; التعليم من الازدواجية إلى العلمانية المرض والمصير | مجلة المجتمع

العنوان التعليم من الازدواجية إلى العلمانية المرض والمصير

الكاتب الدكتور علي جريشة

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1978

مشاهدات 60

نشر في العدد 395

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 18-أبريل-1978

الجزء الأول

وجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليبين الناس ما نزل إليهم.

• واستمر منهل العلم صافيًا يفيض بالحياة فتنبض بها القلوب ويشيع بالنور فتضيء به العقول.

وسارت الحياة، وسرى النور.. على ساحات من الأرض شاسعة.. 

اهتزت وربت.وأضاءت وأشرقت وأنجبت أجيالًا من العلماء في كل الفروع.

ولا يزال العالم يزهو بأمثال: أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، وبأمثال ابن سينا وأبي بكر في الطب وابن الهيثم والخوارزمي في الرياضيات وغيرهم.. ولم تعد الأرض قادرة عن أن تنجب أمثالهم.. مع أن الله لم يبدل الأرض غير الأرض والسموات لكن الناس تبدلوا.. وكاد الله أن يستبدل بهم قومًا غيرهم. 

أولًا – نظرة سريعة إلى الماضي - بعيد وقريب:

• ماضي الأمة الإسلامية بعيد وقريب

بعيد يمتد إلى المعلم الأول.. إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بل يمتد من قبل إلى من سبقه من رسل الله وأنبيائه فلقد كانت رسالتهم واحدة ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۚ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ (هود: 84).

وكانت دعوتهم وتعلمهم منبثقًا عن ذلك الأصل الثابت وظل ذلك الأصل.. حياة للقلوب، ونورًا للعقول.

وجاء كتاب الله وفي أول سورة ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ * ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ * ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ﴾ (العلق: 1-5).

• وهذا الماضي البعيد.. قد امتد إلى عهد قريب.. ومن ثم فهو بعيد وقريب موصول بحبل الله المتين.. فأبو حازم، وابن تیمیة، وابن القيم... ومحمد بن عبد الوهاب وحسن البنا، وعبد القادر عودة، لا يزال عهدنا بهم قريب.

علم وعمل

• كان الإسلام هدف العلم.وكان العمل به قرين العلم في القلب وعلى الجوارح.

وبين العلم والعمل جناس. وبين العلم والعمل رباط لا ينفصم.

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (محمد: 19).

﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: 9).

﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 23).

﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (غافر: 83).

﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ ۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾. (العنكبوت: 38).

- اعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله حتى تعملوا.

والناس هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون والمخلصون على خطر عظيم.

المسجد: 

• وكان المسجد مكان العلم.

.. فلا يدخله إلا متوضئ. والوضوء نور والعلم نور.

نور على نور.. ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (النور: 35).

وعرف العالم القيروان والزيتونة والأزهر.. من بعد المسجد الحرام ومسجد الرسول والمسجد الأقصى.

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (النور: 36- 37).

- وتخرج الرجال.. من هذه البيوت ليخرجوا منها بعد ذلك.. ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: ٢٣).

تبدل:

  • وتبدل الزمان.. وتبدلت القلوب.. وما تبدلت الأرض ولا السماوات.. وبدأ الخط البياني ينزل من القمة سريعًا إلى السفح. وكانت محنة الإسلام بين كيد أعدائه وغفلة أبنائه. وغزتنا الصليبية والصهيونية. ومن بعدها الشيوعية تفتك بشبابنا وتهتك من حرماتنا وتسحب الأرض من تحت أقدامنا وصحب الغزوة الأثمة ولحقها تخطيط رهيب.. يهدف إلى الإنسان لا إلى الأرض ويتجه فيه إلى القلب والعقل لا إلى الجسد لينال منه أغلى وأعز ما فيه.. 

تخطيط رهيب:

• تمثل التخطيط الرهيب في احتلال العقل بديلًا عن الأرض، واحتلال القلب بديلًا عن التراب...

وحمل الغزو الثقافي للأمة الإسلامية عناصر الموت الحقيقي.. وكان سبيله الأول إلى ذلك... التعليم.. 

من هنا..

كان اهتمام المحتلين بالتعليم.. ليصلوا منه إلى احتلال العقول والقلويب وسلكوا في هذا السبيل.. أساليب عديدة تحمل في طياتها الخبث والمكر. إن مواجهة الأمة الإسلامية بالهدف من وراء التغييرات كان كفيلًا بأن يوقظ النوم وينبه الغافلين، بل كان كفيلًا بأن يحيي الأموات..

لكنهم لم يواجهوا الأمة بالهدف النهائي.. بل راحوا يطبقون ازدواجية التعليم ثم تلاها ما اصطلح عليه بعلمانية التعليم ونتناول الآن بمشيئة الله قصة ازدواجية التعليم.

ثانيًا: - ازدواجية التعليم –

عندما قدم الإنجليز إلى مصر كان التعليم الوطني في قبضة الجامعة الأزهرية الشديدة التمسك بالدين، والتي كانت أساليبها الجافة القديمة تقف حاجزًا في طريق أي إصلاح تعليمي، وكان الطلبة الذين يتخرجون في هذه الجامعة يحملون معهم قدرًا عظيمًا من غرور التعصب الديني ولا يصيبون إلا قدرًا ضئيلًا من مرونة التفكير والتقدير، فلو أمكن تطوير الأزهر عن طريق حركة تنبعث من داخله لكانت هذه خطوة جليلة الخطر ولكن إذا بدأ أن مثل هذا الأمل غير محصور في إصلاح التعليم اللاديني الذي ينافس الأزهر حتى يتاح له الانتشار والنجاح، وعندئذ فسوف يجد الأزهر نفسه أمام أحد أمرين فإما أن يتطور.. وإما أن يموت ويختفي.

* هذه كلمات اللورد كرومر.. الذي حكم مصر المسلمة ممثلا للاحتلال الإنجليزي يساعده دنلوب وهو أحد خريجي كلية اللاهوت في لندن.

* تكملها كلمات للمستشرق جب وفي أثناء الجزء الأخير من القرن التاسع عشر نفذت هذه الخطة الأبعد من ذلك بإنماء التعليم العلماني تحت إشراف الإنجليز في مصر والهند.

* وأخيرًا تكمل هذا كلمات زعيم المبشرين النصارى – زويمر – يقول على جبل الزيتون في القدس إبان الاحتلال الإنجليزي لفلسطين سنة 1935م لقد قبضنا أيها الإخوان في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية.. إنكم أعددتم نشئًا في ديار المسلمين لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها وأخرجتم المسلم من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقًا لما أراده له الاستعمار المسيحي لا يهتم بالعظائم ويحب الراحة والكسل ولا يعرف همه في دنياه إلا في الشهوات.. فاذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات وإن.. تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء..

كانت تلك هي النصوص..

ومفادها أنه لما كانت البلاد الإسلامية في سابق عهدها إسلامية التعليم، فقد كبر على الاستعمار الغازي أن يترك للمسلمين دينهم، بعد أن أبى عليهم أن يترك لهم أرضهم وكان لا بد له أن يحقق لهم جهالتهم بالدين ليتحقق فيهم من بعد أن من جهل شيئًا عاداه.

- أما السبيل الأول فهو ما لجأ إليه من حصر التعليم الديني وحصاره ماديًّا ومعنويًّا

فأما الحصر والحصار المادي فقد كان يفتح التعليم اللاديني في مواجهته وتشجيعه وهو ما أشار إليه المستشرق جب بإنماء التعليم العلماني تحت الإشراف الإنجليزي في مصر والهند.

وتم مع ذلك تضييق الموارد المادية على التعليم الديني.

وإغداقها على التعليم اللاديني.

وأما الحصر والحصار المعنوي فهو ما لجأ إليه من تنفير وسخرية بطالب العلم الديني وبأستاذه وبالتفرقة بين أستاذ الدين، والمواد الأخرى.. في كل شيء.. تفرقة مرسومة مقصودة ثم بالتفرقة بين خريج المعاهد والكليات الدينية وبين زملائه في الكليات الأخرى. فمناصب المعاهد والكليات الدينية محدودة، متواضعة في المظهر وفي الأجر. ومناصب المعاهد والكليات الأخرى عديدة كثيرة فارهة المظهر، والأجر. وفي اللاشعور... يرسب ذلك كله...

نفورًا من الدين.

وإقبالًا على غير الدين.

من حيث لا يدري الطالب الصغير أو الكبير ومن حيث لا يشعر. 

وأما السبيل الثاني.. فكان الابتعاث إلى الخارج.. إلى الدول غير الإسلامية وحقق ذلك الابتعاث نتائجه الباهرة المقصودة.

فهو أولًا يزيد طالب التعليم العام تعلقًا بقيم الغرب أو الشرق ومثله وهو من ناحية أخرى يبدأ بتطبيعه بطباع غير إسلامية.. ثم يصير التطبع مع الزمن طبعًا وينسلخ الطالب من حيث لا يشعر حتى من تقاليده.. في الملبس والمأكل والمشرب وطريقة التعامل ويغدو غربيًّا.. أو شرقيًّا.. ربما أكثر من الغربي أو من الشرقي.

وحول هذا المعنى يقول أحد الكتاب الغربيين – فبينما يترك الحكام الغربيون منطقة الشرق الأدنى تتحول هذه المنطقة فتصبح أكثر غربية ويواجه الزعماء العرب طريقين.

فهم يطردون الغرب سياسيًّا ويسحبون الكتل الشعبية إلى الغرب ثقافيًّا – العالم العربي اليوم – مودوبيرجر.

ولقد بدأ هذا السبيل مبكرًا.. ربما ليسارعوا إلى تخريج الأساتذة التي تجرى – تفريخ – مبادئهم بعد ذلك في بلادهم بغير حاجة إلى ابتعاث الجدد، وبغير حاجة إلى جهد غير وطني وهو ما يصرح به نفس الكاتب السابق حين يقول...

أما الآن فقد قبلت التأشيرات في الشرق الأدنى إلى درجة تجعل من الصعب التحقق من أن امرءًا ما قد ذهب أو لم يذهب إلى أوروبا أصلًا، فقد أصبح العرب – متغربين بدون أن يتكلفوا عبء الذهاب إلى أوروبا. 

ومثل لذلك كررته في أكثر من مؤلف.

هو الشيخ – رفاعة رافع - الطهطاوي الذي ابتعث إلى باريس خمس سنوات (1831 – 1836) ليعود بعدها يصرح بأن الرقص الغربي الذي تتلاصق فيه الأجساد وتختلط الأنفاس وتتلاقى النظرات..

بأن هذا الرقص لون من العياقة والشلبنة – أي الفتوة – ثم ينادي بالفرعونية – وهي في ميزان الإسلام جاهلية وعصبية منتنة - ينادي بها بديلًا عن الإسلام.

ومن بعد رافع.. كان طه حسين وكتاباته في مستقبل الثقافة في مصر وفي مرآة الإسلام.. ومن قبلها في الشعر الجاهلي.. لا تحتاج إلى تعليق لكل ذي بصر إسلامي.

ومع طه حسين.. قاسم أمين.. الذي نادى في مصر بتحرير المرأة وإن نسب البعض كتابته إلى الشيخ محمد عبده وسعد زغلول وقد خشي الزعيمان على شعبيتهما فحملا قاسم العبء... وحمله إنه كان ظلومًا جهولًا..

كل هؤلاء. لم تكن ثقافتهم ولا تربيتهم محلية...

ومن ثم فلم يكن غريبًا ما صرحوا به أو أذاعوه.

بل كان ذلك جزءًا من مخطط رهيب أليم لهدم قيم الإسلام ومثله.

ولا يزال الابتعاث.. رغم ما خرج من أساتذة يقومون بنفس الدور لا يزال له دوره، وبخاصة في البلاد التي تسمى – نامية – والتي يخشى أن تتجه بصدق إلى الإسلام.. لا يزال الابتعاث من مرحلة ما بعد الجامعة إلى مرحلة ما بعد الثانوية العامة.. حيث سن المراهقة الخطير ينتقل فيه الشاب من المجتمع المغلق إلى المجتمع المفتوح، والمفتوح جدًّا... فتنقلب موازين عقله بعد موازين قلبه، كما حدث في درس رفاعة رافع الطهطاوي – الصعيدي –.

كما يصل الاهتمام حد الحرص على إيفاد المبعوث.. سنة كاملة كل خمس سنوات بعد عودته من بعثته المباركة وتوليه أهم المناصب.

وهكذا.. يستمر الرضاع بين الأم ووليدها.. دون فطام..

وهكذا.. يتولد ضمان استمرار - الولاء – و – والوفاء - أو ما هو أشد من الولاء والوفاء...

- أما السبيل الثالث: فهو انتشار المدارس الأجنبية في البلاد الإسلامية

وقد كان في البداية سبيلًا لتنصير المسلمين.. وعلى هذا نصت بعض مؤتمرات التبشير وعلى هذا نفهم إنشاء الكلية الإنجيلية في بيروت.

وإنشاء الجامعة الأمريكية في مصر.. لكن استفادة من نصائح زويمر لم يعد مطلوبًا إدخال المسلمين إلى المسيحية إنما يكفي إخراجهم من الإسلام.

وعلى هذا تعمل المدارس الأجنبية حاليًا في البلاد الإسلامية.

وأقل ضرر لها.. هو الإزراء باللغة العربية، وتمجيد اللغة الأجنبية بما يترتب على الأمرين من آثار خطيرة في اللاشعور.

وأقل ضرر لها.. هو الإزراء بالدين بعد أن تعمد إلى تقديم مدرسه متهدمًا في مظهره ومخبره، مثيرًا للسخرية والاشمئزاز من صغار الطلاب وكبارهم على السواء. بينما يظهر رجل الدين عندهم على نحو مخالف يولد الرهبة والاحترام وقد يولد الحب والود والألفة.

وأما السبيل الرابع: فقد كان تمييع - المناهج الإسلامية باسم التطوير

وقد رأينا أن كرومر قد دعا إلى تطوير الأزهر.

ورأينا خلفاء – كرومر – يقومون بالتطوير بعد خمسين سنة أو يزيد.

ومع كرومر أو قبل كرومر نادت بذلك مؤتمرات التبشير.

ولم يكن الأمر قاصرًا على مناهج المعاهد والكليات الدينية.. إن الأمر امتد إلى مناهج – الدين – في التعليم العام.. فاقتصرت على القشور واحتوت على التعقيد.. وصاحبها سوء اختيار معلم الدين الذي كثيرًا ما يكون متعمدًا.. ليورث في اللاشعور كراهية الدين والسخرية منه..

وأما السبيل الخامس والأخير

فقد كان نشر الاختلاط بين الجنسين في مراحل التعليم وقد بدأوا بها في الجامعات.. في أكثر البلاد الإسلامية.. تحت دعوى التقدم والتمدين، ونشر الروح الجامعية، وكأن التمدن والتقدم ونشر الروح الجامعية لا يتم إلا بإشعال نار الغرائز، وتأجج سعار الشهوة.. في سن الشباب الملتهب.

وقالوا في تبرير الاختلاط الكثير.. مما هو غير صحيح حتى في علمهم هم.. فقد قالوا إن الاختلاط يشذب الغريزة ويهذبها... وأثبت العلم أن الاختلاط لا يخلو من أحد أمرين... إما أن يشيع – البرود الجنسي بين الجنسين.. وهذا مرض تشكو منه بعض البلاد وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.

وإما أن يؤجج سعار الجنس ويزيد لهيبه.. وهو ما تؤكده تجربة القط والفأر اللذين أتيا بهما وهما رضيعان ثم وضعا في قفص صغير واحد، وظلا يأكلان سويًّا من طبق واحد، حتى إذا جاء موعد ظهور الغريزة، ولكل غريزة موعد انقض القط على الفأر يأكله ولم تشفع له عِشرة طالت ولا اختلاط دام..

وتوسعوا في أمر الاختلاط فجعلوه في المرحلة الابتدائية.. وهي عند البعض قد تضم بعض سنوات المراهقة.. وجعلوه في المرحلة الثانوية وهو أخطر ما يكون...

وتزداد المهزلة.. حين يجعلون على هؤلاء المراهقين.. مدرسات لتمتد النيران ما بين المراهقين والمدرسات.. فتنهدم قيمة احترام المدرس مع ما ينهدم من قيم بالاختلاط أو مع الاختلاط. 

وتأكيدًا لهذا السبيل الآثم تحرص كثير من المؤلفات على التهوين.. من مقدمات الزنى التي لا بد أن تفضي إليه إلا من عصم ربي.. وقليل ما هم في أحد كتب مؤسسة فرانكلين الأمريكية التي تنشر في إحدى البلاد الإسلامية يقول – فبدلًا من فصل البنين عن البنات يجب أن نعمل على إشراكهم معًا في الأعمال الممتعة ومواقف اللعب، وإذا حدث استلطاف بين بعض البنين والبنات فينبغي النظر إليه على أنه نوع من الصداقة وليس غرامًا أو عشقًا..

وعبثًا تحاول المؤسسة الأمريكية أن تخلع عن الحرام اسم الحرام.. وأن تخلع عليه ثوب البراءة الكاذب.

إن خروج الفتيات في صحبة الفتيان من الأمور الطبيعية التي يستطيع معظم الآباء تقبلها في الوقت المناسب على أي حال باعتبارها جانبًا من جوانب: النمو الجسمي للمراهق.

وفي مكان آخر: وفي كل علاقة بين فتى وفتاة يشعر كل منهما في بعض الأحيان بدافع يحفزه على التعبير عن حبه وتقديره للآخر بلمسة أو ضغطة على اليد أو قُبلة والكشف عن المشاعر بهذه الطريقة والاستجابة لها أمر طبيعي..

وأخيرًا.. 

فالشوق إلى القُبلة أو بعض الغزل الرقيق أو الإنصات إلى قصة فيها تلميحات جنسية.. هذه ليست أمور شائنة..

وقد سبق خطوة الاختلاط في الدول الإسلامية المتقدمة.. خطوة تمر بها الآن الدول الإسلامية.. غير المتقدمة وهو التوسع في تعليم البنات..

وتعليم البنت في حد ذاته قد لا يكون هو مصدر قلق.. لكن التوسع في هذا التعليم من غير تخطيط إسلامي بل ولا حتى فطري هو مصدر القلق كله.

ذلك أن أفكار اختلاف فطرة المرأة عن الرجل غباء أو تغاب فلا شك في هذا الاختلاف.

ومن ثم وجب اختلاف المناهج وفقًا لهذا الاختلاف، ووجب اختلاف مجالات العمل كذلك تبعًا لهذا الاختلاف..

ذلك لو كان الذين يخططون لتعليم البنات.. يصدرون عن فهم إسلامي أو حتى عن فهم ذاتي مبرأ من التدخل الأجنبي.

أما أن يصير الأمر مجرد مزاحمة للبنت مع الولد بحجة التمدين والتحضر حتى ولو صادر ذلك فطرتها وطبيعتها.. بحيث ترى البنت مهندسة وصانعة وعاملة في الأفران.. فذاك لا يقره عاقل.

كذلك يسبق خطوة الاختلاط خطوة أخرى.. هو تعرية المرأة - المسلمة وكشف الحجاب عنها.. كذلك تحت دعاوى التحرر والتمدين وما حدث في الكويت الشقيقة منذ سنوات أقرب مثل..

لقد كانت الكويت – وهي جزء من الجزيرة العربية – تفرض الحجاب على المرأة وبغض النظر عن الخلاف الفقهي في مدى كشف وجه المرأة.

فإن الأمر لم يقتصر على كشف الوجه.. بل كشفت المحارم التي لا خلاف على حرمتها.

وكان آخر ما قدمته الكويت المسلمة.. إحراجًا لضيف كبير مسلم أن رقصت فتياتها المراهقات بملابس قصيرة تكشف عن أفخاذهن وبأداء متكسر مثير.. أمام الضيوف الكبار الذين امتدت بهم الجلسة إلى ما بعد منتصف الليل.

وهكذا يسبق التحرر الاختلاط.. ليزول الحياء قبل الاختلاط فيسقط آخر مانع يحول دون اشتعال النار.

وهكذا ينزوي التعليم الديني.

مع ذلك الضجيج الهائل من حوله.. ومع ذلك التخريب الهائل من داخله وهكذا مثلت – الازدواجية – في التعليم تكتيكًا مرحليًّا – مارسه أعداء الإسلام في الشرق الإسلامي المسكين.

وترتب على هذا الازدواج بالوضع الذي أشرنا إليه نتائج خطيرة: 

1– فهي أولًا أدت إلى تمزيق المجتمع الإسلامي بين طائفة العلمانيين الواردين من الخارج أو المتخرجين في الداخل. 

2– وهي ثانيًا أدت إلى إبعاد العلمانيين عن الإسلام.

3– وهي ثالثًا جعلت الأمر إلى أيدي هؤلاء العلمانيين.

4– وهي رابعًا أدت الإزراء من شأن الدين والازدراء بطلابه ومعلميه.

الرابط المختصر :