; التهيئة النفسية قبل الحج | مجلة المجتمع

العنوان التهيئة النفسية قبل الحج

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1997

مشاهدات 66

نشر في العدد 1242

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 18-مارس-1997

 

التهيئة النفسية قبل الحج بفترة زمنية مهمة جدًا حتى يوطن الإنسان نفسه على المشقة في الحج، فهناك من يعيشون حياة مخملية ونفسيتهم فيها مرتبة على الحد الأقصى من الدعة والراحة والهدوء والنظافة عندهم بصورتها المثالية، وربما أخرون يعيشون بالوهم على أنهم متميزون عن الآخرين، وعند الذهاب للحج والاختلاط بالمستويات الاجتماعية المختلفة يحدث لهم نوع من الارتباك، وعدم التكيف وأحيانًا يحدث لهم نوع من الخوف المرضي المتمثل في الخوف من الأمراض والخوف من الحوادث والخوف حتى من الموت، وممارسة الحجاج الخاطئة قد تحدث عندهم ردة فعل تؤثر على صحتهم وعلى شرعية الحج.. والتهيئة النفسية تساعد الإنسان على أن يحتفظ بهدوئه وصفائه وتوازنه النفسي أيًا كانت الظروف، ولكي يتم ذلك لا بد من الآتي: 

أ- أن يدرك الإنسان حقيقة أنه يستطيع أن يعيش حياة البسطاء بنفس الدرجة التي يستطيع أن يعيش بها حياة الأغنياء والحج فرصة بيدك لتثبت لنفسك ذلك، وقراءة سيرة المصطفى والسلف الصالح والرقائق وحياة الخشونة التي كانوا يعيشونها تساعد كثيرًا على ذلك.

ب- الحج فرصة للتطبيق العملي للمثل الإنسانية العليا ولشحذ العواطف تجاه الآخرين، فكل من في الحج إخوة لك في الدين والقبول عند الله ليس بالمستوى الاجتماعي قرب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره.

ج- ربما في الأيام العادية ونظرًا لقلة اختلاطك بالآخرين فلا تجد من يؤذيك، وفي الحج الفرصة مواتية لكي تتصدق بإيذاء الغير لك وتطبق ذلك عمليًا، واجعل أمامك قول المصطفى r «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (أخرجه ابن ماجه (4032)، وأحمد (5022) باختلاف يسير)، وأن الشدة ليست بالصرعة ولكن بضبط النفس عند الغضب.

د- تجنب الجدال والحدة في النقاش لأنها توغر الصدر، واجعل من الحج فرصة لكي تتعلم كيف تستمع أكثر مما تتحدث.

هـ- اجعل من الحج فرصة لكي تتعلم فن الخطاب والتحدث للغير كان تلمح في موضع التلميح وتصرح في موضع التصريح وتومي برأسك في الموضع الذي يقول فيه غيرك ما على لسانك وتصمت في موضع الصمت. 

و- اجعل من الحج فرصة عملية لكي تمارس فن التعامل مع الناس، كأن تستعيض عن اللوم المباشر والتوبيخ والجفاف في توجيه النصيحة بفعل يؤدي إلى نتائج رائعة مثال ذلك: لو رأيت من يلقي المهملات على الأرض فقم أنت بنفس راضية برفعها وأفعل ذلك أمامه وبذلك تكون قد علمت نفسك أسلوبًا جديدًا في التعامل مع الناس وأعطيت درسًا للآخر في الحرص على النظافة، أما إذا وجهت التوبيخ فقد تحصل على نتائج عكسية، وكذلك إذا وجدت من يدخن في المصعد أو في الأماكن المغلقة فاترك المكان بلطف واعتذر عن عدم الجلوس في مكان فيه تدخين وهكذا، وتذكر قصة سيدنا الحسن والحسين مع الرجل الذي لا يجيد الوضوء حيث قالا له: أنا وأخي مختلفان حول كيفية الوضوء فاحكم بيننا، وعندما أتما وضوءهما على الوجه الصحيح أدرك الرجل أنه هو المخطئ فشكر لهما حسن صنيعهما، وهكذا يكون شعارك دائمًا «فعل رجل في ألف رجل خير من كلام الف رجل لرجل».

الحج فرصة للتطبيق العملي للمثل الإنسانية العليا ولشحذ العواطف تجاه الآخرين

كيف تستفيد من الحج نفسيًا؟

إذا كان من المعالجة النفسية للتوتر والقلق والعصبية في العيادة النفسية هو جعل المريض يمارس عملًا يدويًا حسب نظرية العلاج الوظيفي، فإنك في الحج تستطيع أن تحصل على نتائج رائعة لعلاج هذه الأمراض بالآتي:

١- الاستغراق في العبادات واستحضار عظمة الله أثناء الصلاة وأداء المناسك. 

٢- أن تجعل لنفسك برنامجًا فور الانتهاء من مناسك العمرة «طواف القدوم»، كالاعتكاف بالحرم ووضع جدول لقيام الليل مع بعض الأصدقاء من أصحاب الهمم العالية.

٣- قراءة القرآن بتدبر واستحضار معانيه. 

٤- أن يكون لسانك في الحج رطبًا بذكر الله بدلًا من القيل والقال ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ ﴾ (الرعد: ٢٨)

٥- أن تجعل جزءًا من برنامجك لخدمة الضعفاء وكبار السن من الحجاج وتقديم يد العون لمن يحتاجها من زملائك، ويكون ذلك بنفس راضية معتبرًا ذلك تشريفًا لك فما تواضع لله أحد إلا رفعه الله كما جاء في الحديث. 

٦- لا تنظر إلى الجزء الفارغ من الكوب كالسلبيات والمنغصات وعيوب المقاول أو الحملة والارتباك في الإجراءات والعرقلة في السير والانتظار الممل أو أن تتخلف عن موعد الطعام، فلا تجد لنفسك طعامًا.. وجميع هذه الأمور واردة جدًا، ولكن ركز وجدانيًا ونفسيًا في الجزء المعلوم من الكوب، وهو أن تتخلص من كل سلبياتك وتشغل بعيوبك الذاتية ويكون هدفك أن تؤدي المناسك بصورة مثالية واجعل شعارك بدلًا من أن تلعن الظلام أن تضيء شمعة، فقد ثبت أن الوقوف بالنفس على مشارف اللعن والسب والسخط والغليان النفسي، يصيب بالكأبة والإحباط والقلق الذي يضر بالصحة، وعلى العكس من ذلك؛ فإن التعب وأنت تبحث في الظلام عن عود ثقاب وعن شمعة يشعرك باللذة ويجدد حيويتك ويزيد رصيدك من القوة النفسية والثبات وبذلك تستطيع أن ترى الله من نفسك خيرًا. 

٧- أن تترك نفسك تمامًا لله وإن كنت لا تحفظ المأثور من الدعاء عن المصطفى r فسأل أهل الذكر وادع الله بكل ما تحب بلغتك الذاتية، وأن تستحضر قرب الله منك وأن الله يجيب الدعاء وأن الله على كل شيء قدير.

 ٨- بفعلك ما سبق تستطيع أن تعيش في أجواء الحج الروحانية شريطة أن تشحذ الهمة على التخلص من السلوكيات الخاطئة مثل النظر بحسد للآخرين، وأن تغرس محلها القناعة وما تعنيه من التكيف مع إمكانياتك الخاصة وتخفيف حدة الصراع الذاتي بل والقضاء عليه لتكون من أصحاب النفوس الراضية المطمئنة والتخلص كذلك من التدخين والمفترات بأنواعها، وذلك بأن توجد لنفسك إرادة قوية فغير المدخنين ليسوا بأحسن منك ولا أقوى إرادة منك كل ذلك وأنت تستعين بالله على نفسك ولا تنسى أن الأنبياء والصالحين والأولياء وكل أصحاب المراتب العليا كانوا بفضل الله.

لكل محنة وجه نعمة:

٩- السعادة بيدك لكل محنة وجه نعمة ولقد لاحظنا ذلك أثناء رصدنا فذات مرة تأخرت الطائرة عن موعدها أثناء العودة من الحج أكثر من ١٢ ساعة وبسؤال الحجاج العائدين وجد أن الثورة والضجر والسخط بلغ عندهم ما لم يبلغه من قبل طيلة حياتهم، ووجدنا قلة وهم أقل من أصابع اليد الواحدة سعداء وبسؤالهم عن سر سعادتهم على عکس غيرهم وجدناهم أنهم استغلوا الوقت في مراجعة القرآن بأكمله.. أي أنه بيدك لا بيد عمرو أن تكون سعيدًا وصافي الذهن والعاطفة فلماذا لا تجرب ذلك؟

١٠- هناك إمكانية وطاقات هائلة كامنة في النفس وهبها الله للإنسان.. أنت لا تعرفها وهي المقدرة على التأقلم مع الاحتفاظ بصفائك الذهني والعاطفي، كالتأقلم في البيئات والظروف المختلفة ولكن يشترط في ذلك أن يكون بالتدرج ويبدأ برنامجك في ذلك من قبل الحج بفترة مثل:

أ- التأقلم التدريجي على تحمل درجات الحرارة المرتفعة، بالمشي في الظل لفترات متزايدة ثم بالشمس بصورة أقل.

ب- التأقلم على المجهود البدني الشديد بالرياضة التدريجية فتبدأ بالمشي السريع، ثم الهرولة مع بعض التمرينات السويدية وطلوع السلم بدلًا من المصعد.

ج- التأقلم النفسي على المبيت في غرفة يسكنها الآخرون والنوم في الضوء. 

ملحوظة: المريض الذي يتعاطى دواء لعلاج أي مرض نفسي يجب ألا يوقفه أثناء الحج، وعليه أن يستشير طبيبه النفسي قبل السفر للحج لأن هناك بعض الأمراض النفسية تمنع صاحبها من الحج، وهناك أمراض أخرى يمكن تعديل جرعتها الدوائية أو حتى نوعية العلاج.

الرابط المختصر :