العنوان التفوق الروحي.. سبيل النصر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 18-يناير-2003
مشاهدات 51
نشر في العدد 1535
نشر في الصفحة 9
السبت 18-يناير-2003
من الواجب على المسلمين اليوم أن يلتفتوا إلى دستورهم الخالد ليعملوا بتوجيهاته وينفذوا أوامره كاملة في حياتهم، فهذه الأمة لا يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها، وهذه حقيقة لا جدال فيها، قال تعالى آمراً وموجهاً ﴿قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ﴾ (الأنعام:11).
والسير في الأرض هدفه الاستطلاع والتدبر والدراسة ومعرفة سنن الله التي لا تتغير، ورؤية مصارع الطغاة، من المكذبين والمستهترين، فقد أخذ الله من قبلنا أمماً كانت أشد قوة، وأكثر تمكيناً، لكنهم استكبروا وبغوا وظلموا فكانت العاقبة الأليمة، قال تعالى ﴿فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ﴾ (فصلت: 15-16).
إن مساحة ضخمة في كتاب الله وسنة رسوله وفي تاريخ الأمم، تدور حول عاقبة الظلم والظالمين والطغاة والمستكبرين وتكشف عن حقيقة هذه القضية، لما لها من خطر على مستقبل الشعوب ومصير الأمم، يقول الحق سبحانه ﴿وَكَمۡ قَصَمۡنَا مِن قَرۡيَةٖ كَانَتۡ ظَالِمَةٗ وَأَنشَأۡنَا بَعۡدَهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ﴾ (الأنبياء: 11).
ولقد أخبرنا الرسول عن نهاية الظلم فقال: إن الله ليملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ﴾ (هود:102) متفق عليه.
وحدثنا الحق تبارك وتعالى عن مواقف فرعون المخزية فقال: ﴿إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ (القصص: 4).
لقد بغى وطغى واستطال بجبروت الحكم والسلطان، وبلغ به السفة بل الجنون حد أن قال أنا ربكم الأعلى وقال: ﴿مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ﴾ (غافر: ۲۹) وقال: ﴿مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي﴾ (القصص: ۳۸) عند ذلك تدخلت القدرة الإلهية، فوضعت حداً للبغي والفساد، حين عجز الناس عن صد التيار الجارف العنيف تدخلت القدرة الإلهية ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْۚ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ (الأنعام: 45).
وها هو طاغية آخر- أبو جهل- طالما تحدى الرسالة في مكة وتحدى من يحملها ووقف للمؤمنين بالمرصاد، وفي غزوة بدر خرج مغروراً متحدياً، متطاولاً على الله، وحين قيل له إن العير قد نجت ولا داعي لملاقاة محمد فارجع، قال الطاغية: «والله لا نرجع حتى نرد بدراً فنقيم ثلاثاً، ننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبداً».
لكن نهايته كانت هناك في بدر، فقد سقط لافظاً أنفاسه.
وقبل ذلك موقف النمرود الذي زعم أنه يحيي ويميت وجادل سيدنا إبراهيم، وهذا لون من الطغيان بسبب الملك الذي أتاه الله إياه فكفر بدلًا من أن يشكر، وموقف أصحاب الأخدود الذين فتنوا عباد الله من المؤمنين والمؤمنات، ولم يتورعوا عن حرقهم بالنار وإلقائهم في الأخدود المشتعل، فتوعدهم الحق سبحانه يقوله: ﴿قُتِلَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلۡوَقُودِ إِذۡ هُمۡ عَلَيۡهَا قُعُودٞ وَهُمۡ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ شُهُودٞ وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ﴾ (البروج:4-8). وهذا كله طغيان وعدوان.
واليوم يحمل الغرب راية ما سمي بالنظام العالمي الجديد، وهو نظام يقوم بدور مشبوه يوقد الصراعات في مناطق العالم الثالث ويباشر سياسة مزدوجة المعايير، ويؤكد على ضرورة التحكم في مصير المنطقة العربية والإسلامية بأسرها، يعطي ويمنح كيف شاء، يزود الصهيونية بأنواع الأسلحة الفتاكة- كافة، ويمدها بالمال وبالخبرة النووية، ثم في الوقت نفسه يفرض قيوداً صارمة على صادرات الأسلحة لأي دولة عربية، أو إسلامية، ويهدد باستخدام القوة العسكرية في مواجهة أي دولة يشك أن لديها أي إمكانات عسكرية ولو كانت متواضعة.
إن العولمة نظام استعماري يهدف إلى المزيد من الهيمنة والسيطرة، ويغطي تلك التوجهات تحت شعار حقوق الإنسان أو الشرعية الدولية التي لا وجود لها.
إن التصريحات الغربية ليست مصادفة، وإن كانت أعجب من المصادفة، كما أنها ليست ضربة حظ جاءت عفواً، وإن فاقت أقصى التصورات في غرابتها من أجل مخطط رُسم وأعد من شر استعمار عرفته الدنيا، استعمار الرأسمالية الغربية واليهودية العالمية التي تسعى للسيطرة على العالم، من خلال السيطرة على الوطن العربي قلب الكرة الأرضية، الأرض ومركز السيطرة الاستراتيجي على العالم ويساند الغرب اليهود بكل ما يملك لتنفيذ هذا المخطط.
يقول المستشار المأمون الهضيبي، المرشد العام للإخوان المسلمين: إذا أردنا أن نقف أمام هذه الموجة الطاغية، فليس أمامنا سوى العقيدة سر قوة الإنسان، وسر الخوارق التي صنعها المسلمون، وهي الزاد الحقيقي الذي دفع أسلافنا إلى البذل والجهاد والتضحية والغداء، وبذل العمر الفاني المحدود في سبيل الحياة الباقية ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ٱلۡحَيَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾ (العنكبوت: 64) هي التي تجعل الأفراد القلائل يقفون أمام قوى الباطل، وقوى المال، وقوى الحديد والنار، فإذا بها كلها تنهزم أمامهم، هي القمة الكبرى في حياة الفرد والجماعة، والأمة. هذه العقيدة قوة هائلة في حياتنا، لا يمكن أن يتخلى عنها الفرد أو الأمة، في الصراع مع الباطل، إلا أن يكون هناك اضطراب في الموازين أو قصور في الفهم، ومن العقيدة ينبثق كل شيء، فهي القاعدة التي ينطلق منها وينظر إلى الدنيا وما عليها من خلالها.
إن العدو الصهيوني، وهو على الباطل، يتمسك بعقيدته، فهو يحرم الزواج المدني ولا يقبل من يهودي أن يعمل في يوم السبت حتى قالوا: إن شعب إسرائيل لم يحافظ على السبت، بل إن السبت هو الذي حافظ على شعب إسرائيل، وبالإيمان المزعوم يهاجر اليهودي من أقصى الدنيا، ويضحي ويقاتل في سبيل الباطل والضلال والعدوان.
ماذا كان يملك أسلافنا؟ لا شيء سوى عقيدة التوحيد والإحساس بأنهم يقاتلون من أجل الحق، ومن أجل قيم أفضل ونظرة للوجود أشمل، وللإنسان أرقى وأكمل.
روى الطبري أن قيصر بعث جاسوسه إلى معسكر المسلمين فعاد إليه بصفة المسلمين فقال: هم بالليل رهبان وبالنهار فرسان ولو سرق ابن مليكهم قطعوا يده، ولو زنى رجم لإقامة الحق فيهم.
أسلافنا بالعقيدة انتصروا وسادوا، وتعلموا وعلموا وجاهدوا وهاجروا وأثروا التاريخ البشري.
العقيدة هي الراية التي يجاهد المؤمنون تحتها وينتصرون من أجلها وبها، مع اتخاذ الأسباب من قوة روحية ومادية. لنواجه المؤامرات التي تدخل علينا من كل باب وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ) (الحج:40-41).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل