العنوان التفرغ لمهمات الدين
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1988
مشاهدات 107
نشر في العدد 892
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 22-نوفمبر-1988
يتحرج بعض الصالحين أخذ الراتب نظير التفرغ لمهمات الدين والدعوة، وهذا وهم منهم، فقد رخص الشرع بذلك لمن حبس نفسه على عمل من أعمال الخير، قطعه على الاكتساب بالتجارة أو بوظائف أخرى. ودليل ذلك ما أخرجه البخاري في البيوع عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ويحترف للمسلمين «أي يتفرغ لهم» وأخرج ابن سعد عن عطاء بن السائب قال: لما بويع أبو بكر أصبح وفي ساعده «أقمشة» وهو ذاهب إلى السوق فقال عمر: أين تريد؟ قال: إلى السوق. قال: أتصنع هذا وقد وليت أمر المسلمين قال: فمن أين أطعم عيالي؟ قال: انطلق يفرض لك أبو عبيدة، فانطلقا إلى أبي عبيدة. فقال: أفرض لك قوت رجل من المهاجرين ليس بأفضلهم ولا أكسبهم، وكسوة الشتاء والصيف. إذا خلقت شيئًا رددته وأخذت غيره. ففرض له كل يوم نصف شاة وما كساه من الرأس والبطن. وفي رواية ابن سعد عن ميمون وفيها: جعلوا له ألفين «أي ألفي درهم» قال: زيدوني! لأن لي عيالًا وقد شغلتموني عن التجارة.. فزادوه خمسمائة.. انتهى.. وهذا دليل على جواز طلب الزيادة بما يكفي الحاجة.
وقال البخاري باب: رزق الحاكم والعاملين عليها. وكان شريح القاضي يأخذ على القضاء أجرًا، وقالت عائشة: يأخذ الوصي بقدر عمالته، وأكل أبو بكر وعمر. الفتح 13/149 وقال الطبري: في حديث عمر «في العطاء» الدليل الواضح على أن لمن شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله.. لإعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر العمالة على عمله. وذكر ابن المنذر أن زيد بن ثابت كان يأخذ الأجر على القضاء.. واحتج أبو عبيد في جواز ذلك بما فرض الله للعاملين على الصدقة وجعل لهم منها حقًّا لقيامهم وسعيهم فيها. انتهى. وبعث النبي صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد إلى مكة وفرض له راتبًا ألفًا وستمائة درهم، ورزق عمر عياض بن غنم حين ولاه جند حمص كل يوم دينارًا وشاة ومُدًّا. وقال أبو داود في السنن باب أرزاق العمال عن بريدة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما عامل استعملناه وفرضنا له رزقًا فما أصاب بعد رزقه فهو غلول. ورجاله ثقات... وفيه بينة على جواز أخذ العامل حقه من تحت يده فيقبض من نفسه لنفسه من غير إشراف وتنعم.. وفي التعليق المحمود للكنكوهي: فيه جواز أخذ العوض من بيت المال على العمل العام كالتدريس والقضاء وغيرهما بل يجب على الإمام كفاية هؤلاء ومن في معناهم من بيت المال، ويدل كذلك على وجوب قبول ما أعطيه الإنسان من غير سؤال ولا إشراف نفس، وبه قال أحمد وغيره وحمل الجمهور على الاستحباب والإباحة. انتهى. وقال الغزالي في الإحياء في كتاب الحلال والحرام: «كل من يتولى أمرًا تتقوى به مصلحة المسلمين، ولو اشتغل بالكسب لتعطل عليه ما هو فيه، فله من بيت المال حق الكفاية، ويدخل فيه العلوم كلها أعنى التي تتعلق بمصالح الدين كعلم الفقه والحديث والتفسير والقراءة، حتى يدخل فيه المعلمون وطلبة هذه العلوم يدخلون فيه، فإنهم إن لم يكفوا لم يتمكنوا من الطلب» انتهى. وقال مثله الباجي في المنتقى والسيوطي في تنوير الحوالك.. وقد نقل البرزالي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عماله: أجروا على طلبة العلم الرزق وفرغوهم. وليس شرط هؤلاء الحاجة بل يجوز أن يعطَوا مع الغنى، فإن الخلفاء الراشدين كانوا يعطون المهاجرين والأنصار ولو لم يعرفوا بالحاجة. وقال السخاوي من السلف الصالح: من كان يتجر بقصد القيام بمؤنة من قصر نفسه على بث العلم والحديث ولم يتفرغ من أجل ذلك للتكسب لعياله. فعن ابن المبارك أنه كان يقول للفضل ابن عياض: لولا أنت وأصحابك وعني بهم السفيانيين وابن عليلة وابن السماك ما أتجرت. انتهى وبالله التوفيق.