العنوان التقبل من أسرار الجاذبية
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 23-فبراير-2008
مشاهدات 66
نشر في العدد 1790
نشر في الصفحة 58
السبت 23-فبراير-2008
لكل كائن حي خلقه
الله تعالى أسرار وخصائص تميزه عن غيره، وثمة أشياء ومثيرات تجذب تلك الكائنات وهي
تختلف وتتنوع باختلاف هذه الكائنات وتنوعها. فإذا أردت أن تجذب القطط مثلًا، فليست
الوسيلة هنا أن يسوقها غيرك إليك قسرًا، ولكن الوسيلة المؤثرة في جذبها أن تضع لها
قطعة من اللحم الشهي، ومن ثم ستجدها أتت إليك راغبة.
وما ذكرته هنا عن
القطط يمكن أن أذكره عن البشر مع الفارق الكبير في وسائل الجذب بينها وبين
الإنسان، ذلك لأن الإنسان مخلوق كرمه الله تعالى، وأنعم عليه وأعطاه ما لم يعط
بقية المخلوقات، حتى يكون أهلا لرسالة سامية راقية هي الاستخلاف وعمارة الأرض.
فاختيار الإنسان
لأصدقائه لا يفرض عليه فرضًا، ولا يجبره أحد على أن يصادق شخصًا ما. وإنما يختار
الإنسان منا صديقه أو شريكه حسب معايير رسخت في عقله ووجدانه في ضوء ثقافته وما
يجذبه نحو الشخص الذي يختاره صديقًا.
وأنت –عزيزي القارئ–
إذا أردت أن تجذب الناس إليك، كي يحبوك أو يصادقوك أو يتأثروا بك، فعليك أن
تتقبلهم.
يقول أحد علماء النفس
قد تعجز أن تغير سلوك إنسان آخر، ولكن بحبك لهذا الإنسان الآخر على ما هو عليه
تستطيع أن تمنحه القوة لتغيير نفسه.
اسمح لي –عزيزي
القارئ– أن أسألك أي الشخصين تحب أن تجالس؟ شخص تستطيع أن تسترخي أمامه وتكون على
سجيتك؟ أم آخر لا يسمح لك أن تجلس معه إلا بزي رسمي وفق بروتوكول خاص إذا حدث عنه
نقدك نقدًا لاذعًا؟
لا شك أنك بل وأنا،
والأخرين نحب أن نجالس ذلك الشخص الذي نكون معه على طبيعتنا دون عناء أو تصنع، أما
ذلك الشخص الذي لا يتقبل الآخرين لن يجد من يقبل عليه راغبا في مصادقته أو
مجالسته.
والسؤال الذي يفرض
نفسه الآن: كيف يستطيع علماء النفس مساعدة الناس كي يصيروا أفضل؟
للإجابة عن هذا
السؤال يقول: لس جبلين Les Giblin في كتابه «كيف تتمتع
بالثقة والقوة في التعامل مع الناس؟... التقيت أحد المحللين النفسيين البارزين في
حفل على العشاء وتطرق بنا الحديث إلى الكلام عن التقبل في العلاقات الإنسانية،
فقال لي:
«لو أن الناس مارسوا
التقبل بالفعل لتوقفت أعمالنا، ذلك أن جوهر علم النفس التحليلي هو أن يجد المريض
شخصًا يتقبله، وهذا الشخص هو الطبيب النفسي ذاته، حيث يتيح للمريض الأول مرة أن
يترك شعره على حاله في وجود آخرين ويخرج من نفسه مخاوفه، وتلك الأشياء التي يخجل
منها، والطبيب ينصت إليه دون أن يبدي أية دهشة أو جزع، ودون أن يحاكم المريض خلقيًا
ومن ثم فعندما يجد المريض هذا الشخص الذي يتقبله بعيوبه وأخطائه يصبح قادرا على
تقبل نفسه، وبذا يصير المريض على جادة الطريق التي ينعم فيها بحياة أفضل».
أرجو ألا يفهم القارئ
العزيز أنني أدعو إلى السلبية، أو ألا نحاول إصلاح الناس، فتم فرق كبير بين تقبل
الآخرين، والسلبية إزاءهم.... فتقبل الآخرين يشبه عندنا – نحن المسلمين. التعامل
مع العصاة، إنه مبدأ أرساه الإسلام، وخلق غرسه في نفوس أبنائه قال تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ
أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} «النحل: ١٢٥».
أثر التقبل في الحياة
الزوجية
إن الفرق بين زوجين
سعيدين مستقرين وآخرين يعيشان مشتتين هو أن الزوجة وزوجها في الحالة الأولى تقبل
كل منهما الآخر في السراء والضراء بالمميزات والعيوب على العكس من الزوجين في
الحالة الثانية.
تقول الدكتورة «روث»:
إن التقبل العاطفي لا يعني الحط من قيمك التي تؤمن بها، إنها الطريقة التي تشعر
بها حيال أحد الأشخاص وليست الطريقة التي تفكر بها فيه.. حتى أكثر الناس ادعاء ممن
نصبوا أنفسهم ضد العالم بأكمله يشعرون بالحاجة إلى هذا التقبل والرضا.. هتلر نفسه
- مثلًا – عمل على إحاطة نفسه بمجموعة صغيرة من المعجبين به، وكان يأخذهم معه
حيثما ذهب!!
لقد كان رسولنا
الكريم –صلى الله عليه وسلم- حكيمًا في معاملته للمخطئين والعصاة والمنافقين وكل
صنوف البشر، لأنه كان يعي ويدرك أن تقبل الآخرين من أفعل الطرق لتغييرهم وإصلاح
عقيدتهم وأخلاقهم، وترقية عقيدتهم وفكرهم ويمكننا الرجوع إلى سيرة المصطفى لندرك
ذلك عمليا، أما الآن فسوف أضع أمام عينيك موقفين سمعتهما من صاحبيهما مباشرة، وكلا
الموقفين يؤكد أنك بتقبلك للآخر تعينه على أن يحبك، وأن يغير سلوكه إلى الأفضل.
الموقف الأول حكاه لي
أحد أصدقائي وهو أستاذ بكلية الطب البيطري – جامعة القاهرة حيث كان طالب بعثة
علمية آنذاك، ويسكن معهما في البناية شاب أوروبي غارق في الضياع والانحراف، فكان
صديقي هذا وزملاؤه يحسنون معاملة هذا الشاب الأوروبي، فيسألون عنه في غيبته، وإذا
جاء سألوه عن أحواله، وقدموا له الطعام... وذات مرة سألهم لماذا تهتمون بي دون
غيركم؟ فأجابوا لأن ديننا الإسلام يأمرنا بإحسان معاملة الجار وأنت جارنا: فهز
الشاب الأوروبي رأسه إعجابًا بهذا الدين وقال: ليس لي دين الآن، لكنني عندما أقرر
وأختار دينا سوف أختار دينكم هذا، لأنه دين عظيم!
والموقف الثاني حكاه
الأستاذ «عمرو خالد» الداعية المعروف في محاضرته الأخيرة بالكويت بعنوان: «الحرية
في البيوت»، حيث كان له جار في فترة تواجده ببريطانيا، وقد نجح في جذب هذا الجار
البريطاني - وكان قائدًا عسكريًا متقاعدًا برغم اختلافهما في الدين والجنسية
الدرجة أن جاره هذا كان يقوم في الصباح الباكر ليزيح الصقيع الذي غطى سيارة
الأستاذ عمرو خالد باستخدام الجاروف!!
فتأمل – أخي القارئ
الكريم – كيف حول الداعية عمرو خالد هذا الرجل وغير فكرته عن العرب والمسلمين؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل