العنوان التغريب وأثره على مجتمعاتنا الإسلامية
الكاتب عبدالله السقاف
تاريخ النشر السبت 01-أغسطس-1987
مشاهدات 69
نشر في العدد 829
نشر في الصفحة 30
السبت 01-أغسطس-1987
- لا يمكن الفصل بين الاستشراق والتغريب فهما صنوان متلازمان يكمل كل منهما الآخر.
طرحت «المجتمع» في العدد رقم (823) عبر المنتدى الفكري موضوع التغريب كواحد من أخطر ما ساهم في تمكين الاستعمار من عالمنا المسلم.
ومشاركة من الأستاذ عبد الله السقاف تطرح المجتمع في هذا العدد ما يثري موضوع منتدى «التغريب» الذي شارك فيه كلٌّ من الدكتور عبد الله النفيسي، والدكتور بهيج ملا حويش، والمستشار علي جريشة، والدكتور عبد السلام الهراس.
يقول الأستاذ السقاف في مقالِهِ:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
لا يخفَى على كل عاقل ما للفكر من دور في بناء الأمم أو انهيارها، وعندما تسعى أمة في سبيل رقيِّها المادي فعليها في نفس الوقت أن تنمِّي طاقاتها الفكرية بالأسلوب الأمثل وفي الطريق الفطري الطبيعي لكيلا تحدث فجوة بين التقدُّم المادِّي والمعنوي يتبعها تلك التناقضات التي نراها في الغرب هذه الأيام.
والأمة الإسلامية كانت خلال جميع عصورها الذهبية تدرك حقيقة لازمة لا بديل لها، ألَا وهي أن الفكر الإسلامي لا بد أن ينشأ في حضانة الدعوة الإسلامية وعلى سبيلها، وعليه أن يستمد جذوره وأصوله من القرآن الكريم والسُّنة المطهرة واللغة العربية وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وتاريخ الإسلام والأدب العربي، وإدراك هذه الحقيقة يتبعه لزومًا إدراك مفهوم الإسلام الشمولي، فاكتمال الإسلام بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة:3) شيء لا مجال لقائل فيه.
ومن هنا فقد كانت قواعد الإسلام وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم مستمدة من القرآن وكذلك كانت حياة الصحابة والتابعين من بعده، واستمرت حركة العمل بعد ذلك في ظل الإطار الذي رسمه الشرع في كل مجال بغير أي تبديل في القواعد الأساسية التي رسمها القرآن، وكذلك فقد كان اتصال المسلمين بالفلسفات اليونانية والفارسية والهندية تجربة قاسية انتهت بانتصار الإسلام وهُزمت جميع محاولات السيطرة والاحتواء والغزو الفكري وبقيت الحقائق الأساسية قائمة.
• هل نجحوا؟
ندرك هنا الحقيقة الواضحة وهي «لماذا انتصر الإسلام وبقِي» ذلك لما يحتويه من صفات تُؤَهِّله لكي يكون دائمًا في المقدمة، ثم إنه وبعد أن بدأ المسلمون في التراجع عن منهج السماء وبدأوا يخلدون إلى الأرض تكالب الأعداء عليهم تكالبهم على الفريسة الموشِكَة على الهلاك أخذ المسلمون في ترك أسباب القوة وسلكوا سبل الانحلال فتخلَّفوا بعد التقدم، وضعفوا بعد القوة وفقدوا كل قِيَمِهم الفكرية التي كانت تُؤَهِّلُهم لقيادة الأمم ... وأصبحت الأمة التي تحوي ألف مليون لا تساوي في ميزان القوة أي شيء، تلك الأمة التي كانت تحكم العالم أصبحت عبارة عن كُتَلٍ من الشواذ المتناثرة التي لا تربطها أي رابطة، ونحن عندما نقول ذلك فنحن لا نقوله مبالغة ولكن تحقيقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من قبلكم حتى لو أنهم دخلوا جحر ضَبٍّ لدخلتموه» (متفق عليه) وقوله: «ولكنكم غثاء كغثاء السيل»، هذا الغثاء الذي نراه اليوم ليس وليد الساعة ولكن وليد قرون وأعوام من الخطط والمؤامرات والكيد لأمة الإسلام، هذه الخطط التي حيكت بأيدي كل الأعداء الذين أبصروا في الإسلام خطرًا عليهم فاجتهدوا في إيجاد أنجع السُّبُل في القضاء على هذا الدين.
ونقولها وبكل ألَم لقد نجحوا فيما أرادوا وكنا ننعم بنوم طويل لم نستيقظ منه إلا أخيرًا. استيقظنا منه بعد أن رأينا العدو المشترك بدأ يتألب على هذه الأمة، وبعد أن رأينا الآلاف، بل الملايين من يسمون بالمسلمين وليس لهم من الإسلام إلا اسمه، الملايين أصبحوا مسلمين بالاسم الذي ورثوه من آبائهم قد قضت عليهم الحضارة المادية بسحرها وأشربوا حب الغرب حتى الثمالة ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ (البقرة:165) فأصبح الغرب هو المُشَرِّع لهم، وأصبح الغرب هو مصدر كل شيء لهم وهو الملجأ في المعضلات حتى أصبح يعلمهم لغتهم!! التي يتخلدون عنها «وحين كان المسلمون يسعون إلى تقليد الغرب والأخذ بأسباب حضارته مفتونين بها كان الغرب في نفس الوقت يسعى في مستعمراته وفي مناطق نفوذِه إلى نشر حضارته بين المسلمين وحملهم عليها تقريبًا للفجوة التي تفصل بينه وبينهم، وصيانة لمَصَالِحِهِ في هذه المناطق»(1).
ومن هنا فقد نشأ أسلوب جديد عن ساسة الغرب ومخطِّطي الاستعمار هو مفهوم التغريب وهو حمل المسلمين والعرب على قبول ذِهنية الاستسلام والاحتواء والتحرك من داخل دائرة قيمهم بما يخلق شعورًا بالنقص في نفوس المسلمين(2).
- أسلوبان:
وقد تم ذلك بأسلوبين بتحريف القيم الإسلامية والتاريخ وتشويه مبادئ الإسلام ثم بخلق عقلية جديدة تفكر من خلال العقلية الغربية مما نشأ معه أجيال تحتقر ماضيها بكل مقوماته الإسلامية والشرقية وأدى إلى إبعاد العناصر التي تميل إلى الثقافة الإسلامية عن مراكز التوجيه، واستتبع كل ذلك تغيير الشخصيات الإسلامية والعربية والتشكيك في عظمتها وفي مقدمتها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ومحاولة إحلال ووضع البديل مكان الأصيل والعمل على تقديم تغييرات زائفة ذات شكل لامِع تفتن المغفلين السذَّج وبِهَالتها وضجيجها؛ لتخفف كل رأي وفكرة أصيلة، ولتحويل الرأي عنها باسم البحث العلمي والعبارات البرَّاقة الخدَّاعة.
ولأهمية موضوع الفكر والثقافة التي تنتهجها أمة من الأمم وأثرها على مستقبلها سنحاول في هذا البحث بإذن الله تعالى أن نبين أسلوب الغرب في تدمير الفكر والأمة الإسلامية بالحركة التغريبية التي ابتلي بها العالم الإسلامي هذه الأيام، وسنحاول أن نوضح مكامن الضعف التي أتينا منها لنحصنها ومناطق القوة التي يجب علينا أن نقويها ومنهجنا في كل هذا هو أن نلاحظ ما طرأ على طريقة التفكير للعالم الإسلامي، وأسلوب حياته وثقافته الروحية والمعنوية، ثم نستتبع ذلك بتحليل الأسباب والعوامل التي أدَّت إلى تلك النفور في البناء الإسلامي بطريقة منطقية تسلسلية تاريخية.
وبعد ذلك سنضع بعض الحلول التي نرجو أن يكون فيها الخلاص لأمتنا وديننا من مأساته هذه الأيام.
- الاستشراق والتبشير
يرى كثير من المثقفين هذه الأيام أن المعنى الحَرْفِيَّ لهذه الكلمة إنما يعني التقدُّم إلى الأمام بسلوك المجتمع الغربي في كل شيء.
ولو رجعنا إلى الوراء قليلًا لأدركنا السبب الحقيقي لظهور هذه الكلمة وما استتبعها من نتائج أثرت على الأمة تأثيرًا جذريًّا شاملًا.
أولًا: التبشير والتنصير:
بعد فشل الحملات الصليبية على بلاد الشرق الإسلامي فكَّر الصليبيون في الغزو التبشيري عن طريق العلم والطب بدلًا من الحروب العسكرية التي أثبتت فشلها، فاتخذوا من لبنان نقطة لبدايتهم حيث شجعوا الخلافات بين الدروز والنصارى مما أدَّى إلى اشتعال الحرب الأهلية عام 1860وفتح الباب على مصراعيه لكل تدخل أجنبِي، وأصبحت لبنان مركزًا للدول الأجنبية والغربية ينفذون منه إلى قلب العالم الإسلامي حيث كانت أكثر المؤسسات التبشيرية تتخذ منه مركزًا لنشاطاتها(3).
يقول فيليب حتِي في كتابه الإسلام والغرب: «بعدما فشلت الجهود الصليبية للسيطرة على الإسلام والقضاء عليه في الحروب الصليبية قامت نزعة جديدة في الدوائر المسيحية وهي أن تنال الهدف عن طريق التبليغ ونشر التعاليم المسيحية وجاء الغزو العقائدي مكان الغزو الحربي وهناك ظهرت الحركة التبشيرية إلى الوجود»، يقول «زويمر» شيخ المبشرين: «إن مهمة التبشير التي ندبتكم الدول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية، فإن هذا هداية لهم وتكريمًا، وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم عن الإسلام ليصبح مخلوقًا لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها وبذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طلائع الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية وهذا ما قمتم به خير قيام».
• مراحل التبشير:
وقد مرت حركة التبشير بثلاث مراحل:
1- مرحلة الخدمات الإنسانية كالتطبيب والتمريض والعناية بالأطفال وكان التبشير يلجأ إلى مخاطبة المسلمين بأفكارهم الاجتماعية السائدة لكيلا يلقى التحدي سافرًا أمامهم.
2- مرحلة افتتاح المدارس وإنشاء التعليم العام الذي كرَّس لغرس القِيَم المخالفة لمعتقدات البيئة الاجتماعية الخاصة بالأمة.
3- الاستغلال لظروف المسلمين الصعبة أحيانًا بما يخدم أغراضه في جميع المجالات.
ولقد واجه التبشير أكبر المصاعب ألَا وهي الفكر، الذي يحمله أي مسلم عادي عن النصرانية بأنها مجموعة من الاعتقادات المحرَّفة عن الوثنية الإغريقية والتي لا يمكن أن يقتنع بها المسلم الذي يحمل أرقى أفكار التصور للحياة والخلق على هذه الأرض، لذلك فقد لجأ التبشير إلى أسلوب آخر هو طريق المنطق والجدل والتشكيك الذي يحثون من خلاله على النظرة المتساوية للأديان والثقافات والأمم، وإلى تَبَنِّي العلمانية والقضاء على روح الدين والوطنية ومُقومات الأمة وفكرها واحتقارها الثقافة الوطنية وتراثها، وغير التبشير خططه ليشمل قطاعين:
أولًا: إلغاء الفروق بين الكاثوليك والبروتستانت ليحل محله عمل مشترك لمواجهة الإسلام.
ثانيًا: اختفى التبشير إلى القاع ليحل محله على السطح «التغريب» باسم العصرية والحضارة والتقدمية.
ثم تبع ذلك ظهور الاستشراق وكتبه ليحل محل كتب المتعصبين وكانت كتب الاستشراق قد أعطيت طابعًا علميًّا في مظهرها واختفت منها الكلمات العدائية المباشرة ليحل محلها النقاش والحوار العلمي الذي يدس من خلاله كل فكرة يريدون بها هدم أصل من الأصول(4).
• الاستشراق:
«إن الهدف الحقيقي من الاستشراق هو تعريف الغرب بنقاط القوة في العالم الإسلامي لهدمها»(5) ويرمي الاستشراق من خلال ذلك إلى تصوير المصدر الأساسي للفكر والثقافة الإسلامية على أنه هو الأثر الغربي والأوروبي وجعل الحضارة اليونانية وترجماتها هي الأساس الذي بُنِي عليه الإسلام وفكره.
يحاول الاستشراق من خلال ما كتبه رجاله بناء هيكل جديد للفكر الإسلامي يخضع لمقومات الحضارة الغربية وقد سعى إلى ذلك عن طريق الجامعات التي كانت تمنح الشهادات الدراسية كالدكتوراه وعن طريق استقطاب أبناء المسلمين يشجعهم لفكرِهِ ثم يقلدهم المناصب الكبرى في بلادهم، وقد ساهم الدكتور طه حسين في تنمية هذا المنهج بكتاباته في تفسير الثقافة الإسلامية ومقوماتها، وهنا نستطيع القول إن الاستشراق هو بحق «استخدام العلم في خدمة السياسة».
مما سبق لا يمكن لنا الفصل بين الاستشراق والتغريب فهما صنوان متلازمان يكمل كل منهما الآخر فالتغريب هو «المؤسسة الأم» للاستشراق كما لا يمكننا فصل التغريب عن النفوذ الأجنبي الذي يتحكم في كل هذه المخططات فالهدف منها واضح ويتمثل في نقاط:
السيطرة الاقتصادية: وهي سيطرة شاملة على رأس المال والأرباح وطريقة الاستثمار والرِّبا.
السيطرة الفكرية: عن طريق التغريب وتغيير الفكر الاجتماعي السائد إلى فكر غربي.
السيطرة الاجتماعية: وذلك من خلال تدمير قيم المسلم عن طريق وسائل الإعلام، والسينما والمسرح والغناء والمسلسلات.
السيطرة السياسية: وذلك عن طريق تقسيم العالم الإسلامي إلى دويلات تعادي كلٌّ منها الأخرى وتمزيق الخلافة العثمانية.
يتبع ...
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل