل يستطيع السودان أن يحقق تجربة جديدة في العالم الثالث؟
إن العالم الثالث واجه -ولا يزال يواجه- قضيتين كبيرتين لم يتخذ فيهما -حتى الآن- قرارًا راشدًا ومناسبًا:
• قضية الحرية.
• وقضية التنمية.
فمن السهل جدًا أن تلغى الحرية لتعزيز حركة التنمية، بصب كل الجهود الوطنية والقومية فيها، وبالتوجيه الصارم الحديدي لكل الطاقات والإمكانات، وبالكبت الشديد لكل صوت أو رأي يوجه نقدًا جوهريًا عميقًا للخطة المرسومة.
والإنجاز المحقق «راجع تجارب: سوكارنو وعبد الناصر، ونكروما وسيكتوري، والبعث ونظام الحكم في اليمن الجنوبي».
من السهل سلب الحرية بدعوى الحصول على الخبز.
ومن السهل المناداة بحرية فوضوية تشترى الذمم فيها وتباع، وتشبع في أجوائها قلة، بينما تصاب الكثرة بالبؤس والمسغبة وفقر الدم -راجع نموذج لبنان ونموذج تايلاند-.
الحل الأرشد: أن يشبع المواطن وأن يكون حرًا في نفس الوقت.
لقد فشل العالم الثالث في إيجاد هذه الصيغة، فهل يستطيع السودان ذلك؟
هل يستطيع إيجاد حرية بلا فوضى، واستقرار بلا إرهاب؟
من المبشرات أن السودانيين متفقون على الحرية- وهذا مبدأ أساسي لا يضيره كثيرًا الاختلاف على الوسيلة والصورة، بل إن هذا الاختلاف مطلوب ابتغاء الوصول إلى صيغة معقولة.
* في الحرية:
هل تكون صورة الحرية أحزابًا جديده -تتفق على المبادئ الأساسية، وتختلف على البرامج التفصيلية التي تخدم المبادئ المشتركة-.
«مثال ذلك: الأحزاب في أمريكا وبريطانيا وألمانيا، وأحزاب الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة»، هل تكون صورة الحرية حزبًا واحدًا يشترك في قيادته قادة الأحزاب والنظام، وتنتظم قاعدته الأتباع من هنا وهناك؟
هل الحرية المتصورة أن يبقى الوضع كما هو مع تعديل لصالح الحرية، كإلغاء الإجراءات الاستثنائية، وصيانة حرمة المواطن في رأيه ومسكنه وعمله وماله، ثم جعل كل هذه الضمانات في يد قضاء مستقل في محاكم مدنية عادية؟
هل الحرية المقصودة أن تكون الصحافة حرة تعبر عما تريد -في حدود المبادئ الدستورية التي ستكون موضع اتفاق-؟
ثم من يملك الصحافة؟ هل يملكها أفراد فتتكرر -من ثم- تجربة لبنان غير الناجحة: أن يتحكم فرد في الرأي العام، وأن يبيع هذا الفرد صحيفته لهذه الدولة أو تلك، وأن يجعل صحيفته وسيلة للربح الحرام؟
هل يملكها أحزاب؟ هنا يكون الاعتراف بالأحزاب، وأفضل من هذا الاعتراف المبطن، أن يتم الاعتراف الكامل والصريح حتى يواجه كل حزب مسؤوليته ويتحمل تبعة عمله.
هل الحرية أن تمارس النقابات حريتها في التجمع والتعبير والمطالبة بحقوقها؟
وما مدى هذه الحرية؟ أهي حرية يستقيم معها الإنتاج، أم هي حرية تضر بعملية الإنتاج؟ ومن الذي يحدد مدى هذه الحرية؟
* وفي التنمية
ما مدى العلاقة بين الحرية والتنمية؟ وكيف يمكن التوفيق والتوازن بين تشجيع القطاع الخاص -في الداخل والخارج- على الاستثمار الضخم، وبين ضمان حقوق العاملين من جهة، والاحتفاظ بوزن الدولة من جهة أخرى.
من يقود عملية التنمية أساسًا: القطاع العام أم القطاع الخاص؟ ولا ينبغي أن نلجأ إلى السهولة فنقول: القطاع العام بالتأكيد، ذلك أن تجربة قريبة من السودان -وعلى حدوده الشمالية في مصر- قاد فيها القطاع العام حركة الإنتاج، فلم يفلح.
والقطاع الخاص متاعبه كذلك أهمها: أنه يؤثر الربح -وهذا منطق طبيعي لرأس المال- على ترتيب أسبقيات التنمية، وأنه لا يهتم كثيرًا بتوفير الخدمات على مستوى الدولة.، وأنه يؤثر في السياسات التعليمية والأخلاقية والاجتماعية إلى حد كبير.
أم أن هناك صيغة ثالثة للتنمية؟
هذا هو دور السودان في تقديري: أن يجد حلًا لهذه المشكلة فيساهم -وهو يحل مشكلته الخاصة- في حل معضلة العالم الثالث.
وهذا هو دور الذين يمكن أن يقدموا البديل، فإن العطاء هو أرقى معايير التقدم نحو المشاركة في خدمة الأمور العامة.
ولئن افترضنا -أكثر من مرة- الاتفاق بين أطراف المصالحة الوطنية في السودان، فإن هذا الافتراض مبني على ما نادى به الجميع وهو أنهم -جميعًا- يريدون الإسلام خلقًا للفرد ومنهجًا للدولة.
هذا هو الالتزام المشترك، وهذا الالتزام يقضي بالاجتهاد في إطار الإسلام:
• الحرية في إطار الإسلام.
• علاقات الإنتاج في إطار الإسلام.
وإنه لسباق راشد شريف: أن ينطلق المتسابقون -في البداية- من خط مستقيم في مباراة فكرية وسياسة جادة، ثم إذا أبصر متقدم ما لم يبصره الآخرون، أقبلوا عليه مهنئين، لأن ما رآه إنما هو في مصلحة الأمة السودانية المسلة في هذا السباق الحر الشريف، تسقط كل المقاييس المتخلفة، وينتصب مقياس الكفاءة والعطاء وحده.