العنوان التغريب وحتمية الدكتاتورية
الكاتب راشد الغنوشي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-فبراير-1980
مشاهدات 74
نشر في العدد 469
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 12-فبراير-1980
المتأمل في النماذج السياسية السائدة في العالم الإسلامي والعربي بشكل خاص يلاحظ ظاهرتين متلازمتين بارزتين، تمثلان قاسمًا مشتركًا بين كل هذه النماذج السائدة على اختلافها.
الأولى: ظاهرة التغريب: فكل هذه النماذج تستوحي مثلها الثقافية والاقتصادية والاجتماعية عامة من الغرب في شكله الرأسمالي أو الاشتراكي، إذا صرفنا النظر عن تطلعات الإيرانيين إلى نموذج جديد، فما عدا ذلك تعتبر أوروبا لدى الجميع هي النموذج المحتذى للتقدم والحضارة، حتى أن الهدف من كل برنامج ثقافي أو اقتصادي للتنمية هو بحسب المكررة عندنا:
«اللحاق بركب الأمم المتقدمة، والنسخ على منوالها في ثقافتها وتنظيمها الإدارية وعمارتها وأزيائها، واعتبار أن التقدم يقاس بمستوى الإنتاج والإنتاجية والدخل الفردي، إلخ.
النخبة المثقفة والتغريب: ومرد هذه الظاهرة في العالم الإسلامي إلى أن النخبة المثقفة التي قادت حركة التحرر من الاستعمار الأوروبي، وهي نخبة تربت غالبًا في أحضان الغرب، لئن كانت عصرية إلا أنها لم تكن مؤصلة، فما كان تصورها للاستعمار يتعدى وجوده العسكري السياسي إلى كونه بناء فلسفيًا ثقافيًا حضاريًا، بمعنى عام، وما كان تصورها للإسلام بالمقابل يتجاوز كونه ثراثًا حضاريًا ومجموعة مبادئ أخلاقية روحية لا علاقة لها بالبناء الاجتماعي إن لم تكن سبب إرباك له، فما كان تصورها إلى اعتباره هو أيضًا بناء عقائديًا وحضاريًا شاملًا ، إذ أن الإسلام الذي أنشأت في ظله تلك النخبة كان الانحطاط لا يزال يطمس معالمه الحضارية، ورغم أن الإسلام كان هو وقود الثورة ضد الاستعمار والمحرك الأساسي للجماهير إلا أن جوانبه العاطفية كانت هي المسيطرة على الألباب، فكيف يمكن لهذا الإسلام العاطفي أو الروحي أن يمد القادة السياسيين بتصور لنموذج اجتماعي منبثق عن تصوراته العقائدية خاصة وأن الفكر الإسلامي لم يكن يومئذ قد تخلص من قيود الانحطاط وبدأ انطلاقته، فلا عجب والحال هذه أن تكون أوروبا بعد جلاء جيوشها عن العالم الإسلامي هي المثال الأعلى الذي استوحى منه القادة أسلوب الحياة السائدة اليومية في العالم الإسلامي، وهو أسلوب لا يمكن وصفة بأنه غربي لأنه ليس كذلك وهو بالتأكيد ليس إسلاميًا لأن صانعيه لا هم بالمؤصلين إسلاميًا ولا هم بالغربيين لأنهم مقلدون والمقلد لا يكون أصيلا، إنه نموذج يشبه المسوخ في عالم البيولوجيا.
الظاهرة الثانية: العنف أو الديكتاتورية: ولأن هذه النماذج السائدة في العالم الإسلامي مستوحاة من الغرب عن طريق النخبة المثقفة فقد ظلت بناء فوقيًا لم يستطع أن يتغلغل في أعماق الجماهير التي ظلت مشدودة إلى الإسلام ونماذجه الاجتماعية التاريخية، وفقدت ما كانت عليه من حماس فياض إبان الكفاح ضد الاستعمار وبدأ شعور المرارة وخيبة الأمل والاغتراب يسيطر عليها وهي تجد نفسها في وسط اجتماعي كل ما فيه غريب عنها... فنونه وآدابه وأشكاله المعمارية وتنظيماته الإدارية وحتى لغته في بعض الأحيان وأزيائه فكان طبيعيًا جدًا أن تمنى بالفشل كل مخططات النهضة في العالم الإسلامي: اقتصادية، عسكرية، إلخ. بدليل أنه لا يوجد بلد إسلامي واحد حتى الآن يمكن إدراجه ضمن قائمة الدول المتقدمة، وكيف لا تمنى بالفشل برامج تتجاهل ثقافة الجماهير بل تعاديها في أحيان كثيرة، مما يدفع تلك الجماهير إلى حالة قاسية من اليأس والفتور واللامبالاة والانصراف إلى التافه والعاجل من الاهتمامات، والاستعداد للانقاض وراء كل داع للثورة، فماذا يبقى أمام النخبة الغربية التي تقود، لكي تحافظ على مراكزها ومصالحها وامتيازاتها بعد أن تكررت ثقافتها الأصلية فغدت معزولة عن الجماهير إلا أن تتنكر أيضًا لثقافتها الغربية التي تقدس الحرية فتعتمد إلى أساليب القمع ومصادرة الحريات العامة وتركيز أجهزة قمعية عسكرية وبوليسية مدعومة بمليشيات لتحمي نفسها من الجماهير الثائرة ومنعها من ممارسة حقها في التنظيم السياسي وحرية الصحافة وكيف يمكن لها أن تسمح بذلك وهي على يقين من كونها نخبة منبتة عن الجماهير وثقافتها ومصالحها، أنها مضطرة بحكم كونها نخبة غربية غريبة عن الأمة:
أ- أن تصادر الحريات العامة وتقيم نظامًا قمعيًا يحميها.
ب- أن تنشئ طبقة جديدة تتمتع بامتيازات تجعلها محظوظة ومرتبطة بالنظام القائم وتتمكن بواسطة تلك الامتيازات من إنشاء مجتمعات صغيرة ترفل بكل ما طاب ولذ من حياة الغرب وفنونه وترفه ولهوه وزينته، مجتمعات تمارس فيها حتى طقوس الغرب الدينية كالاحتفال بأعياد الميلاد أنها كالجزر الشغيرة اللاهية وسط محيطات من الفقر والحرمان ولأن هذه النخبة السياسية والثقافية والاقتصادية تعيش معزولة عن الجماهير وآلامها وروحها وفي خوف مستمر من ثورتها تراها تتهالك على اللذائذ وتغرق في الكؤوس على نغمات الموسيقى وأصوات الغنى وضجيج الرقص في حفلات ومهرجانات الغناء والرقص وما أكثرها في عالم الفاقة والحرمان، إنها تفعل ذلك أملًا في نسيان الهاجس الذي يلاحقها ثورة الجماهير وحتى لا يحصل ذلك تعمد تلك النخبة التي تحولت إلى طبقة إلى السيطرة على مقاليد التوجيه الثقافي والتربوي والسياسي باذلة كل جهدها في اجتثاث الجماهير من أصولها الثقافية وفرض التعذيب عليها، وتحمي هذه الديكتاتورية الثقافية السياسية الاقتصادية دكتاتورية عسكرية بوليسية.
ج- أن ترتبط هذه الأنظمة النخبوية بمراكز القوى الدولية المالية والسياسية والعسكرية لحمايتها اقتصاديًا وعسكريًا مقابل صيانة الأنموذج الغربي بعد رحيل الغرب والمحافظة على مصالحه في الإبقاء على البلاد مصدرًا ثريًا لتزويد صناعته بالمواد الأولية بأبخس الأثمان وسوقًا لبضائعه ومتنزهًا لسواحه أحيانًا.
وحيثما قلبت نظرك في العالم الإسلامي متصفحًا الأنظمة السائدة، وخاصة في العالم العربي تجد الارتباط الجذري الحتمي بين ظاهرتي التغريب والعنف والاستغلال حتى في النماذج الاشتراكية حيث نشأت طبقة جديدة وذلك لأن التغريب وهو اقتلاع أمة من جذورها هو بحد ذاته نوع من العنف وهو لا يستمر إلا في حماية الديكتاتورية، وهي ليست ديكتاتورية سياسية فحسب بل هي ديكتاتورية اقتصادية تتمثل في إغداق الامتيازات على الجهاز السياسي والثقافي والعسكري الذي يحمي التغريب ويشكل في الأخير طبقة.
نتيجة خطيرة: وهذا التحليل ينتهي بنا إلى نتيجة خطيرة وهي ضرورة تحذير مطالب الجماهير السياسية والاجتماعية في الحرية والعدالة؛ لأن الحرية وكذا العدالة إنما نمت أوروبا في ظل ثقافة معينة ذات تصورات معينة للإنسان والحياة والوجود فكيف يمكن في العالم الإسلامي أن نتحدث عن الحرية أو العدالة دون القيام بفحص دقيق لمكوناتنا الثقافية التي يمثل الإسلام محورها نبحث فيها عن موقع هذه القيم في هذه الثقافة فيكون حديثنا عن الحرية أو العدالة ليس من قبيل التلويح بالشعارات البراقة وإنما بحثًا عن أنموذج حضاري جديد ينبثق عن إسلامنا وعصرنا لا أقصد إسلام الانحطاط وإنما الإسلام في صورته الأصلية وهو ثورة شاملة ضد الاستبداد والاستغلال والتبعية في كل أشكالها ودعوة ملحة إلى الترقي المعنوي والمادي حتى يقترن في وعي الجماهير أن النضال من أجل الإسلام هو نضال من أجل الحرية والعدالة والكرامة والتقدم وأن العكس صحيح أيضًا.
الثورة الإيرانية والتطلع نحو عالم جديد: وفي هذا الصدد تعتبر الثورة الإيرانية- على حداثة سنها- بأبعادها الاجتماعية في إلحاحها على حقوق المستضعفين في الحياة الكريمة والقضاء على الامتيازات وأبعادها السياسية في الحرية، حيث تمكنت كل الاتجاهات السياسية والعقائدية في حقها الطبيعي في التعبير والتنظيم، وهو حق اعترف به الدستور الإسلامي الإيراني تعتبر بذلك تطلعًا إلى عالم جديد إلى حضارة إسلامية جديدة تنبثق من مطلع القرن الخامس عشر مبشرة بنموذج جديد للاجتماع البشري يلتئم فيه ما فرقته حضارة الغرب من شمل القيم:
الحرية، العدالة، التقدم المادي والإنساني.
فهل من عجب أن تحاصر هذه الثورة بكل عنف وخبث من القوى الدولية وامتداداتها في المنطقة العربية الإسلامية ويعدو الحديث عنها مثيرًا للرعب في أفئدة الطغاة والنخبة المتغربة التي يوشك الخوف من عودة الإسلام أن يتحول عندها إلى كابوس مضن يدفعها إلى مزيد من القمع والديكتاتورية، ولكن العنف يولد العنف والنتيجة واضحة وشاه إیران المخلوع الذي ضاقت به الأرض شاهد ناطق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل