; الثورات العربية أدخلت أجهزة المخابرات الغربية في مأزق! | مجلة المجتمع

العنوان الثورات العربية أدخلت أجهزة المخابرات الغربية في مأزق!

الكاتب كريستوفر ديكي

تاريخ النشر السبت 27-أغسطس-2011

مشاهدات 55

نشر في العدد 1967

نشر في الصفحة 18

السبت 27-أغسطس-2011

  • ستواجه عوائق عديدة من بينها إعادة تأهيل التقنيات القديمة لمكافحة ما يسمى بـ«الإرهاب»
  • العمل سيكون أصعب حيث إنك ترفع الغطاء ولا تعرف ما سيحدث بعد ذلك.. وهنا تكمن المشكلة!
  • وستشعر تلك الأجهزة بالحنين إلى زمن الطغاة المجرمين حيث كانت تستطيع التنبؤ بأفعالهم

مع انهيار الأنظمة الدكتاتورية في تونس ومصر، واقتراب انهيارها في ليبيا واليمن، خسر جواسيس الولايات المتحدة الكثير من حلفائهم الأكثر قيمة في الحرب ضد «الجهاديين».. وسيشعر العملاء الأمريكيون بكثير من الحنين إلى الماضي؛ حيث كنا قبل بدء سقوط الطغاة في «الشرق الأوسط»، نستطيع أن نخطف الأشرار المشتبه فيهم من الشوارع، وتسليمهم إلى حفنة من المحققين منزوعي الرحمة في بلدانهم الأصلية.. كما سيشعرون بالحنين إلى زمن الطغاة المجرمين، الذين كنا - رغم قبحهم - نتمكن من التنبؤ بأفعالهم.

والأخبار التي تأتينا عن عالم عربي أكثر حرية وعدلًا وإنصافًا واستقرارًا، تجعل العديد من رجال الاستخبارات وخبراء مكافحة «الإرهاب» يرون الكثير من الأخطار الكبرى تلوح في الأفق القريب!

يقول أحد كبار ضباط المخابرات الذين قضوا عقودًا في مكافحة «الإرهاب»: «كل هذه الاحتفالات الغربية بالديمقراطية مجرد هراء، لأن العمل سيكون أصعب بسبب التطورات الأخيرة، حيث إنك ترفع الغطاء ولا تعرف ما سيحدث بعد ذلك.. وهنا تكمن المشكلة».

لقد أمضى الأمريكيون سنوات طويلة في بناء علاقات اتصال مع شخصيات رئيسة في جيوش وأجهزة استخبارات دول منطقة «الشرق الأوسط» لتقديم الكثير من المعلومات التفصيلية.
ويؤكد «إدوارد ووكر» المساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى الذي يدرس الآن في كلية «هاملتون» بولاية «نيويورك» الفكرة نفسها، قائلًا: «لقد أصبحنا أكثر اعتمادًا على شبكات الاستخبارات المحلية، وبناء على ذلك فإنك تميل دائما لحمايتهم».

جولة سريعة في الأفق الخاص بمكافحة «الإرهاب» توحي بمدى الارتجال من قِبَل وكالة الاستخبارات المركزية «C.I.A» ووزارة الدفاع وغيرها من الكيانات الحكومية الأمريكية لكيفية التعامل مع العالم العربي في مرحلة ما بعد الربيع، وكيف أنه سيكون من الصعب بالنسبة لهم إعادة تأهيل التقنيات القديمة لمكافحة «الإرهاب».. فعلى نحو ما يقرب من ثلاثين عامًا، اعتمدت الاستخبارات الأمريكية على مصر «حسني مبارك» حليفًا رئيسًا، والشخصية المحورية في هذه العلاقة كان اللواء «عمر سليمان» مدير المخابرات العامة المصرية.

أولوية قصوى

وقد أصبحت الشراكة مع مصر أولوية قصوى في تسعينيات القرن الماضي، عندما كانت مصر تواجه تهديدًا خطيرًا يتمثل في الهجمات الإرهابية بقيادة «أيمن الظواهري»، الذي انخرط في نهاية المطاف مع «أسامة بن لادن» لإنشاء ما يسمى الآن بتنظيم «القاعدة».. وفي عهد «كلينتون»، استخدمت الـ«C.I.A» انتشارها العالمي لتعقب أعضاء التنظيم، ثم إرسالهم إلى مصر لاستجوابهم، الذي كان ينتقل إلى التعذيب في كثير من الأحيان والإعدام في بعض الحالات.

ومن الجهاديين المصريين في البانيا وغيرها التقطت المخابرات المصرية والـ«C.I.A» معلومات مهمة عن الآليات الداخلية لتنظيم «القاعدة»، وقبلت «واشنطن» ضمنيا تأكيدات مصر أنها لن تستخدم التعذيب، كما قال «ووكر» السفير الأمريكي في القاهرة في ذلك الوقت.

واستمر برنامج «التسليم» بتعاون وثيق مع «عمر سليمان» بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ۲۰۱۱م، لكن إدارة «بوش» دفعت التعاون المخابراتي في الاتجاه الذي تريده هي لا الذي تحتاجه «واشنطن».

موافقة ضمنية

عندما اشتعلت الثورة الشعبية في مصر، أُخذ الجميع على حين غِرّة، ليس فقط الدكتاتور الثمانيني «حسني مبارك»، ولكن أيضًا وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وحتى جهاز مخابرات «مبارك».. إنه ليس خطأ الـ«C.L.A» التي فشلت في توقع اقتراب العاصفة؛ لأنه في ظل التعاون القائم بين الجانبين، حاول المصريون دائمًا منع الأمريكيين من التقصي عن المعارضة الشعبية داخل مصر.

وعندما سقط «مبارك»، سقط معه رئيس مخابراته الذي تولى منصبه منذ فترة طويلة.. وكلما ارتفعت الاحتجاجات في «ميدان التحرير»، كان حكم الكهل ينهار بموافقة ضمنية من الولايات المتحدة على نائبه «سليمان» في ذلك الوقت وخليفته المحتمل، لكن رفض الحشود في الشارع لـ«سليمان» أخرجه من ساحتَيّ المخابرات والسياسة في آن واحد.

ومنذ ذلك الحين، لا أحد يستطيع أن يقول: إن الذي قد يحل محل رئيس المخابرات المخلوع يمكن أن يصنع نوعًا من الصلة بين مصر والولايات المتحدة؛ حيث إن عمله ليس مجرد وظيفة.

وكما يقول «هوفمان» من جامعة «جورجتاون»: «تقوم كل اتصالات الاستخبارات على اتصالات شخصية.. قبل ذلك، كنت تعمل مع أناس كانوا يركزون على التهديدات الإرهابية الدولية، كانت تلك هي مهمتهم.. أما الآن، فستتركز اهتماماتهم على التهديد الداخلي، والحفاظ على مناصبهم، وسيرى الكثيرون منهم أن أي علاقة لهم بالولايات المتحدة ستكون وبالًا عليهم».

وفي ليبيا يبدو الخلل أكبر، فقد صاغت المخابرات البريطانية والأمريكية علاقات وثيقة في تسعينيات القرن الماضي مع رجل المخابرات الليبي المخضرم «موسى کوسا»، وأصبحت العلاقة أكثر قوة بعد الحادي عشر من سبتمبر، ومارست دورا حيويا في عملية «إعادة التأهيل» التي تمت للعقيد «معمر القذافي» في عيون الغرب.

«لقد صاغت مكافحة «الإرهاب» شراكات غريبة؛ حيث كان «القذافي» مهووسًا بمحاربة الجهاديين الليبيين الذين حاولوا على مدى عقود اغتياله وقلب نظام حكمه.. وتركز الولايات المتحدة على المجموعة نفسها؛ لأن ليبيا كانت موطن العديد من المجندين في صفوف تنظيم «القاعدة» في أفغانستان والعراق.. ولكن في وقت مبكر من هذا العام، أصدر «القذافي» فجأة عفوًا عن مئات المقاتلين الجهاديين والمتشددين من السجون، مدعيًا أنه قد أعيد تأهيلهم، وليست لدينا أي فكرة الآن عن أماكنهم».. هذا ما يقوله «بوسيك» من معهد «كارنيجي»، الذي أجرى مقابلات مع بعض منهم في ذلك الوقت.

وأضاف: «عندما قامت الثورة ضد «القذافي» في ليبيا قامت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بتقديم الدعم الجوي للثوار، وانشق «كوسا» بسرعة وذهب إلى لندن، وهذا أدى إلى حرمان الغرب من قناة الاستخبارات الليبية رقم (1).

ولا يقل الوضع خطورة في اليمن؛ حيث نشرت القيادة الأمريكية في السنوات الأخيرة المستشارين هناك، وعملت على بناء وحدة خاصة لمكافحة «الإرهاب» تابعة لمنظومة الأمن المركزي في البلاد؛ بقيادة ابن أخ الرئيس «علي عبدالله صالح».

ومؤخرًا كان الدكتاتور يقضي فترة نقاهة من إصابات في انفجار بمجمع الرئاسة يوم الثالث من يونيو الماضي، ومن المرجح أنه لن يعود إلى بلاده قريبًا، بينما أقاربه لا يزالون يسيطرون على اليمن.

وفي هذا الشأن، ليست هناك وسيلة المعرفة ما إذا كانوا سيركزون قوة نيرانهم على المحتجين المعادين للنظام، أم على القبائل المنافسة، أم على بعضهم بعضًا أم على كل ما سبق؟

بيئة مناسبة
ويقول «بوسيك» من معهد «كارنيجي»: إن «عدم الاستقرار الذي ينتشر بشدة مصاحبًا الربيع العربي، يشكل بيئة مناسبة لتلبية احتياجات الجهاديين، لأن «القاعدة» تزدهر في الدول الضعيفة أو الفاشلة، وليس في الدول التي سقطت بالفعل».

ويضيف: «إنهم يعتمدون على العديد من الأشياء التي تمكنهم من العمل، كما أنهم لا يريدون العيش تمامًا خارج التنظيم وبعيدًا عن المجتمع، والمساحة الأفضل بالنسبة لهم هي التي توجد فيها حكومة مركزية ضعيفة وليست منهارة تمامًا».

«الهوامش»
(*) مجلة «نيوزويك» الأمريكية، ١٢ يونيو ٢٠١١م

الرابط المختصر :