; ملف العدد: 1939 | مجلة المجتمع

العنوان ملف العدد: 1939

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأربعاء 02-فبراير-2011

مشاهدات 53

نشر في العدد 1939

نشر في الصفحة 14

الأربعاء 02-فبراير-2011

التفتيت الناعم للثورة... والصمود «المعجزة» للشباب!

محمد جمال عرفة

كان لحكمدار مصر الإنجليزي وحاكمها لمدة 30 عامًا جون راسل باشا مقولة شهيرة تقول: «إن المصريين مثل رمال الصحراء الناعمة، تستطيع أن تمشي فوقها مسافة طويلة، ولكنك لا تعرف متى تفاجئك وتتحرك وتبتلعك»!

ومنذ عام ٢٠٠٤م، والعديد من السياسيين المصريين يؤكدون أن «مصر حبلى بثورة»، وصفها بعضهم بأنها ثورة سلمية، مرددين عبارة: «نكاد نسمع صوت الجنين»! في إشارة لتزايد المطالب بالإصلاح وزيادة حالات البطالة والفقر بين المصريين في ذلك الحين وحديث الصحف المصرية المستمر عن مسؤولين فاسدين يجري القبض عليهم باستمرار.

وساهمت سيطرة ثلاثي «الفقر والفساد، مع القمع الأمني للمعارضين» على حياة غالبية المصريين، وتزايد طابور العاطلين من شباب الإنترنت والفيس بوك» في إنتاج ثورة «إلكترونية مكتومة بين الشباب خصوصا، ظهرت معالمها في صورة معارك ودعوات تمرد إلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك» و«تويتر» و«المدونات»، أبرزها الدعوة في 6 أبريل عام ۲۰۰۸م لتمرد أو اعتصام احتجاجي ناجح ضد الحكومة بالامتناع عن الخروج من المنزل، وإصابة الحياة بالشلل، والمشاركة في وقفات سلمية في الميادين العامة.

هذه الثورة الإلكترونية ظلت تتصاعد وتشكل «وعاء افتراضيًا»، يضم ملايين الشباب المتعلم المثقف العاطل عن العمل والساخر من أوضاعه المعيشية والغاضب على انتشار الفساد والبطالة والقمع الأمني معا، والذي بلا هوية سياسية واضحة، حتى خرجت يوم ٢٥ يناير ۲۰۱۱م لتنقل هذا الغضب من ساحة «كيبورد الكمبيوتر» إلى الشارع المصري، ليلتحم معهم المصريون الفقراء العاديون والموظفون والعمال، وتحقق نجاحاً كبيراً فاجأ النظام الذي ترنح وقدم العديد من التنازلات، ولكنه يأبى هدم بنائه القديم الآيل للسقوط، ويكتفي بدهان نظامه بطلاء جديد ووعود جديدة.

ولأن الثورات تبدأ سلمية غالباً، ثم تتسع وتروى من دماء ضحايا القمع الأمني، وتغضب وتشتعل، فقد حدث ما كان متوقعا من قمع أمني معتاد، لترتوي أرض السويس أولا وحي الأربعين الشهير - الذي وقف في السبعينيات أبناؤهم يحاربون الاحتلال الصهيوني لمدينتهم ونجحوا في طرده - بدماء عشرات الشهداء، يليهما ارتقاء شهداء آخرين في كل محافظات مصر، حتى بلغ عدد الشهداء قرابة ٣٠٠ حتى كتابة هذه السطور، بخلاف عشرات آخرين قتلوا في أعمال عنف، وما لا يقل عن 5 آلاف مصاب، و5۰۰ مفقود.

ما فتح أبواب الثورة هو نجاح هؤلاء الشباب في الصمود في وجه البطش الأمني أولا، وتحملهم عناء «الضربة الأمنية الأولى» ثم صمودهم في وجه مرتزقة وبلطجية وأعوان النظام، ما دفع العديد من المترددين والخائفين من بطش النظام والحانقين على فساد وظلم السلطة للنزول للشارع، حتى أصبحت المظاهرات تضم شبابا وعمالاً، وموظفين وقضاة حاليين وسابقين وزوجاتهم وفنانين ودعاة، وأزهريين بعمامتهم الشهيرة وسياسيين وحزبيين من عدة قوى سياسية، بل وانضم لها بعض ضباط الشرطة في مراحل معينة وخلعوا بزلتهم، وكذا ضباط جيش رفعهم المتظاهرون فوق الأعناق.
 

هل نجحت الثورة؟

ما أن بدأت خطوات الثورة الأولى بإصرار الشباب على التظاهر يوميًا، والوقوف في وجه محاولات تفريقهم بالقوة، حتى بدأ سيناريو «عض الأصابع» بين المتظاهرين والرئيس «مبارك»، والذي يقوم على فكرة تسليم الطرف الذي يتعب وينهار أولًا بهزيمته.

وفق هذا السيناريو الذي نجحت به الثورة التونسية في ٢٨ يوما، بدأ الشباب المصري الغاضب ثورته يوم ٢٥ يناير؛ ليجبر الرئيس في خمسة أيام فقط على إنهاء فترة رئاسته التي امتدت ٣٠ عاما، ويحبط في الـ ١٢ يوما الأولى مخطط التوريث» ويدمر  «الحزب الوطني الحاكم»، وينسف تزاوج السلطة والثروة، ويحيل العديد من كبار المسؤولين السابقين للتقاعد أو المنع من السفر وتجميد أموالهم في البنوك، ويفتح الباب أمام قوى ترفضها السلطة مثل الإخوان المسلمين أن تخطب السلطة ودها وتطلب الحوار معها لحد قول عمر سليمان نائب الرئيس لها : «إنها فرصة ثمينة» لهم، وقول وزير الدفاع للمتظاهرين في الميدان عندما زارهم «قولوا لمرشد الإخوان يذهب للحوار مع عمر سليمان»!

وبعد الانتصار الذي حققه المتظاهرون ضد آلة البطش الأمنية بعد «جمعة الغضب» الشهيرة، ثم «جمعة الرحيل»؛ كان الجميع يتوقع أن يتبعه تقديم الرئيس «مبارك» تنازلا جوهريا، وهو ما لم يحدث، لتبدأ حلقة أخرى من مسلسل «عض الأصابع» بين الطرفين ببقاء المتظاهرين في الميادين للأسبوع الثالث.
 

ووسط تحركات قوى سياسية وما سمي بــــــ «لجان حكماء» برزت من سياسيين وعلماء وخبراء قانون حول الحلول الوسط مع النظام، والتي انحصرت في الإبقاء على «مبارك» حتى نهاية فترة رئاسته لمدة 8 أشهر مقبلة، بشرط تفويض نائبه في كل سلطاته؛ «بمعنى أن يتوارى في الظل ويصبح رئيساً على الورق فقط»، استمر الثوار في رفض أي بديل سوى رحيل الرئيس ورحيل النظام، مستندين إلى أن ثورتهم ألغت شرعية هذا النظام القديم وخلقت شرعية جديدة، وأن الإبقاء على النظام معناه عدم نجاح الثورة في تحقيق أهدافها وهو تغيير النظام.

يؤكد الكاتب الصحفي فهمي هويدي أن ما حدث في ٢٥ يناير ثورة حقيقية، ولكنها لم تحقق أهدافها بعد لأن ما حدث من إصلاحات ما هو إلا مجرد بعض الإجراءات وتغيير الوجوه، متسائلا: ما الموقف من قانون الطوارئ؟ وهل يؤتمن مجلس الشعب الحالي في الفترة المقبلة؟

وأضاف هويدي: إنه لا يرى أن المسألة قد انتهت؛ لأنه - على حد تعبيره - أصبح «لدينا ثلاثة «حسني مبارك»، والخطوات الإصلاحية لم تتم طواعية، بل تمت بضغط من الداخل والخارج»، مشيرا إلى أن ما يحدث حاليا هو محاولات لتجديد طلاء لبناية تحتاج إلى إعادة بناء من جديد، والموقف لم يتغير فيه شيء إلا اللغة والأجواء العامة!

ويشدد الشباب على أن هدف ثورتهم هو الرحيل»، وأصدروا عدة بيانات تصر على رحيل «مبارك».
 

منها بيان «الحركة الشبابية المصرية في الفيس بوك»، الذي يؤكد «رفض كل المحاولات التي تقوم بها بعض القوى والتي تحاول القفز على إرادة الشعب.. والتشديد على أنه «لا يجوز التراجع وبأي شكل من الأشكال عن إزاحة ورحيل النظام بأسره وعلى رأسه مبارك».

مستقبل الثورة

لأن سيناريو «عض الأصابع» انتهى في الأيام الأولى لصالح المتظاهرين، فقد سعى الرئيس «مبارك» لتسريع عمليات التنازل والتغيير - التي لا تطال شخصه هو وتبقيه هو المسيطر، وتبقي على النظام لإفشال الثورة - مثل تعيين «عمر سليمان» مدير المخابرات نائبا للرئيس، وسحب نجله من لجنة سياسات الحزب الوطني، ما يعني انتهاء سيناريو توريث الحكم لنجله «جمال»، وتعيين صديقه المقرب «أحمد شفيق» وزير الطيران وقائد القوات الجوية السابق رئيسا للوزراء.

وهذا الاختيار كان من الممكن أن يرحب به المصريون قبل سنوات، بيد أن الظرف التاريخي تغير والوقت له ثمن في حالات التغيير، خصوصا بعدما قامت الثورة، ولهذا رفضه المتظاهرون عندما جاء متأخراً، وهتفوا في صوت واحد بميدان التحرير: «لا حسني ولا سليمان.. الكلام ده كان زمان».

وقد ساعد على إطالة عمر النظام التدخلات الأمريكية والأوروبية - وبالتبعية الصهيونية - التي تخشى من نظام جديد مقبل غامض في مصر، وطني التوجه وليس تابعا للغرب، قد لا يقدم نفس الخدمات التي يقدمها النظام الحالي للغرب، ويقلب طاولة المصالح الغربية في المنطقة أو يعرض أمن «إسرائيل» للخطر.
 

وكذا توافق رؤى النظام مع هذه القوى الدولية في التخويف مما يزعمونه سيطرة الإخوان أو الإسلاميين عموما على السلطة، بزعم إمكانية إنشاء دولة دينية بحسب أكاذيبهم، برغم أن جماعة الإخوان أعلنت عدم ترشيح أحد منها في انتخابات الرئاسة المقبلة.

فهل ينجح النظام في التفتيت الناعم للثورة عبر حواراته التي بدأ يجربها مع كل القوى السياسية، واضطر الإخوان للمشاركة فيها لتأكيد مطالبهم وعرقلة التفتيت الناعم للثورة؟ أم ينجح النظام بالاستقواء مع قوى سياسية أخرى في تفتيت الثورة عبر حشد سياسي وشعبي يحمل الثوّار مسؤولية الفراغ الأمني والخراب الاقتصادي والتخويف من حكم الإسلاميين؟

أغلب الظن أن الثوار لن يعودوا إلى منازلهم قبل تحقق أغلب مطالبهم، فقد أريقت دماؤهم، وارتوت الثورة بدماء الشهداء والمصابين وأصبح التخلي عن مطالبهم خيانة لهؤلاء الشهداء.

سبع ملاحظات أولية على ثورات الحرية

عبد الرحمن فرحانة (*)

الحراك الاجتماعي والسياسي الجاري في معظم البلاد العربية ليس ظاهرة عادية بكل المقاييس والاعتبارات، بل هو تفاعل جار في مرجل التغيير وبوتيرة عالية؛ لا شك أنه سيحمل تأثيراً عميقاً على البيئة الاجتماعية والسياسية الداخلية القائمة وبشكل بنيوي وجذري أكثر من ذلك إذا ما استمر خطه البياني في التصاعد، وهو مرشح لذلك، فإن محصلة مفاعيله ستترك آثاراً بالغة على الفضاء الجيوسياسي، وحتى الجيوستراتيجي في المنطقة.

لهذا كله، فإن هذا الحراك الذي فاجأ الجميع بما فيها قوى الاستبداد والتغيير داخل المنطقة والاستعمار خارجها على حد سواء، قد فجر مخزون الخوف لدى مراكز التقدير الإستراتيجي في الدولة العبرية، إذ على الفور أصدر رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية «أفيف كوخافي» توجيهات سريعة لفرق البحث في جهازه لدراسة الظاهرة الجارية، وتقديم تقديرات إستراتيجية حول تداعياتها وتأثيراتها على البيئة الإستراتيجية ل إسرائيل»، وانعكاساتها على الأمن القومي لها.

وفي سياق الدراسة لهذه الظاهرة، يطرح هذا المقال بعض الملاحظات الأولية السريعة بشأن تداعياتها وتأثيراتها وانعكاساتها، وهي بلا شك تحتاج لدراسة أكثر عمقا وتحليلًا:

- الملاحظة الأولى: مخرجات الظاهرة منذ البدء أسقطت نظرية المعالجة الأمنية في التعاطي مع المعارضة الاجتماعية والسياسية، فأمام ثقل الجماهير انكسرت هراوة الأمن وعجزت عن الحسم، وهذا سينتج تصورا جديدا ورؤية داخلية جديدة للشعب عن ذاته وحجم تأثيره، وبالتالي على الحكومات العربية أن تعيد النظر في رؤيتها لدورها ولشعوبها، وعليها أن تنحي الهراوة الأمنية جانباً، وأن تغادر ذهنية القطيع التي تتعامل بها مع شعوبها؛ لأن التحول الشعبي الجديد يحتاج خطاباً آخر، ونمطاً جديداً من التعاطي.
 

- الملاحظة الثانية: الثورة أسقطت حالة تحالف الأمن مع رموز الثروة - رجال الأعمال - وأثبتت أن هذه المعادلة غير قادرة على بناء نظام سياسي يمكن أن يكون مقبولا لدى الشعوب العربية، فالأمن غير قادر على حماية المظالم إلى ما لا نهاية، والجماهير يمكن أن تصمت على اختلال ميزان العدالة مؤقتا بسبب ثقل هراوة الأمن، لكنها لن تقبل به بشكل دائم فمرجل الغضب له طاقة على الاحتمال وها هو انفجر في تونس ومصر والتفاعل ما زال جاريا، والخلاصة هنا أن لا صحة لمقولة: «موات الشعب وثبات الاستبداد».

- الملاحظة الثالثة: الثورة زلزلت المعادلة السائدة منذ عقود بين الغرب والأنظمة التي تقوم على تأمين مصالح الغرب مقابل حماية استقرار الأنظمة، ففي الحالة الجديدة ظهر طرف ثالث هو شعوب المنطقة وهي قادرة على الثورة والتغيير برغم تباطؤ وتكاسل النخب من حولها، وعلى الأنظمة والغرب أن يضعا مكانا وازنا للجماهير في المعادلة الجديدة التي تتشكل في الظرف الراهن.

- الملاحظة الرابعة: على النخب أن تتحرك وأن تنفض عن نفسها قشرة التكلس وأن تتحرر من خوفها من هراوة الأمن كما تحررت الشعوب وعليها كذلك أن تتقدم القيادة الجماهير وترشد لها مسار التغيير علما أن مضغة التغيير وبؤرته راهنا هي الحرية، وحق الشعوب في التعبير عن نفسها وتقرير مصيرها.
 

- الملاحظة الخامسة: الشباب هم من حمل مشعل التغيير في الحالة القائمة، وهم من اختار الثورة على الهجرة والاستفاقة على الغيبوبة السياسية، وبالتالي على النخب أن يعيدوا النظر في آليات وخطاب التواصل معهم كي يتمكنوا من قيادتهم إلى الغايات المرجوة، فهذه الكتلة الحرجة من التغيير الشباب - تحتاج إلى ترشيد بعد أن تجاوزت مرحلة التعبئة بمعنى أن يتم التفاعل بين حرارة الشباب وخبرة النخب في معادلة تغيير هادئة ومدروسة لها رؤية متوافق عليها بين الجميع، وبسقوف محتملة لا تفجر الحالة ولا تميتها في ذات الوقت.

- الملاحظة السادسة: يتعين التنبه إلى أن الغرب - وواشنطن بالذات - قد يلجأ إلى تغيير وهمي في المشهد، من خلال تغيير في الديكور فقط، بمعنى أن تعمل على إعادة إنتاج الأنظمة والقراءة السريعة للمشهدين التونسي والمصري قد تفضي إلى استنتاج يشير إلى أن واشنطن تحاول استثمار اللحظة الراهنة لتصعيد القوى الليبرالية التي لا تمانع من عقد صفقة مع أمريكا مقابل أن تتولى السلطة الجديدة، أو تكون لها حصة كبيرة فيها ولعل المراقب يلمس ترداد النغمة القائلة: إن الثورات الحالية لا تحمل أي أيديولوجية، وهنا يتعين التأكيد أن الشعوب لم تنفجر من أجل الخبز - وإن كان الاقتصاد كان عاملا محركا - لكنها تحركت من أجل الحرية والكرامة، ومن أجل صياغة مستقبلها والحفاظ على هويتها، ومقاومة كل محاولات التدجين والاستكانة.
 

- الملاحظة السابعة: لنجاح الظاهرة القائمة ينبغي التوافق بين الشباب وقوى التغيير على طيف متناسق من آليات التحرك، والتوصل إلى رؤية توافقية للحل البديل، وبدون ذلك قد تتوه البوصلة، وتتبدد الجهود، وفي النهاية قد تحترق الظاهرة.

كلمة أخيرة التغيير ليس قفزة عالية بلا أفق، ولا يتأتى وفق وصفة جاهزة، وهو كذلك لن ينضج بحراك عشوائي، فضلاً عن أنه مزيح متوازن من الحالة القديمة والحالة المرتجاة على أن هدفه الأول والضابط لمساره هو توافر الرؤية الواضحة والتوافق عليها بين قوى التغيير المختلفة.
 

قائد إنجليزي:

المصريون مثل رمال الصحراء الناعمة تستطيع أن تمشي فوقها مسافة طويلة ولكنك لا تعرف متى تفاجئك وتتحرك وتبتلعك!

منذ عام 2004م والعديد من السياسيين المصريين يؤكدون أن «مصر حبلى بثورة».. مرددين عبارة: «نكاد نسمع صوت الجنين».

أسقطت نظرية المعالجة الأمنية في التعاطي مع المعارضة الاجتماعية.. وفضت تحالف الأمن مع رموز الثروة.

(*) كاتب فلسطيني.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل