; التقارب السوفيتي- الإيراني | مجلة المجتمع

العنوان التقارب السوفيتي- الإيراني

الكاتب عبدالحق حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1989

مشاهدات 63

نشر في العدد 910

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 28-مارس-1989

  • الولايات المتحدة وفرت أرضية مشتركة لهذا التقارب
  • السوفيت يمارسون سياسة فرق تسد للسيطرة على المنطقة
  • الحاجة إلى تقارب إسلامي- إسلامي أكثر إلحاحًا

الروس شياطين، والأمريكان شياطين.. وسفارتا البلدين وكرا تجسس في طهران وفي غيرها من عواصم الدنيا، بيد أن السفارة الروسية ظلت منيعة أمام هجوم الطلاب الذي اجتاح السفارة الأمريكية وكشف عن وثائق هامة لتورط الولايات المتحدة في أعمال تجسس وتخريب في إيران.. ورغم أن بعض تلك الوثائق تصف الاتحاد السوفيتي بأنه القوة الإمبريالية التي تسعى للهيمنة على المنطقة؛ إلا أن سفارة الروس الشياطين بقيت مصونة لا تمس.. تجسد بذلك المغزى الدقيق من التزام السياسة الإيرانية وحفاظها على شعرة معاوية مع السوفيت، والسوفيات فقط هم الذين يعرفون شد مثل هذه الشعرة التي انقطعت مع كل من اختلف مع الثورة الإيرانية.. إلا السوفيات الذين تعاملوا مع جارتهم بصبر بالغ وبرود شديد.. فلا سحق حزب تودة وإعدام رجاله وطرد السوفيت، ولا مطالبة إيران في مرحلة من المراحل لولايات تابعة حاليًا للاتحاد السوفيتي كانت في الأصل جزءًا من الأراضي الإيرانية انتزعها القيصر الروسي من الدولة الفارسية. لا هذا ولا ذاك من أسباب يمكن أن يفت في عضد السياسة الروسية تجاه إيران أو أن ينال من توجه جورباتشوف في المثابرة على إيجاد قنوات مفتوحة معها تجاريًّا وعسكريًّا والوقوف معها سياسيًّا في المحافل الدولية حتى ولو لم يتفق مع قناعتها الأيدولوجية.

مغزى التقارب

ويتابع أيضًا مغزى التقارب المتسارع مع إيران والذي أنبنى أساسًا على استغلال الصراع القائم في الخليج وتحويله إلى مكاسب اقتصادية يسعى إلى عقد مصالحة مع ما يسميه بالأصولية الإسلامية، واضعًا في اعتباره ٢٥٠٠ كيلومتر من الحدود المشتركة بينه وبين إيران تلك الحدود التي تتجانس عند نقاط عديدة في العقيدة واللغة، وتتأثر شعوبها الإسلامية خاصة الواقعة داخل السور السوفيتي، لا يقتصر أثره على المجتمع الإسلامي في الجمهوريات السوفيتية، بل ربما يصيب في حالة انتشاره باقي القوميات الأخرى من أرمن وأكراد وغيرهم بالعدوى، وحين سئل منظر سوفيتي عن أخطر قضية تواجه الاتحاد السوفيتي؟ قال دون تردد: إيران!

وإيران بالإضافة إلى ما تقدم جار مهم يقبع على الضفة الشرقية للخليج النفطي -كما ينظر إليه الشرق والغرب- وإيران في عين الاتحاد السوفيتي ورقة مربحة للتفاوض مع الغرب، كما هو ورقة مربحة في يد إيران لإغاظة الغرب.

أصول اللعبة

عالم ما بعد الموت، الذي هو العالم الأبدي.. وجورباتشوف على استعداد أن يسمع هو ورفاقه عظات مثل هذه دون أن تتأثر ثوابت الإلحاد لديهم، شريطة أن تفتح لهم إيران أبوابها السياسية والاقتصادية وأن تكون لهم نافذة واسعة يطلون بها من هناك على الخليج النفطي.. هذا هو العالم الأبدي الذي يحلمون به.. وأن تتوقف إيران عن مجرد التفكير في تصدير الثورة نحو الشمال؛ أي تحويل الثورة الإسلامية إلى الشعوب الإسلامية في الاتحاد السوفيتي.. يقول في هذا الصدد الخبير السوفيتي في شئون الشرق الأوسط إيفور بيلاييف «بأن موسكو لا تخشى الإسلام كدين» ولكنها تخاف استغلاله من جانب الولايات المتحدة كعامل تحريض ضد شعوب الاتحاد السوفيتي، وهو ما أشار إليه مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق زيجنيو بريجدسكي في كتابه «أصول اللعبة» من أنه لا ينكر أحد أن بعض المسلمين الضعفاء يمكن استغلالهم لخدمة هذا الجانب أو ذاك..

لكن ما الذي فعلته روسيا للمسلمين هناك حتى لا ينقادوا للولايات المتحدة أو غيرها؟ هل سمحت لهم بممارسة عقيدتهم، أو فتح مدارس لها، أو حتى بناء مساجد جديدة أو بتخفيف مئات القيود والقوانين التي تحاربهم في دينهم؟ إن التعلل بمثل هذه التبريرات أمر يجافي الواقع.. إن الحرب الدائرة الآن فوق أرض أفغانستان والتي زاد أوارها بعد انسحاب تكتيكي موهوم.. والدور الذي قام به الاتحاد السوفيتي وما زال يقوم به في إعاقة ‎البعث الإسلامي فاق ما ارتكبته القوى الصليبية مجتمعة.. ولا غرابة في أن تؤكد بعض دوائر الغرب أن الاتحاد السوفيتي مخول حاليًا وبعد سياسة الوفاق في التغلغل وبخبث ودهاء في المنطقة الإسلامية لتشتيت القوى الإسلامية فيها نيابة عن الغرب الصليبي أيضًا.

‏انسحاب وهمي

‏واتضح الدور السوفيتي جليًّا في حرب الخليج؛ ففي الوقت الذي ارتبطت فيه بعدة معاهدات صداقة ودفاع مع أكثر من دولة عربية.. كانت الممول الرئيسي لإيران عن طريق دول شرقية تجري في فلكها ككوريا الشمالية وغيرها.. وتعطي هذا الجانب وذاك الجانب، وتزيد النار اشتعالًا.

‏فكما ساعدت في إهلاك الحرث والنسل في كل من إيران والعراق.. أخذت ترقب نضوج الثمرة حتى تقع في حجرها.. كما عبر عن ذلك خروشوف في السابق.. والنكبة في هذا الدور المشئوم هم المسلمون.. ويخرج الاتحاد السوفيتي وعميله نجيب الله أقوى الأطراف بعد أن تكون الفصائل الإسلامية بمختلف أعلامها وقد أكلتها الصراعات المستوردة.. وأغلب الظن إن لم يكن يقينًا أن الدوائر الصليبية وعلى رأسها أمريكا ضالعة في هذا المخطط.. مخطط ضرب المسلمين ببعض!‏ إن الرهان الاستراتيجي بين المعسكرين قد دخل ومنذ عهد طويل حلبة المساومة، بل وتصفية قدرات المسلمين جميعًا.

‏الظن الحسن

‏لكن الظن الحسن يدعونا إلى أن نتفاءل بأن النهج الإيراني لديه من الكفاءة -لو أراد أن يبرهن لجماهير المسلمين المكلومة- على توظيف هذا الصراع بين المعسكرين الشيوعي والغربي الصليبي حول منطقتنا لصالح الإسلام والمسلمين.. وأن لا يقع فريسة لخبث الدبلوماسية التي استطاعت أن تخدع العالم بمسألة انسحابها من أفغانستان، وأسفرت الخدعة عن تورط أكثر شراسة في القضية التي ما زالت تنزف منذ عشر سنوات.

إن الدور الإيراني الذي يتطلع إليه العالم الإسلامي كله قادر -كما قلنا- لو صدقت النيات في رأب الصدع على الجبهة الأفغانية من ناحيتها، وأن لا تدع هذه الثغرة بابًا يلج منه الأعداء لطعن الجهاد الإسلامي من الخلف..

‏ويدعونا الظن الحسن بأن نقول لمروجي الفتن بأن التقارب الإيراني- السوفيتي لن يكون على حساب قضية الجهاد الأفغاني، ومثلما يقول السوفيت: إن تقوية علاقتهم مع إيران فيها مصلحة للغرب والشرق وللعرب أيضًا.. يمكن أن يقول الإيرانيون: إن تقوية علاقتنا مع السوفيت فيها مصلحة للمسلمين؛ وذلك بالعمل المخلص لإنهاء المشكلة الأفغانية، وإنهاء حرب الخليج، والدعوة بكامل التجرد إلى الله إلى تقارب إسلامي- إسلامي.. حيث أصبح هو الضرورة الأكثر إلحاحًا من تقارب إيراني- سوفيتي.. فهل يمكن أن يحدث هذا؟!

الرابط المختصر :