; انعكاس الانتخابات الأميركية على الخارطة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان انعكاس الانتخابات الأميركية على الخارطة الإسلامية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1980

مشاهدات 73

نشر في العدد 488

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 08-يوليو-1980

لابد قبل استكناه الأثر المنعكس عن الانتخابات الرئاسية المنتظر إجراؤها في أميركا قبل نهاية هذا العام من الإفادة من تجارب الانتخابات الرئاسية الأميركية في الماضي القريب حيث إن هناك بضعة من الملاحظات يمكن للمراقب أن يضعها على هامش الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وحتى انتخاب الرئيس جيمي كارتر في خريف عام ١٩٧٦ ولعل أبرز هذه الملاحظات يكمن فيما يلي:

1- الدور السياسي الذي يلعبه مستوى العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها من ناحية وعلاقتها مع الاتحاد السوفياتي، وحلفائه من ناحية أخرى حيث إن المد والجزر في هذه العلاقات التي تكتنفها حالات من الوفاق تارة، والصراع أخرى يأخذ خيرًا مؤثرًا في ذهنية الناخب الأميركي الذي اعتاد أن يقيم سياسة بلاده من خلال أمور عديدة أبرزها الميدان الخارجي للعلاقات الدولية.

2-الظروف الداخلية للشعب الأميركي في جانبها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي هي الأخرى تلعب دورًا أساسيًا في طبيعة الناخب الأميركي لدى اختيار مرشحه الرئاسي ذلك الناخب الذي يعتقد كما يصور له الإعلام هناك بأن الطاقة والنفط هي سبب رئيسي في رفاهية الشعب الأميركي أو شقائه.

3-اللوبي اليهودي الذي يلف على العنق الانتخابي في كثير من المواقع داخل الولايات المتحدة الأميركية، ولعل أبرز المواقع المؤثرة في أية مفاضلة رئاسية هي الإعلام والمال ولليهود في هذين الموقعين داخل معظم الولايات المتحدة الأميركية فعلية مؤثرة.

 

وإذا كانت هذه الملاحظات هي بمثابة مؤثرات فعلية حقيقية في طبيعة الانتخابات الرئاسية ونتائجها في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن في ذلك ما يحمل دلالة أكيدة على أن ثمة انعكاس من جراء انتخابات الرئاسة هذه يؤثر ببعض المعالم السياسية على خارطة العالم الإسلامي لماذا؟

- لأن مواقع الخارطة الإسلامية تدخل في نطاق النفوذ الدولي الاقتصادي والسياسي في حالتي الصراع والوفاق بين الولايات المتحدة والدول الكبرى الأخرى وطالما أن لعبة النفوذ ستلعب دورها في الانتخابات الرئاسية التي ستحصل قبل نهاية هذا العام في أمريكا، فلابد من انعكاس أثر هذه الانتخابات على مواقع النفوذ ومنها بلدان الخارطة الإسلامية.

- ولأن مسألة الطاقة التي يعتبر النفط مصدرًا أساسيًا من مصادرها يقع في مواقع متعددة على الخارطة الإسلامية، فلابد أن تبرز منعكسات الانتخابات الأمريكية على هذه المواقع طالما أنها تلعب دورها في ذهنية الناخب الأمريكي بحيث يفرضها الإعلام هناك كمشكلة من مشكلات الحياة الأساسية، ولابد لضمان الرجل الذي يستطيع حلها لمصلحة الشعب الأمريكي بعد دخوله البيت الأبيض مباشرة.

- ولأن اليهود هم العدو الأول للأمة الإسلامية فلابد لحركة اللوبي اليهودي الذي بدأ منذ شهور يلف على عنق الناخب الأمريكي من العمل لمصلحة الحكومة اليهودية، والشعب اليهودي الموجود في فلسطين المغتصبة والأراضي العربية المحتلة الأخرى، وهذا سينعكس بالتالي على موقع هام يشكل قلب العالم الإسلامي.

وهنا يحسن بنا أن نضرب بعض الشواهد والأمثلة على الأثر الذي يمكن أن تعكسه حركة انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة وفق ماسبق من ملاحظات.

أولًا: القضية الفلسطينية:

يخطيء من يعتقد في عالمنا أن ثمة لوبي إسلامي فعال بدأ يطوق حركة الأفعوان اليهودي في الولايات المتحدة.

 - فاتجاهات العرب والمسلمين في أمريكا تتعدد بتعدد اتجاهات الأنظمة العربية والإسلامية، بينما يرى بعض المراقبين أن ثمة اتجاه واحد يربط المنظمات اليهودية فيما يتعلق بقضية فلسطين، والأراضي الأخرى المحتلة من قبل اليهود.

- وفعالية المال والإعلان التي يعمل اللوبي اليهودي من خلالها في توجيه السياسة الأمريكية قبل الانتخابات الرئاسية مفقودة عند العرب الذين يدفعون بقدراتهم المالية في كثير من الأغراض غير المشروعة، بينما لا تجد أثرًا يذكر للأثر العربي في الإعلام داخل الولايات المتحدة.

وفي ضوء هاتين النقطتين فإن اليهود هم أقدر من العرب والمسلمين في توجيه السياسة الأمريكية بالنسبة لقضية فلسطين، والأراضي العربية المحتلة وهنا يستطيع المراقب المسلم معرفة السبب في تصاعد الضغط اليهودي داخل الأراضي المحتلة، كما أنه يستطيع الوقوف على حقيقة بروز النزعات العسكرية التوسعية في سياسة العدو مؤخرًا، فقد تكون العقلية اليهودية الطامعة تخطط لضربة جديدة تسميها الأنظمة العربية فيما بعد «نكسة».

ثانيًا: لبنان

ولبنان الذي تشعبت مأساته أيام الرئاسة السابقة والتي فاز فيها الرئيس الأمريكي جيمي كارتر هو الآخر واحد من المواقع التي تتأثر الآن باقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في أمريكا، وإلا ماذا يعني التمدد اليهودي داخل دولة حداد؟ وماذا تعني محاولات توسيع هذه الدولة الآن لتعطي جنوبي لبنان؟

إن اليهود يعدون العدة لقطف ثمرة دورهم في انتخابات الرئاسة الأمريكية على الجزء اللبناني من الخارطة الإسلامية، ففي تقرير لإحدى الصحف العربية، ورد أن الملك حسين تلقى أثناء وجوده في الولايات المتحدة الأمريكية لدى زيارته الأخيرة للرئيس كارتر معلومات مفادها «أن حربًا جديدة في الشرق الأوسط من الممكن أن تشتعل قبل الانتخابات الأمريكية القادمة في شهر أكتوبر، وذكر الملك حسين على حد تعبير التقرير الذي نشرته صحيفة (اللواء اللبنانية) صباح الخميس الماضي أنه من المحتمل أن تبدأ الحرب في لبنان ومن ثم تنتشر إلى بلدان عربية أخرى».

إن الاستغلالية اليهودية للظروف المتحكمة في الانتخابات الأمريكية لن تغفل عن المسألة التوسعية التي هي خطة استراتيجية في سياسة الحكومة اليهودية،وإذا كان لبنان مهيئًا بظروفه المفروضة عليه من خارجه لأي عمل يهودي، فإننا نستبعد امتداد الحرب اليهودية المشار إليها إلى دول عربية أخرى، ليبقى الطمع اليهودي محصورًا في أجزاء من لبنان تعد الآن لاستقبال بعض المهاجرين اليهود، وإذا أراد اليهود القيام بعمل مبدئي جزئي قبيل الانتخابات، فإن توسيع منطقة (لبنان الحر) هي في الخطة اليهودية التي ترمي إلى إخضاع الجنوب اللبناني كله للإدارة العسكرية اليهودية.

الجهد العربي متعدد بعدد الأنظمة واللوبي اليهودي مرتبط بقضية واحدة هى القدس.

ثالثًا: إیران وأفغانستان:

وللأثر المنعكس عن الانتخابات الأمريكية على إيران وأفغانستان قد لا يعود إلى تخطيط أو توجيه يهودي مباشر بقدر ما يعود إلى لعبة النفوذ التي تخضع للمد والجزر في حالتي الوفاق والصراع المشار إليهما في الملاحظات أعلاه.

- فلعبة الروس في أفغانستان: لم تخرج عن خير الوفاق الذي دبج كارتر بريجينيف طبيعته في لقائهما الأخير قبل غزو الروس لأفغانستان بشهور، وفي أعداد ماضية أشرنا مرارًا إلى أن إتفاقية «سولت ۲» بين الروس والأمريكان هي التي أعطت الضوء الأخضر للروس باقتحام حصن الثورة الإسلامية المظفرة، وإذا كان ثمة من يرى بأن الانتخابات الأمريكية هي التي تدفع بالرئيس كارتر للضغط على الروس من أجل الانسحاب من أفغانستان، فإن المراقبين الإسلاميين يرون غير هذا، حيث يعتقدون أن المرشحين «الديمقراطي والجمهوري» لانتخابات الرئاسة المقبلة يستثمران قضية أفغانستان استثمارًا إعلاميًا وذلك بالشكل الذي لا يجعل الناخب الأمريكي يعتقد أن أحد المرشحين سوف يحطم حالة الوفاق مع الروس من أجل أفغانستان، وتبقى القضية أمام الناخبين هناك قضية لا تتجاوز العمل الإعلامي الذي يريد أن يجعل من أحد المرشحين الرجل المناسب لحل الأزمات الدولية.

- أما إیران فإن المسألة تبدو هنا أكثر تعقيدًا واشتباكًا، وإذا كان هناك من يقدر بأن الانتخابات المقبلة ستلعب دورًا أساسيًا في مسألة الرهائن مثلًا فإن هذا يدخل في باب المراهنات التي يطرب لها الشعب الأمريكي الحديث، ولكن إيران الطاقة إیران النفط إیران الموقع الاستراتيجي كل هذا هو في تفكير المرشحين للرئاسة إلا أن الانهزامية الأمريكية بسقوط الشاه كواحد من أكبر عملاء أمريكا في العالم هي التي قد تسبب للمرشح الديمقراطي «جيمى كارتر» - بحسب ماهو مرجح - بعض المشكلات الانتخابية في مواقع كثيرة. 

يبقى أثر الانتخابات عملًا تكتيكيًا لا نعتقد أنه سيمتد إلى داخل إیران «الشعب» للطبيعة التي سار عليها شعب إیران بعد نجاح الثورة الإسلامية.

رابعًا: الطاقة والخليج

وبما أن الطاقة التي يعتبر النفط مصدرًا أساسيًا من مصادرها تلعب دورها في مشاعر الشعب الأمريكي، فلا بد أن تنعكس آثار الانتخابات الأمريكية على مواقع هذه الطاقة التي يشكل النفط حجر الأساس فيها والذي يحتل موقعه الأول في منطقة الجزيرة والخليج كما أن اليورانيوم يأخذ حيزًا من اهتمامات الأمريكيين نحو الطاقة والذي تذخر به بعض المواقع في المغرب العربي لكن كيف يمكن للانتخابات الأمريكية أن تؤثر في هذه المواقع؟

وقبل الإجابة لابد من التأكيد من أن الناخب الأمريكي هو الورقة المطلوبة الرابحة في الصراع الانتخابي بين الديمقراطيين والجمهوريين داخل آمریکا، وطالما أن الناخب يحلم بالرفاه ويعتقد أن أول أسبابه هو الطاقة، فلابد للإعلام الأمريكي أن يلعب لعبة ذهن الناخب مستغلًا آثار وجود الحشود الحربية البحرية حول منابع النفط في الجزيرة والخليج سلبًا أو إيجابًا كما أنه لابد أن يشغل الناخب الأمريكي بدحر أمريكا في حرب الصحراء التي تشب وتخمد في المغرب العربي حيث تجتمع كثبان اليورانيوم، وبالتالي فإن هذا السلوك ينعكس على هذه الأجزاء من العالم الإسلامي، حيث يقوي شهوة النهم الاستعماري تجاهها من ناحية أو يدفع - على رأي البعض - بهذه المناطق للوقوع في بعض الحرائق والمشكلات المحلية والحدودية على النحو الذي يحصل على أرض المغرب العربي بين المغرب والجزائر والبوليساريو وموريتانيا، وإذا كانت مثل هذه المحاولات تبدو للأخرين مستحيلة الحصول في الخليج، فقد يلعب التكتيك الانتخابي بعض الألعاب على مسرح الطاقة تشمل الفائض المالي العربي في بنوك أمريكا و تقديرات أسعار النفط وتناسبها مع رغبة الناخب للرئيس الأمريكي القادم، وغير ذلك من الألعاب والتجارب التي مارسها المستعمر الأمريكي اللدود على مواقع كثيرة من خارطة العالم الإسلامي.

بقي هناك أمر:

ماذا يتوجب على أنظمة العالم الإسلامي تجاه العملية الانتخابية التي تبدو آثارها موجعة على ظهر الأمة الإسلامية؟

إن رجال الأنظمة يعرفون جواب هذا التساؤل تمامًا ويعرفون أن سياسة نفض اليد من الولاءات والتبعيات هي السياسة الوحيدة التي يمكن أن تحمي أجزاء الأمة الإسلامية من منعكسات الانتخابات الأمريكية، ومسألة الأطماع الاستعمارية وسياسة نفض اليد هذه لابد لها أولًا وآخرًا من المزيد من التعقل والالتحام مع الشعوب التي ستكون أول حام للنظام إذا حقق الرغبة الشعبية التي تتمثل الآن في جميع أجزاء الخارطة الإسلامية لتحكيم الإسلام في جميع أصعدة الحياة.

 اللهم بلغنا اللهم فاشهد.

 

الرابط المختصر :