; التنافس في غلاء المهور نهج جاهلي | مجلة المجتمع

العنوان التنافس في غلاء المهور نهج جاهلي

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يونيو-1987

مشاهدات 59

نشر في العدد 822

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 23-يونيو-1987

وأنا أتلو القرآن توقفت عند قوله تعالى ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ (النساء:4) فقلت سبحانك يا رب ما أرحمك، وما أسمى شريعتك، وما أعظم تشريعك تفرض للزوجة مهرًا وتسميه نحلة، وتجعل هذه النحلة أو الهدية ليست كسائر النحل والهدايا، بل جعلت لها حكمًا خاصًا فريدًا مميزًا لا يتقيد بقواعد النحل والهدايا والهبات، لأن الصداق يتعلق بالزواج، وقد جعلت بين الزوجين المودة والرحمة بحكم منك، وجعلت هذا الصداق حقًا خالصًا للمرأة، ليس لأبيها ولا لأخيها ولا لعمها ولا لزوجها، ولا لأي أحد آخر حق فيه، بل إن طابت نفسها شيء منه لأحد عند ذلك فقط يكون حلالًا، فيأخذه ويأكله هنيئًا مريئًا بعد أن جعلت لها المنة في ذلك.

وتذكرت عند ذلك ما تتعرض له المرأة في الهند إذا لم تستطع أن تحضر لزوجها المهر، فتقتل أو تحرق، وتذكرت أن المرأة الأجنبية بصورة عامة هي التي تقدم المهر لزوجها، وقد تميزت المرأة المسلمة بهذا الحكم الإلهي، فجعل الإسلام لها المهر، ليس في مقابل البضع كما قال بعض الفقهاء، لأن الله أحلها للرجل بكلمات الله، لا بالمال، وإنما هو نحلة كما قال القرآن، وقد ظن بعض الناس جهلا منهم أن في المهر انتقاصا للمرأة، لأنها تقدم نفسها مقابل المال، وإذا تأمل الإنسان القرآن سيجد أن المهر ليس ثمنًا للمرأة، وإنما هو نحلة وهدية فيه إعزاز لها يحميها من المذلة والامتهان، فبدلًا من أن تذهب لتوجد لنفسها المال لتقدمه للزوج، فرض الإسلام على الرجل مسؤولية الكد لتوفير هذا المال ليقدمه لها، وجعله حقًا خالصًا للمرأة على خلاف ما كانت عليه العرب في الجاهلية فقد كان الولي هو الذي يستحوذ على المهر، وكأنه يبيعها كما يبيع ناقته.

 ومع الأسف إنه لا زال بعض المسلمين اليوم يمشون على نهج الجاهلية، فيستكثرون من المال بزواج بناتهم، ويعتبرون المهر حقًا لهم، يثقلون به كاهل الزوج، ليستغنوا من غير نظر لمصلحة الفتاة وإذا كان هذا عند بعض العرب إلى اليوم، فإن المسلمين في الهند قد تأثروا بتقاليد الطوائف الأخرى، فجعلوا الأب هو الذي يدفع المال مقابل زواج ابنته، وإن كانوا لم يصلوا إلى حد قتل البنت كما تفعل بعض الطوائف غير المسلمة، ولكنهم خالفوا شريعتهم فأثقلوا كاهل الأب، وأصبح كل من عنده بنت ينتظر المصيبة التي ستحل به عند زواجها، ولا أدرى لماذا يتنكب المسلمون الطريق، وشريعتهم واضحة كالمحجة البيضاء ليلها كنهارها، فهم دائمًا في تقاليدهم وعاداتهم بين الإفراط والتفريط، مع أن شريعتهم شريعة العدل والاعتدال والوسطية، فهم يتأثرون بما حولهم، ويتبعون سنن من قبلهم، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وما نراه اليوم من إسراف في الزواج ليس من الإسلام في شيء إنه التقليد الأعمى فقط، تلبس العروس فستانًا يتكلف بمبلغ كبير من أجل ليلة واحدة هي ليلة الزفاف والمرأة إذا حضرت الحفلة في ثوب لا يمكن أن يرى عليها مرة أخرى، والوليمة تذبح فيها عشرات الخرفان ثم تذهب إلى القمامة، والمبالغ الكبيرة التي تجمع من النقوط تذهب إلى من لا يستحقها وإذا كان في الأمر تنافس في دفع الأموال فليكن في سبيل الخير، فلماذا لا نفكر في وضع صندوق خيري في كل عرس تحت إشراف لجنة من الحي لتصرف هذه الأموال لمساعدة الشباب الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف الزواج، فإن النقوط قد وضعت أساسًا لمساعدة الأزواج ولما استغنى الناس اليوم أصبح على النحو الذي عليه الآن من التفاخر والتبذير والفوضى، قال تعالى ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (الإسراء: ٢٧) ما كان المال يقف حائلًا دون الزواج فقد قال -صلى الله عليه وسلم: «التمس ولو خاتمًا من حديد» وقال «أولم ولو بشاة».

الرابط المختصر :