العنوان التيه الفلسطيني... إلى متى؟
الكاتب عبدالمجيد حسين
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-2000
مشاهدات 77
نشر في العدد 1421
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 10-أكتوبر-2000
تداعت إلى ذهني أفكار كثيرة على إثر انعقاد ندوة في الرياض مؤخرًا تحت عنوان: «القدس في خطر»، نظمتها الندوة العالمية للشباب الإسلامي.. نعم القدس في خطر.. وكيف لا تكون القدس في خطر والمسجد الأقصى يئن تحت وطأة الاحتلال الصهيوني، والأرض المباركة تستصرخنا لأكثر من نصف قرن ولا حياة لمن تنادي، وكان الأمة الإسلامية استغرقت في نوم يشبه نوم أهل الكهف حتى لا أقول نوم الأموات.
كانت خلاصة تلك الندوة الرائعة التي استعرضت الأخطار التي تحيط بالأقصى أن القدس ليست فقط جغرافيًا أو تاريخًا، ولكنها عقيدة في نفوس المسلمين وقلوبهم من يوم أن أسرى الله بعبده وأفضل خلقه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إلى الأرض التي بارك الله حولها.
إنها عقيدة ارتبطت بقلوب المسلمين يوم أن صلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالأنبياء جميعًا في المسجد الأقصى، وأضحى هذا المسجد أول قبلة للمسلمين، ويوم أن فرض الله على عباده الصلاة من فوق سبع سماوات يوم أن عرج بالنبي الكريم إلى سدرة المنتهى صلاة نكررها في اليوم خمس مرات تذكرنا بأقصانا الجريح الذي يستصرخ فينا الهمم لعل فينا صلاح الدين جديدًا يحرره من نير الطغاة الصهاينة ليرتفع من فوق مآذنه نداء التوحيد... الله أكبر... الله أكبر ... لا إله إلا الله.
ولكن هل كانت القدس عقيدة فقط منذ أن أسرى الله برسوله الكريم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؟ وهل كانت فلسطين أرضًا مباركة منذ ذلك التاريخ فقط؟ انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ٧١) أي أن الله نجى إبراهيم ولوطًا عليهما السلام إلى الأرض المباركة وهي أرض الشام ومنها فلسطين – كما قال المفسرون – بعد أن كانا في العراق، ثم قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ (الأنبياء: ٨١)، أي لسليمان عليه السلام تسخير الريح تهب بشدة وتجري بسرعة إلى الأرض التي باركنا فيها وهي أرض الشام، أي أن إمامة المسجد الأقصى - الذي وضع في الأرض بعد المسجد الحرام بأربعين سنة - وبالتالي زمام الأمر على هذه الأرض المباركة كانت في يد الصالحين من ذرية إبراهيم عليه السلام إلى أن غلب أقوام جبارون على هذه الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، وكان ذلك في فترة رسالة نبي الله موسى عليه السلام، وهنا أدرك موسى عليه السلام المهمة الملقاة على عاتقه، وهي تحرير بيت المقدس ليظل في أيدي المسلمين، وانظر إلى التوجيه الرباني في ذلك الأمر، حين سار موسى بالجيش ليدخل الأرض المقدسة -أرض فلسطين- ليحررها من القوم الجبارين الذين اغتصبوها.
إذن فالقدس عقيدة منذ زمن إبراهيم أبي الأنبياء ترسخت على مر العصور عبر موسى وداود – عليهما السلام – لتكون حادثة الإسراء والمعراج التي ربطت قبلة المسلمين في المسجد الحرام بقبلتهم الأولى في المسجد الأقصى رباطًا روحيًا كان مسك الختام في هذه السلسلة المباركة ليبقى الأقصى أمانة في عنق المسلمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ... إلى يوم الدين.
الأرض المقدسة
ولنعد قليلًا إلى الوراء، لنرى ما حدث لقوم موسى عندما وقف فيهم خطيبًا يذكرهم بنعم الله عليهم، ومنها أن الله قد مكن لهم في الأرض، وجعل فيهم أنبياء وملوكًا، وأتاهم ما لم يؤت أحدًا من العالمين، ويطلب منهم استحضار نية الجهاد في سبيل الله، ودخول الأرض المقدسة التي كتبها الله للمسلمين المجاهدين، ولنستعرض الآيات من سورة المائدة: ﴿وَإِذ قَالَ مُوسَىٰ لِقَومِهِۦ یَـٰقَومِ ٱذكُرُوا نِعمَةَ ٱللَّهِ عَلَيكُم إِذ جَعَلَ فِیكُم أَنبِیَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَم یُؤتِ أَحَدا مِّنَ ٱلعَـٰلَمِینَ یَـٰقَومِ ٱدخُلُوا۟ ٱلأَرضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِی كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُم وَلَا تَرتَدُّوا عَلى أَدبَارِكُم فَتَنقَلِبُوا خَـٰسِرِینَ﴾ (المائدة: ٢٠ - ٢١)، فالأرض المقدسة هنا هي دمشق وفلسطين وبعض الأردن، قاله الزجاج.
وانتدب الله رسوله موسى - عليه السلام – ليقود قومه باستعادة الأرض المقدسة بأن ذكرهم بأنعم الله عليهم ومنها أن جعل فيهم أنبياء وملوكًا، فالقدس إذن عقيدة وتحريرها واجب على أنبياء الله وعباده الصالحين.
وإذا نظرنا إلى واقع الحال على أرض فلسطين منذ قديم الزمان لوجدنا أن سنة الله سبحانه وتعالى في نصر المسلمين ترتبط ارتباطًا لا ينفصم بمدى التزامهم بأحكام دينهم وشريعة نبيهم، وهذا ما أثبتته نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، وما أكدته تجارب التاريخ، وما أصاب حياة المسلمين من مد وجزر: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: ٧)، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ﴾ (آل عمران: ١٣٦) وكذلك نجد أن كثيرًا من المعارك وقعت على أرض فلسطين معارك بين الحق والباطل، وكانت معارك فاصلة في التاريخ الإسلامي منها أجنادين، واليرموك وحطين، وعين جالوت، وأن فلسطين كانت تعز بعز المسلمين وتقع في أيدي الغاصبين عندما يبتعد المسلمون عن دينهم وعن تطبيق شريعة ربهم وهكذا فإن المد والجزر في تقدم المسلمين أو تأخرهم، في انتصارهم أو هزيمتهم يرتبط ارتباطًا أساسيًا بمدى التزامهم بشرع الله سبحانه وتعالى أو ابتعادهم عنه.
وها هي فلسطين الآن تقع تحت سيطرة اليهود ويرزح المسجد الأقصى تحت الاحتلال لمدة تزيد على نصف قرن بعد أن هان المسلمون على أنفسهم فهانوا على الناس، وها هم أهل فلسطين يتيهون في الأرض أكثر مما تاه بنو إسرائيل زمن موسى – عليه السلام – وها هي الأسرة الواحدة تمرقت وتفرقت في أرجاء المعمورة، فهل لهذا التيه من نهاية وهل أن لقومي أن يتبعوا طريق الهداية لقد تنادى العرب في السابق إلى تحرير فلسطين تحت راية الاشتراكية والقومية والشيوعية والعلمانية بينما كانت تتوالى على رؤوسهم الهزائم، فلم يجدوا أمامهم إلا الحلول الاستسلامية وقنعوا بالحصول على الفئات من أرض فلسطين المباركة، ولكن هل هذا هو الطريق الصحيح للخروج من هذا التيه الذي وصلنا إليه.
العبرة في قصة بني إسرائيل
إن لنا في قصة بني إسرائيل مع نبي الله موسى – عليه السلام – أكبر العظة والعبرة، فإن الأرض المقدسة التي كتبها الله للمسلمين لا يجوز للكفار أن يكون لهم ولاية عليها، وأن الله فرض على عباده المسلمين دخولها ووعدهم بالنصر وأن النصر بيده سبحانه وما على المؤمنين إلا أن يأخذوا بالأسباب ليتحقق نصر الله ومن هذه الأسباب الإيمان بالله والتوكل عليه، وطاعته فيما أمر ونهى، فما بالك يا أخي المسلم إذا ضممت وعد الله لعباده المسلمين في زمن نبينا موسى – عليه السلام – إلى وعد الله وعد الآخرة لعباده المسلمين في دخول بيت المقدس يطهروه من دنس الصهاينة المحتلين: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (الإسراء: ١٠٤)، وأن الله قد جمع بني إسرائيل في أرض الإسراء تنفيذًا لوعد الآخرة: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ (الإسراء: ١٠٤)، لتكون نهايتهم بإذن الله على أيدي عباد الله المسلمين الذين ذكرهم الرسول الكريم في حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود» (رواه مسلم) في باب: قتال المسلمين اليهود، فإن عباد الله المسلمين هم الذين سيقتلون اليهود ويسترجعون المسجد الأقصى، هؤلاء هم المجاهدون في سبيل الله من ذلك الجيل الذي تربى على القرآن وعلى حب الشهادة في سبيل الله الذين يؤمنون بالله وبنصره ويتكلون عليه وتنطبق عليهم الآية: ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤمِنِينَ﴾ (المائدة: ٢٣)، وليسوا من ذلك الجيل الجبان الذي يقول كما قال بنو إسرائيل لنبيهم موسى: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ﴾ (المائدة: ٢٢)، يقولون اليوم بأنه لا طاقة لنا بقتال إسرائيل وأمريكا، لأنها تملك أسلحة نووية وقوة مادية ضخمة لا قبل لنا بها، فهؤلاء صورة مكررة للجيل الجبان الذي عوقب بالتيه أربعين سنة، والأمة الآن معاقبة بالتيه، فهي حائرة لا تدري ماذا تفعل، فكلما حاول الناصحون أن يدلوها على الطريق الصحيح لاسترجاع الأرض المقدسة. صمت آذانها ووصفت الناصحين بالرجعية والتطرف والإرهاب، ولذلك كان لابد أن يجري عليها عقاب الله. وتعمل فيها سنة ربانية: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٨)، سيهلك الله الجيل الجبان، ويأتي الجيل المسلم المجاهد الذي ستتحقق على يديه استعادة الأرض التي بارك الله فيها للعالمين: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الروم: ٤ - ٥)
إن توجه المسلمين من جميع الجنسيات، وجنسيتهم واحدة في الإسلام. صوب الأقصى سيثير الرعب في قلوب اليهود وبدء شن الهجمات المسلحة منهناك ضد العدو المغتصب سيقلب موازين القوى في المنطقة بالكامل، فلقد رأينا كيف كان الجندي الصهيوني المدجج بالسلاح يفر أمام الطفل المسلح بحجارة الأرض المقدسة يقذفها في وجه الغاصب الجبان وكيف أن أطفال الحجارة سعدوا أمام دبابات العدو وآلياته واستعذبوا الشهادة في سبيل الله وكيف أن الانتفاضة المباركة أصبحت حديث الناس في جميع أنحاء العالم وما ذلك إلا أن الناس استشعروا روح الجهاد في سبيل الله وهانت عليهم حياتهم الدنيا وقدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الله، وإنني أؤكد أن مجرد وجود المسلمين الصادقين بأعداد هائلة بأسرهم وأطفالهم يعيشون حياة المجاهدين المرابطين على حدود أرض فلسطين يكبرون ويهللون ويقيمون شعائر الله غير وجلين ولا خائفين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، فإن الله ناصرهم إن توكلوا عليه مؤمنين بنصره كيف لا وقد وعد الله قوم موسى على لسان الرجلين اللذين يخافا حين قالا للقوم: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: ٢٣). فلا عبرة بعدد اليهود وعدتهم وعتادهم ووقوف الرأي العام – المنافق – معهم فلقد كانوا أكثر عدة في خيبر فانظر ماذا فعلت بهم الفئة المؤمنة بقيادة رسول الهدى عليه أفضل الصلاة والسلام.
لهذا فليس غريبًا أن زلزلت ضربات مجاهدي كتائب عز الدين القسام دولة الكيان الصهيوني على قلة عددهم وعتادهم، لأنهم استعذبوا الشهادة في سبيل لله، ولتكن لنا كلمة ووقفة هنا مع ما حصل في جنوب لبنان وكيف فر الجنود صهاينة كالأرانب المذعورة تحت جنح الظلام يجرون أذيال الهزيمة والعار قبل الوعد الذي حدده زعيمهم للانسحاب في بداية شهر يوليو، فهذا الجنرال الذي كان يتحدث قبل أسابيع عن دولته الأقوى في الشرق الأوسط، اضطر تحت ضربات المقاومة وخسائر جنوده اليومية، بل وذعرهم أن يقر بأرانبه الجبانة على داخل ما يسمى بحدوده في مشاهد ستظل مزروعة كالخناجر في ذاكرة الغزاة وشعبهم.
فيا مسلم يا عبد الله هلا أعددت العدة، هلا تنادى المسلمون في كل مكان في هذا المشروع الجهادي العظيم.... الرباط في أكناف بيت المقدس، ثم الزحف ي بيت المقدس لتحرير المقدسات؟