; التلفاز في مجتمعنا: الواقع القائم والدور المرتجى | مجلة المجتمع

العنوان التلفاز في مجتمعنا: الواقع القائم والدور المرتجى

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يناير-1983

مشاهدات 83

نشر في العدد 603

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 11-يناير-1983

-التلفاز تجسيد للاضطراب الذي يموج به المجتمع

-التلفاز أداة محايدة في يد الإنسان يصرفها كيف يشاء

-صار التلفاز كالهواء وجودًا وانتشارًا

شئنا أم أبينا، فقد صار التلفاز أمرًا واقعًا في حياتنا! والذي يستطيع أن يحول بين نفسه وبينه، لا يضطرد نجاحه في ذلك، لا سيما إن حاول أن يتعدى بالمحاولة نفسه، إلى ذويه ومن هم تحت رعايته. بل إن تفادي هذا الجهاز، صار أشبه بالمستحيل، فقد صار أشبه بالهواء وجودًا وانتشارًا، ففي المقاهي والديوانيات، وفي المحلات التجارية وصالونات الحلاقة، بل حتى في العربات والمخيمات صار هذا الجهاز ضيفًا فارضًا نفسه، يسعى إليك وإن لم تسع إليه ويفرض وجوده عليك مهما حاولت تجاهله.

الإنسان الذي وراء التلفاز :

نود بداية أن نقرر، أن هذا الجهاز ما هو إلا أداة محايدة في يد الإنسان، ليستغلها كما يريد، في الخير أو في الشر، في الإصلاح أو في الإفساد. في الارتفاع بالمجتمع أو الانحطاط به، وهو في نفسه جماد لا يحس ولا يشعر، وآلة مستسلمة لهذا الإنسان يصرفها كيف يشاء.

ومن هنا فإن حديثنا عنه، هو حديث عن الإنسان الذي وراءه بالضرورة والحق أنه ليس في الإمكان أن نرمي بالجريرة كلها على هؤلاء الناس الذين هم من وراء التلفاز فهم يتحملون نصيبهم من الوزر في عدم تسخير هذا الجهاز في الوجه الذي ينبغي أن يسخر له، ما في ذلك ريب. ولكننا من جانب آخر، يجب أن ننتبه إلى أن هؤلاء من أبناء هذا المجتمع. وأن القانون الذي يسري على مجتمعهم، يسري عليهم بالضرورة. ولا مشاحة إن قلنا، إن مجتمعنا هذا في مجموعه، لم يحدد أهدافه بعد، ولا يبدو أن في نيته ذلك! إنه مجتمع ترك أمر نفسه عرضة لكل أنواع الرياح والأعاصير، لا تسير حياته وفقًا لمنهاج محدد ولا خطة معلومة. ولا يدري إلى أين يسير وفي أي مكان ستنتهي به خطاه- وتخبط هذا المجتمع في أهدافه ومراميه، تعكسه ميول أفراده المتباينة، ووجهاتهم المتضادة، وتصوراتهم المتناقضة والتي قد تجتمع في بيت واحد وأسرة واحدة!

والسبب :

وسبب ذلك معلوم لدينا، فالموجة الصليبية الحديثة، المصطلح عليها بالاستعمار، كان لهذه المنطقة نصيبها منها، وفي كل مكان حل فيه هذا البلاء.. خلف صرعى لثقافته ومستعبدين لفكره، ومأسورين بنمط حياته وطريقة عيشه، وهؤلاء- بقضاء الله- صاروا قائمين على أمر التوجيه لمجتمع طيب لا يدري من أمر نفسه شيئًا، وإذ ترك لهم أمر قيادته وتوجيهه، وسلم لهم زمامه، فقد سلكوا به الدروب التي أسرت لبهم، ووافقت هواهم وأمزجتهم. ونقلوا للأمة أصول ثقافة تشارك ثقافتهم دارها وتنتزع أبناءها. وهي تكاد تصل طورًا لا ترضى فيه بربة الدار وصاحبته، فتزعم أنها الأصل وأن تلك هي الغريبة التي تستحق الطرد والإبعاد.

 ومن هنا نشأ الإضراب في حياتنا، وساد في أوساطنا هذا النموذج الهجين الذي لا يدري من هو؟ وإلى أي حقيقة ينتمي؟ وهل مدار حضارته إسلامي، أم هو غربي نصراني؟

وتلمس تجسيد ذلك في كل مؤسساتنا الناهضة، لا سيما تلك المتصدية للأمور الثقافية التوجيهية، ودونك أي مطبوعة دورية رسمية، أو مجلة، أو صحيفة، أو مسرحية، أو ما إليه، لترى كم هو مقدار الخلط في حياتنا، ولتلمس مدى الحيرة والتخبط الذي نعيشه، ونحن نجمع بين هذه المتضادات كلها في صعيد واحد، ولو ذهبنا في سبيل الإتيان بالأمثال، لما وسعتنا سطور هذا المقال. 

ولنعرج على موضوعنا الأصلي: التلفاز، فهذه المؤسسة الثقافية هي أنموذج مجسد لتوجهات مجتمعنا، ولعلها أوضح مقياس ومثال لحقيقة ما يموج به من أفكار وآراء، وقيم يحاول تمثلها، وصور يحاكيها ويقتدى بها.

فمن هذا الجانب، وهذه الزاوية، لا لوم على تلفازنا ولا مؤاخذة! وقد اعتدنا نغمة معينة فيما يتصل بهذا، وهو تبرير كل ما يقدمه التلفاز بأنه عكس واستجابة لرغبات المشاهدين، والتزام ونزول على إرادتهم. وهذا صحيح، وهو شيء لا نغالط فيه! فاستفتاءات التلفاز على برامجه، في أوساط مشاهديه تترجم ولا ريب، ما يعتمل في نفوسهم، من أفكار وتوجهات تعبر عن نفسها في هذه الميول نحو هذه البرامج أو تلك.

 اختبار لهذا المقياس :

ولكن هذا المقياس، مقياس الاستفتاءات والإحصاءات، وتبنى الرغبات والميول، ليس مقياسًا موضوعيًا ولا صحيحًا. وإن لزم الالتزام بنتائجه في مجتمع آخر غربي أو شرقي، فلا يصح الالتزام به ها هنا، ولا نود أن نخوض في حقيقة تلك الاستفتاءات وكيفياتها التي تعقد بها، ولكن هذا الأسلوب ليس صحيحًا على 
إطلاقه. وينبغي أن تتحفظ عليه إدارة التلفاز، من قبل تحفظنا عليه، وألا يكون ستارًا لتبرير الأخطاء وصور التقصير، على كل ليس هو بالأسلوب الواقعي ولا المثالي المنشود. وإن كان الاستفتاء كأسلوب شيئًا حياديًا، إلا أنه يتلون بلون الوسط الذي فيه، وفي وسط مائج مضطرب، لا يتوقع أن يكون الاستفتاء إلا عاكسًا لهذا الاضطراب والتعثر!!

دور الإعلام في مجتمعنا :

هذا وجدير بنا أن نتساءل عن دور الوسائط الإعلامية في مجتمعنا بوجه أخص. وهل هي تابع مقود أم متبوع موجه؟ ونجيب بلا تحفظ أن هذه الوسائط تعدت طور التوجيه والترشيد إلى إنشاء التوجهات الجديدة في عالم الناس وجمهور المتأثرين بها، وهذا الدور ليس محصورًا في مجتمعنا فقط بل تكاد كل المجتمعات تمتثل له. وانتشار هذه الوسائط أثر كثيرًا على مكانة المؤسسات السابقة من مدرسة وأسرة وما إليه. ولعل الكثير من أفراد مجتمعنا، ممن يحسون بهذا الدور، ويلمسون أثره، يعانون أشد المعاناة في سبيل تربية أبنائهم وأسرهم في هذا المعترك المفاهيمي الطاحن الذي تعكسه هذه الوسائط وعلى رأسها التلفاز. 

وفي مجتمع ناهض كمجتمعنا يكون للإعلام في عمومه، والتلفاز على وجه أخص، دور وأي دور في ترشيد جهود المجتمع، وتعبيد الطريق أمامه، وإعانته على بلوغ أهدافه، بأسرع وأيسر ما يكون أو على أقل تقدير يكون دوره محايدًا، وإن كانت هذه مستحيلة، فطالما أن هذا الجهاز له فحوى معين، فهو إما إلى السلب، وإما إلى الإيجاب.

ولا يتسابق إلى الذهن الميل إلى التجريم، فليس هذا مجديًا أبدًا. وفي الإمكان تسويد الألوف من الصفحات دون أن يكون هناك عائد لذلك.

كما وليس معقولًا أن ننسب أعمال هذا الجهاز، للسلب المطلق. فليس هذا صحيحًا ولا متصورًا، والحق أن تلفازنا له حظه من الإيجاب، ولكنه دون القدر المنشود بكثير، وبودنا أن يسير تلفازنا نحو القمة الإيجابية المرجوة له لارتباط مصير المجتمع به، كما هو واضح ومعلوم.

سلبيات ليست كغيرها: 

وفي هذا المقام، لا بد من توضيح الحجم الحقيقي المجرد، لسلبيات الوسائط الإعلامية، والتلفاز منها بوجه أخص، فإن سلبيات هذه الأجهزة لا تقاس بكمها إذ ليس العبرة بالكم ها هنا وإنما العبرة بالنوع. ومن هذا المنطلق فإن أخطاء الإعلام في أوساط المجتمع، أشبه بأخطاء الأطباء مع المرضى، التي كثيرًا ما تكون نتائجها خسائر يصعب تعويضها وإصلاحها، وقد تعني الموت في أحيان غير قليلة!! 

ولكن الموت ها هنا ذا صيغة أشبه بالانتحار الجماعي، فليس هو قصرًا على أفراد معدودين وإنما يطال أجيالًا من الناس، وحشدًا من القيم، وبناءً ثقافيًا حضاريًا كاملًا يتغلغله الدين ويسري في كيانه ويكاد يتصل بكل جزئية من جزئياته. 

ومن هنا فخطأ الإعلام خطيئة كبرى، لأنه خطأ قاتل وأثره أثر جماعي لا فردي أو محصور، وعليه فإن المحاسبة لهذا الجهاز، يلزم أن تكون دقيقة وصارمة، لا تتجاوز عن أي جزئية مهما توهم الناس أنها صغيرة، هذا إذا أحس هذا المجتمع بذاته، وحرص على دوره ورسالته في هذا الوجود، ككيان مسلم مفترض فيه الالتزام بحقائق ما يؤمن به على أقل تقدير، نقول على أقل تقدير لأن المجتمع الإسلامي منوط به أن يسعى لنشر إيمانه ورسالته، وإذ تقلص دوره كثيرًا في هذا الجانب، فلا أقل من أن يلتزم في ذاته بقيم دينه ومبادئه!

تغابي غير مسوغ :

ولعل ما سبق، أكبر حقيقة يجب على الوسائط الإعلامية معرفتها، والالتزام بها، ولن يفوتنا أن نذكر في هذا الموضع، ذلك النفر «المتغابي» من بعض القائمين على هذه الأجهزة، نقول المتغابي لأنهم يفتعلون الغباء.. فمن البدهي في كل مجتمع سوي، أن تلتزم أجهزته بما يدين به ذلك المجتمع. والحق أن هذه مسلمة لا تحتاج إلى بيان. ولكن في مجتمع ضل مثقفوه الطريق، غدت المسلمات موضع نظر ومساءلة. بل تكاد تحصر في أقفاص من التشكيك والاتهام، ومعاملتها بمقتضى ذلك من اللامبالاة وعدم الاعتبار.

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة

الرابط المختصر :